لم تمض على انطلاق سباق بطولة الرابطة المحترفة الاولى سوى ثماني جولات ورغم أنّ نسق المباريات ورهان المواجهات مازالا يرابطان بين سقف الرتابة وجدار الملل، تطالعنا من حين الى آخر جملة من التصريحات والادعاءات التي تفيض إخلالات وزلّات، حتى خيّل إلينا أنّ البطل المرتقب استنفد كلّ العتاد وصار على مشارف الحصاد والحال أنّ الطريق مازالت طويلة بل ربّما قد تحيد عن خانة التكهنات وتطول أكثر من اللزوم في ظلّ مناخ المدّ والجزر ومناورات الكرّ والفرّ التي يمارسها البعض، بل ويتفّنن في ترويجها... على الميدان لا جديد يذكر ولا قديم يعاد سوى بعض الاستثناءات التي تأتيها أٌقدام أجنبية تغوص بنا حينا في عالم الفنّيات والأمنيات حيث تتلاقى الآهات بوابل من التصفيقات قبل أن نستفيق على عجلة من أمرنا و تعيدنا الذاكرة غصبا الى «بطحة» الحقيقة حيث ترتع كرة «التغفيص» ويعلو أنين البكاء وعويل التنبير أمام عدسة الكاميرا و على أمواج الأثير... اليوم لم يعد المجال يسنح للحديث عن بطولة محترفة نظيفة بريئة من شوائب العامة ومن سلوكات الخاصة ومن نفاق السّاسة خاصة...الكرة اليوم في بطولتنا «المنحرفة» صارت مملوءة هواء ساما ينفث دخانا أسود يدنّس بلا حياء ولا استحياء ما بقي لنا في ملاعبنا ومدارجنا من صفاء و نقاء... عناوين ملغومة قد يكون الحراك السياسي المحتدم الذي تعيشه البلاد في الآونة الاخيرة خاصة أنّ الانتخابات التشريعية والرئاسية على الأبواب وما يقتضيه ذلك من حركات إحمائية، على أمل الوصول الى الحصص الاضافية، دافعا كافيا وسببا مباشرا في شحن الاجواء وتفشّي ظاهرة الشعبوية بما انّ الشعب كان دائما ولازال هو وقود المعركة الانتخابية ودونه تكون الانتخابات مجرّد ظاهرة صوتية وفرقعة حينية كتلك التي تصدرها صناديق الجمعيات الخيرية... لكن كلّ هذا لا يبرّر تكرّر السقطات التي يأتيها بعض المسؤولين الفاعلين في البطولة... ما جرّنا الى هذا الحديث هو ما أتاه مؤخّرا رئيس النجم الرياضي الساحلي رضا شرف الدين الذي نزع عنه قبّعة المسؤول الرياضي وتلحفّ بعباءة السياسي الذي يتلهّف للوصول الى كرسي البرلمان حيث الدفء والأمن و الأمان... رئيس النجم الذي نكنّ له كلّ الاحترام والتقدير سقط في الفخّ وانضم الى زمرة الموقدين للنعرات الجهويّات لكسب التعاطف في حربه المستقبلية ضدّ جماعة الاتحاد الوطني الحرّ. وبما أنه يمثلّ «النداء» كان نداؤه المسيء للنادي الافريقي ولتتويجه القاري الأخير ملغوما مسموما مشفّرا...نداء هو في الحقيقة حقّ أريد به باطلا لانّ صرخة المظلوم التي أطلقها الرئيس لم تكن لنصرة النجم بل لضرب الخصم. لكن الأذى لم يطلّ جماعة «الحرّ» بقدر ما أساء للفريق الحرّ والذي سيبقى حرّا أبدا ونعني بذلك الافريقي طبعا... وكان لزاما على شرف الدين أن يحوّل حربه غير المعلنة بينه وبين سليم الرياحي الى ميدان غير هذا الميدان...فالإفريقي والنجم باقيان مهما كان اسم «سي فلان» أما كلاهما فزائلان عاجلا أو آجلا... قبل فوات الأوان على ما يبدو لم يستشعر شرف الدين خطورة ما قال و إلاّ ما كان ليجرؤ على التلفّظ بتلك العبارات فجمهور الافريقي يشغله كثيرا حديث «التراكن» فما بالك بما يقال جهرا وفي العلن وردّة الفعل كما رصدناها كانت بحجم الاذى الذي طال فريقهم...على الطرف المقابل لم تتعوّد جماهير النجم الصمت فاستجمعت قواها لردّ الصاع صاعين لكلّ المتطاولين على فريقها والنتيجة معركة كلامية ظاهرها رياضي وجوهرها سياسي... حرب معنوية وقودها تصريحات وتصريحات مضادة سيقت اليها جماهير عفوية كلّ ما يعنيها في صراع البقاء هو واجب الانتماء والدفاع عن حرمة الالوان في كلّ زمان مكان... وكأنّه لا تكفينا رزمة الخلافات التي تنخر جسد هذه البلاد ليقحم رؤساء الاحزاب والقائمات حوافرهم وأنوفهم في ميدان لا يتسّع سوى لكرة سحرها وإثارتها في تنافر الاخوة الاعداء... كنّا نطالب دائما بتحييد المساجد خوفا من تطويع المآذن وتوظيف الدين لخدمة السياسة واليوم يبدو اننا في حاجة أكيدة كذلك الى اطلاق صيحة فزع مماثلة لتحييد الميادين من بطش السياسيين...فعلى ما يبدو لم يحن الوقت بعد للمزج بين المجالين فلا سياسيونا على درجة كبيرة من الموعظة والحكمة حتى يفصلوا بين ميولاتهم الرياضية وبين مطامعهم السياسية ولا جماهيرنا الوفية بلغت بعد درجة كبيرة من الوعي تجعلها تساير الركب بفطنة العاقل وليس بغريزة الجاهل الذي تعوزه بصيرته فلا يبصر سوى عمى الالوان... ما حدث خطير جدّا بل أخطر ممّا يتصوّره رضا شرف الدين، الذي جلس ذات يوم في بنك الترجي لتهدئة جماهير النجم الثائرة...يومها لم يكن رئيس النجم متحزّبا ولم يكن «قائده السبسي» حاضرا في مخيلته حين قادته حكمته الى تهدئة الانصار وتجنيب البلاد المزيد من الأضرار...يومها كان النجم ملكا لجمهوره الوفيّ تماما كما كان الافريقي فخرا لشعبه الأبّي... يومها لم تكن كرة القدم والاندية وسيلة أو ربّما حيلة لدخول القصر من بابه الخلفي وحتى إن خان البعض الأمانة فحبل الكذب قصير ومصيرهم كان دائما المهانة... هي صيحة فزع نطلقها قبل فوات الأوان حتى لا يزيد الأمر سوءا ولا ينفلت عقال الحكمة من بين أصابع الجماهير ويصير الدفاع عن الجمعيات والشخصيات واجبا بل شرفا يعادل «الشهادة» كما يسوّق له دائما رعاة الدمار وهواة الخراب... نقولها صراحة اتركوا النجم والافريقي لحالهما فخلفهما أصوات تهتف الى الابد وأياد تضرب بعصا من حديد...ومن يأسره هوس السلطة وعظمة الكرسي عليه الاختيار بين قبّعة الرياضي وبرنس السياسي فإّما الانصياع لأوامر الحزب أو الوفاء لتاريخ الجمعية... لشرف الدين والرياحي ولغيرهما من «ثوّار» العهد الجديد نقول السياسة والرياضة خطان متوازيان لا يلتقيان و تونس لا تحتمل مزيدا من المزايدات فاتقوا الله في هذا الشعب المسكين الذي يتلذّذ دون أن يشعر بمداعبة نصل السكّين...