في فرنسا اليوم نقاش مهم حول حق التعبير وحرية الرأي في اتجاه مراجعة الأسس الفلسفية التي قامت عليها هاتين القيمتين الانسانيتن وكما جاء بها فكر عصر الأنوار وهناك تحول ولو جزئي في التعاطي مع ما يحصل من توتر مجتمعي نتيجة تصدع منظومة القيم العلمانية التي اتضح أنها لم تعد قادرة على استيعاب التنوع وإدارة الإختلاف وضمان العيش المشترك بعد أن تخلت المدرسة الفرنسية عن مبدأ الحياد الديني وتراجعت عن قيم اللائكية التي ترفض تناول موضوع الدين و مسائل الإيمان في الدرس المدرسي ولا تقبل بالتعرض في المقررات المدرسية إلى الآخرين القادمين من ثقافات غير فرنسية في معتقداتهم ودينهم بالسخرية والاستهزاء بإسم تدريس الاختلاف أو بإسم حرية التعبير وذلك بعد أن اعترف بعض المفكرين الفرنسيين الموضوعيين بأن الأستاذ " صامويل باتي " الذي تم قطع رأسه من طرف شاب مسلم من الشيشان قد ارتكاب أخطاء بيداغوجية بعد أن تولى أثناء تقديم درسه إلى أطفال صغار عرض رسوم مسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهي أخطاء المدرسة الفرنسية اللائكية غير متعودة عليها وفيها مخالفة لقيمها المبنية على عدم التعرض إلى المعتقدات الدينية وعدم إظهار المشاعر العنصرية تجاه الغير وعدم إقصاء أي تلميذ من الدرس الذي توصي المنظومة التربوية العلمانية أن يكون جماعيا وغير مختص بفئة دون غيرها وهي كلها أخطاء ولو أنها لا تبرر الفعل الإجرامي المدان إلا أنها قد حصلت من طرف المدرس الضحية. إن هذه الحادثة المؤلمة والتي تزامنت مع الخطاب الذي قدمه الرئيس الفرنسي " ايمانويل مكرون " يوم 2 أكتوبر الجاري والذي عرض فيه أهم مخرجات " قانون الانعزال " الذي يعتزم تقديمه أمام الجمعية العامة الفرنسية للمصادقة عليه والرامي إلى محاصرة ظاهرة " الانعزالية الإسلامية " التي بدأت تكتسح المجتمع الفرنسي نتيجة تنامي ظاهرة التطرف الديني أو ما يعرف بالراديكالية الإسلامية التي وراءها جماعات تنمي إلى الإسلام السياسي تعمل على إنشاء تجمعات سكنية منعزلة في مناطق من ضواحي فرنسا لا تعترف بقوانين الجمهورية الفرنسية ولا تلتزم بالقيم العلمانية التي تسير عليها فرنسا ، إن هذا التزامن بين اتهام الإسلام من طرف الرئيس ماكرون بكونه يعيش أزمة في كامل أوروبا وليس في فرنسا فقط من وراء تصاعد ظاهرة الإسلام العنيف في صفوف الجيل الثالث والرابع من الفرنسيين ليس وليد اليوم ولم يكن بسبب تعمد وسائل الإعلام الفرنسية نشر رسوم مسيئة لنبي الإسلام وإنما المسألة أعمق من ذلك بكثير تعود إلى أزمة في الثقافة الفرنسية وأزمة في العلمانية اليعقوبية التي فشلت في إنشاء مجتمع متوازن يحترم العيش المشترك بين أفراده المختلفين وأزمة دولة علمانية لم تقدر على إدارة الاختلاف واحتضان كل أبنائها من الفرنسيين حتى وإن اختلفت جذورهم وأصولهم وفي الأخير ما حصل ويحصل يعبر عن أزمة العقل الفرنسي الذي فشل في التعاطي مع الثقافات الأخرى وهذا فعلا ما بدأنا نسمعه من العديد من الكتاب والمفكرين في الغرب الذين بقدر ما يدينون الاعتداءات على الأشخاص بدوافع الانتصار للمعتقد الديني فإنه بالقدر نفسه يحملون الدولة والنخب الفكرية التي تتعمد الإساءة والاستهزاء من ثقافة الآخرين بإسم حرية التعبير وحرية الرأي ومن بين هؤلاء المثقفين الذين لم ينخرطوا في استراتيجية استعادة إشعال الحروب الدينية وتذكية ما يسمى بصراع الحضارات الرسام الكاريكاتوري البلجيكي " فليب جليك " الذي صرح بمناسبة نشر الرسوم المسيئة لرسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وما تخلفه من ردود فعل من طرف المسلمين بقوله " نستطيع نحن الغربيون أن نتحدث عن كل شيء وفي كل شيء وبكل حرية ولكن علينا أن نفعل كل ذلك بكثير من المسؤولية وفي كنف احترام لخصوصية الآخرين وخاصة إذا كانوا قادمين من حضارات مختلفة وينتمون إلى ثقافة غير ثقافتنا وينتمون إلى دين آخر…. لقد قمت برسم العديد من الرسوم حول الديانة المسيحية وهذا طبيعي ومقبول لأنها ديانة أجدادي وعائلتي والبلد الذي انتمي إليه وكان دوما السؤال الذي يطرح علي لماذا لا ترسم رسوما مضحكة حول الإسلام ؟ وكانت إجابتي دوما أنه لا يمكنني ذلك لأن الإسلام ثقافة أخرى وعلينا أن ننتبه كثيرا حينما نتعامل مع ثقافة نجهلها ، لا يمكنني رسم رسوم ضاحكة عن الإسلام والمسلمين وأنا أجهل في هذه الثقافة ما هو مسموح وما هو غير مسموح لقد رسمت أشياء ولكن أمرا واحدا لا يمكن رسمه وهو مقدسات المسلمين وما يمثل ذواتهم العميقة .. أن تكون لا ديني أو أن تكون مسيحي أو تؤمن بديانة أخرى فلا أرى في ذلك مشكلة ولكن هناك من يعد ذلك أمرا مزعجا كما لا أرى من فائدة في أن نتسبب في حدوث جروح لغالبية المسلمين وآلام للمسلمين المسالمين والناس الطيبين فهم مواطنون لنا وأخوة لنا يجمعنا معهم عيش مشترك في بلد واحد في كنف السلام والانسجام فبأي حق في إطار حرية التعبير وحرية الرأي أن نسبب لهم الألم والإهانة في أكثر الأمور قداسة لهم ؟ فليس من حقنا أن نعتدي على المسلمين ونحن نجهل ثقافتهم التي لا تسمح بالتعدي عن الرموز الدينية المقدسة.