سفارة تونس بروما تنظم يوما ترويجيا لزيت الزيتون    طقس الليلة.. كثيف السحب مع امطار متفرقة    مدير عام الصحة: نتقدّم بسرعة في مجال الصحة الرقمية    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    تأجيل النظر في قضية المهدي بن غربية إلى 17 أفريل    ولاية تونس: جلسة عمل تنسيقية استعدادا لاختبارات الباكالوريا في مادة التربية البدنية    لقاءات تونسية-كونغولية لتعزيز الشراكة الاقتصادية يوم 7 أفريل بدار المصدر    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    كلاسيكو الاثارة: الترجي ضدّ النجم..دُفعة معنوية كبيرة لفريق باب سويقة...شنّوة الحكاية؟    القنصل العام التونسي بالنيابة بدبي يوجه هذه الرسالة للجالية التونسية..#خبر_عاجل    المنارات: الإطاحة بلص روّع أصحاب السيارات    فاجعة تهز هذه المنطقة: شاب يذبح كهلا..!    عاجل/ بعد اسقاطها: ايران تضع مكافأة مالية لمن يعثر على طياري المقاتلة أميركية..    "أمن الطاقة".. ميلوني تصل جدّة في أول زيارة لمسؤول أوروبي رفيع إلى الخليج منذ بدء حرب إيران    اليك الترتيب بعد الجولة 24    سكرة: القبض على المروّج الذي بتر إصبع مواطن    رئيس جامعة النزل بنابل: انطلاق الاستعدادات للموسم السياحي.. وتباطؤ في وتيرة الحجوزات    برلمان: أوضاع المنشآت الثقافية وتعطل عدد من التظاهرات والمشاريع محور أسئلة شفاهية لوزيرة الشؤون الثقافية    بلومبرغ: ماكرون ينتقد ترامب ويدعو الحلفاء إلى التضافر ضد الولايات المتحدة    ليلة سوداء في روما: حلم المونديال يتحطم ورحيل غاتوزو رسميًا    انطلاق "صالون المرضى" بمدينة الثقافة: فضاء مفتوح للتوعية الصحية والحوار مع المختصين    الجامعة المهنية للسياحة تستغرب مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع المهنيين    بين المفاجآت والخيارات المنتظرة... قائمة المنتخب الوطني تشعل الجدل    يهمّ حتى التوانسة: حرب إيران تسبّبت في إرتفاع أسعار الغذاء    الحرس الثوري يعلن تدمير زوارق أمريكية وطائرة مقاتلة من طراز F-35    النادي البنزرتي مستقبل سليمان: التشكيلة الأساسية للفريقين    الفنان الموسيقي عبد الحكيم بلقايد في ذمة الله    أمين عام اتحاد الشغل: "انطلقنا في إعادة الثقة بين النقابيين و الحوار مع السلطة أولويتنا في المرحلة القادمة"    قرمبالية: إصابة سائق سيارة في اصطدام بقطار لنقل البضائع    قبلي: تنظيم ملتقى علمي حول "الدمج المدرسي من القانون الى الممارسة والتطبيقات"    رئيس الإتحاد الإيطالي لكرة القدم يستقيل من مهامه    عاجل: غلق جسر أمام مطار تونس قرطاج لمدة 3 أيام.. إليكم التفاصيل    عاجل/ بشرى للتونسيين: 5 آلاف وحدة سكنية..السنيت تطلق مشروعا سكنيا ضخما في أحواز العاصمة..    وزارة الشؤون الدينية تعلن عن برنامج لقاءات الحج التدريبي في مختلف ولايات الجمهورية    عاجل/ قتلى وجرحى في هجوم صهيوني أمريكي على جسر في إيران..    نجاح تجربة واعدة لعلاج السكري من النوع الأول    حاجة تعملّها في ''الكوجينة'' خاصة في الّليل...تهدّد صحتك direct    مونديال 2026 - الفيفا تمنح البطولة المكسيكية مهلة إضافية لتسليم الملاعب    رئيس الاتحاد الاوروبي لكرة القدم يحذر إيطاليا من خسارة استضافة كأس أوروبا 2032 إذا لم تطور ملاعبها    إطفاء الشاشة الأشهر في مصر ضمن إجراءات ترشيد الطاقة    جامعة تونس المنار تنظم دورة تحسيسية حول السلوكيات ذات المخاطر في الفضاء الجامعي يوم 8 افريل 2026 بالمعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس    علي الزيتوني يحكي: موش كل واحد يقربلك يحبك، برشا ناس على مصلحتهم    كيفاش تعرف إذا قلبك صحي والا لا؟    جرعة صغيرة من هذه العشبة صباحا تغيّر مستوى السكر... تعرف شنّوة؟!    واشنطن تفرض رسوما جمركية جديدة على الأدوية    وزير التجهيز والإسكان يتابع سير أشغال مشروع الطريق السيارة تونس – جلمة    عاجل: بعد البرد... السخانة راجعة تدريجيا وهذا موعدها    محل 60 منشور تفتيش... ليلة الإطاحة بالمكنى" اوباما" أخطر منحرف في سيدي حسين    عاجل/ استهداف مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت بمسيرات..    عين دراهم: إعادة فتح طريق واد الظلمة مؤقتًا إثر انزلاق أرضي    نائبة تكشف: صابة الزيتون لم تُجمع بعد في هنشير تابع للدولة بسيدي بوزيد    ألمانيا: شاب مسلح بسكينين يفجّر عبوات ناسفة داخل قطار    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    المسرح البلدي خارج الخدمة من جديد...هل أصبح الغلق سياسة ثقافية؟!    أولا وأخيرا .. إلى اللقاء في «الكاسة»    شريف علوي: إنفصلت على زوجتي الفرنسية خاطر تشمّتت في موت صدام حسين    سليم الصنهاجي مديرا لأيام قرطاج المسرحية    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



15 عاما على رحيله: شهادات رجال ونساء عاصروا بورقيبة وحكايات اللحظات الأخيرة من عمر الزّعيم
نشر في التونسية يوم 06 - 04 - 2015

(تونس)
في مثل هذا اليوم من سنة 2000 شيّع الآلاف جثمان الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إلى مثواه الأخير في روضة آل بورقيبة بالمنستير.. لكنه ظلّ حاضرا بقوّة في قلوب التونسيين.. لم يكن فقط رجل دولة قاد ملحمة الكفاح الوطني وبناء تونس الجديدة بل ثقافة مكتملة الأركان توارثها التونسيون جيلا بعد جيل..
هو الإرادة والقوّة والحسم والقدرة على استشراف المستقبل.. تلك الخصال التي أعادت الزعيم بقوّة إلى سطح الأحداث على مدى الرباعية الأخيرة حيث بدت شخصيته بمثابة الملاذ في خضمّ التردّي غير المسبوق للأوضاع العامة والتهديدات التي طالت طبيعة المجتمع ومكتسباته الحضارية.
في هذا الملف ترصد «التونسية» شهادات عن خصال ومناقب الزّعيم ومراحل ومواقف مؤثّرة ومعبّرة على امتداد حياته التي ناهزت 97 عاما.
الدكتورة سعيدة الدّوكي، تروي تفاصيل الساعات الاخيرة لبورقيبة
التونسية (تونس)
سعيدة الدوكي طبيبة نفسية، ورئيسة قسم الامراض النفسية في مستشفى الرازي، وقعت دعوتها في اواخر شهر مارس 2000، حيث تم نقل بورقيبة من المنستير الى المستشفى العسكري في تونس، في محاولة أخيرة لإنقاذه ، وقد كلفت وقتها بمرافقته الى المنستير، ومتابعته حتى آخر رمق.
في شهادتها أكدت الدكتورة سعيدة الدوكي، انها لا تزال تتذكر ذلك اليوم التاريخي ، الذي كان لها فيه شرف لقاء بورقيبة، إلا أنها لا تستطيع أن تتذكر التاريخ، ولا حتى تاريخ وفاته، الذي تبعه بعد بضعة أسابيع، كما لو أن ذهنها رفض تسجيل ذلك التاريخ، كما فعل مع تاريخ وفاة والدها.
تروي الدكتورة الدوكي التفاصيل، منطلقة من اللحظة التي رن فيها جرس هاتفها الخلوي، حيث كان زميلها وصديقها الأستاذ محمد قديش، هو المتصل، والذي أعلمها بضرورة توجهها الى المستشفى العسكري، لرؤية الزعيم بورقيبة.
تقول الدكتورة إنّها كانت تنظر الى بورقيبة، يرقد على سرير المستشفى، حيث ضعف جسده، ولكن رأسه كان ممتدا إلى الامام كالمعتاد، كرأس الإمبراطور الروماني، بنظرته الثاقبة.. كان يعاني، ويتذمر، كان يتمتم، كان عاجزا عن الكلام، بسبب الانهيار الواضح في قدراته المعرفية، وغير قادر عن النوم، كما كان يعاني من مشكل عدم قدرته على التغذية، كان متشنج الاعصاب، يصرخ، وكان لا بد من التخفيف عنه، وتهدئته، ممّا دفعها الى الاستفسار عن العلاج الذي كان يحظى به، وبمعرفتها لمكونات العلاج، أحسّت بجسامة مسؤوليتها، وشعرت بتسلل الرعب الى اصابعها، وبزيادتها في جرعة حقنة الزعيم بورقيبة، حصلت المعجزة، وسقط بورقيبة نائما بسلام.
وتقول الدكتورة سعيدة الدوكي أنّ الضرورة كانت تقتضي نقل بورقيبة في أسرع وقت ممكن الى المنستير، حتى لا يتساءل الشعب عن سبب إقامته في المستشفى، وتم نقله في اليوم التالي، مما أثار استياء ابنه، طالبا منها مرافقتهم، وهو ما جعلها تنتقل الى المنستير، حيث تمّ اختيارها بدلا من طبيب نفسي عسكري، وذلك بكامل السرية، وأكدت الدوكي في شهادتها، أنها كانت لها ميزة في كونها موجودة في ذلك المكان، حيث لاحظت وصول تذبذبات غير منتظمة قاتلة الى القلب، مما دفعها الى اقتراح ايقاف إنهاء العلاج، على الوالي الذي كان يقوم بزيارات يومية، والذي وافق على اقتراحها، وسمح للعديد من الأقارب والأصدقاء بزيارات أخيرة. بعد موت الزّعيم، اعتبرت الدوكي في شهادتها، أن الفترة الحاسمة، هي وقت التجهيز للجنازة، حيث دارت المناقشة بين بورقيبة الابن، والوالي، الذي كان مرتبطا بتعليمات «زين العابدين بن علي»، وكانت المسألة مرتبطة بتنظيم جنازة وطنية، بحضور كل أصدقاء بورقيبة، ورؤساء الدول، وحمل التابوت على الاكتاف، إلى مثواه الأخير. وأضافت الدوكي «خلال مناقشة الرجلين التفاصيل، بكيت، في صمت، حتى لا أزعجهما، علمت أنه لم تكن لبورقيبة أيّة أملاك، وأن حسابه المصرفي لم يسجل أبدا راتبه كرئيس للجمهورية. وإدراكا لحزني العميق، وعد بورقيبة الابن بارسال دعوة لي ، وطلب على الفور عنوان بريدي. لكن ما حدث لاحقا، كان صدمة للجميع، خاصة نقل الجثمان بالطائرة.» مضيفة «عرفت وقتها مصير زين العابدين بن علي المحتوم، الذي سيكون على المدى القصير أو الطويل، لأن الشعب التونسي لن يغفر ما حصل مع بورقيبة. الموت في ثقافتنا، يجب أن يمسح كافة التظلمات المحتملة. بورقيبة الذي سيظل الرئيس الوحيد في البلاد، والذي تم تجريده من هذا اللقب نتيجة تكاتف العديد من الخيانات، عاش بورقيبة، وعاشت تونس».
خولة الزتايقي
في رسالة إلى بن علي:
محمد الصياح طالب بالإفراج عن بورقيبة
التونسية (تونس)
كان محمد الصياح مؤرخ سيرة الزعيم وأحد رجالات عهد حكمه من القلائل الذين تجرّؤوا وطالبوا بن علي بالإفراج عن بورقيبة من «سجنه» بالمنستير (دار الوالي).
وقد جاء في الرسالة التي وجهها إلى بن علي يوم 25 أفريل 1990 (الموافق ل 29 رمضان 1410) في هذا الموضوع ما يلي:
تونس في 29 رمضان 1410 / 25 أفريل 1990
إلي سيادة الرئيس زين العابدين بن علي
رئيس الجمهورية التونسية
سيدي الرئيس:
يطيب لي بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك أن أتقدم إلى سيادتكم بأحر التهاني وأطيب التمنيات راجيا لكم دوام الصحة ومزيد التوفيق في القيام بمهامكم السامية على رأس الدولة.
ولكن هل يمكن لأي وطني صادق أن يعرب لكم عن هذه المشاعر النبيلة بدون أن يفاتحكم في شأن سلفكم الرئيس الحبيب بورقيبة ويبوح لكم بعميق انشغاله بوضعيته وبما لها من انعكاسات على معنويات الأمة وتماسكها على المدى القريب والبعيد، فضلا عمّا في هذه الوضعية من تناقض مع مقتضيات دولة القانون التي تبوّأتم لخدمتها وتدعيم أسسها.
لذلك أستسمحكم في أن أغتنم مرة أخرى مثل هذه الفرصة لأتوجه إليكم بنداء ملؤه الأمل في أن تأذنوا بوضع حد في أقرب الأوقات لعزلة زعيمنا الوطني وتمكينه على الأقل من استقبال كل من يأنس إليه ويرغب شخصيا في اللقاء به.
تقبّلوا،سيدي الرئيس، فائق عبارات التقدير والامتنان.
صلاح الدين فرشيو:الإطاحة ببورقيبة تمّت بخطة مبرمجة من بن علي
التونسية (تونس)
كان السيد صلاح الدين فرشيو أحد المقربين جدا من الرئيس الأسبق المرحوم الحبيب بورقيبة وقد شغل العديد من المناصب السياسية في عهد بورقيبة حيث تولى لعشر سنوات رئاسة بلدية المنستير من سنة 1970 إلى 1980 ثم انتخب عضوا في اللجنة المركزية للحزب الحر الدستوري ليصبح هذا الحزب بعد ذلك الحزب الإشتراكي الدستوري. عن آخر أيام بورقيبة كرئيس للجمهورية و بعدها قال السيد صلاح الدين فرشيو: بعد تقدم الزعيم الحبيب بورقيبة في السن كان العديد من المحيطين به من السياسيين يفكرون في من سيكون خليفة بورقيبة و أول من كان على الخط هو زين العابدين بن علي بعد مهامه كعميد في الجيش التونسي ووصوله لهذه الرتبة كان بفضل المحاباة التي لقيها من والد زوجته السابقة السيدة نعيمة وهو « الجنرال» الكافي ليتقرب بعد ذلك شيئا فشيئا من وزارة السيادة حتى تم منحه مسؤولية الإدارة العامة للأمن بعد أحداث الخبز ومنذ تلك الفترة بدأ بن علي يجهز نفسه للإقتراب أكثر من هياكل الدولة والحكومة عبر تقرّبه من الزعيم الحبيب بورقيبة اثر الأزمات التي عاشتها تونس بصفته الرجل الذي يتصدى ل «الخوانجية» بفضل مسؤوليته الفاعلة في أمن البلاد... وواصل بن علي مغالطته لبورقيبة مدعيا أنه الوحيد الذي كان وراء استقرار البلاد إلى درجة أنه فاز بثقة الزعيم الحبيب بورقيبة الذي منحه مسؤلية الحكومة ليتولي خطة الوزير الأول ومن هنا بدأ في التخطيط للإنقلاب على بورقيبة حيث وفي 7 نوفمبر1987 قام بسيناريو لإبعاد بورقيبة من الحكم وذلك بدعوة مجموعة من الأطباء أمضوا على شهائد طبية تفيد أن بورقيبة بحكم تقدمه في السن و شيخوخته أصبح غير قادر على مواصلة رئاسته للبلاد. و للإشارة فإن الطبيب الوحيد من هذه المجموعة الذي رفض امضاء الشهادة الطبية هو الدكتور محمد اسماعيل الذي يبدو أنه دفع ثمن ذلك غاليا خاصة و أن الشهائد التي أمضيت لم تخضع لفحوصات او الكشف الطبي الحقيقي عن حالة بورقيبة ليحقق بن علي دهاءه السياسي ويتم رسميا الإنقلاب سلميا على الرئيس الحبيب بورقيبة واحالته في مرحلة أولى للإقامة بمفرده بمنزل متواضع كائن داخل سانية مرناق .لكن بورقيبة لم يتحمل وضعيته الجديدة لم يتحملها خاصة بعد أن انتابه القلق و الهلع ليطلب من بن علي انهاء بقية حياته في مسقط رأسه المنستير فكان لبورقيبة ذلك بعد تدخل بعض الأطراف المؤثرة ليقيم في دار الوالي لكن بورقيبة كان محروما من زيارة الأقارب و الأحباب فحتى سور المنزل أضافوا في علوه حتى لا يتمكن أحد من رؤية باب المنزل الذي بقيم فيه. وختم سي صلاح الدين كلامه عن الزعيم بقوله أن زيارة بورقيبة كانت تقتصر على أشخاص يعدون على اصابع اليد الواحدة كالمرحوم الحبيب بورقيبة الإبن و ابنه مهدي ومحمد الصياح في مناسبة أو اثنين و طبيبه الخاص عمر الشاذلي و بعض الوجوه القليلة الأخرى.
بدر الدين الجبنياني
خطاب أريحا :نصيحة الزّعيم التي ندم العرب على رفضها
التونسية (تونس)
يبقى خطاب الزعيم الحبيب بورقيبة في اريحا سنة 1965 من أجرإ الخطب التي وضعت الاصبع على الداء في الصراع العربي الاسرائيلي، خطاب ضمنه الرئيس الحبيب بورقيبة نصيحة تتماشي مع رؤيته السياسية التي رفعت شعار «خوذ وطالب» عملا باعتماده «سياسة المراحل» وهو ما رأى فيه خصومه حلاّ منقوصا في حين رأى فيه هو رؤية واقعية ستجنب العرب هزائم اخرى وستسهم في استعادة الحق المسلوب.
وقد استهل الزعيم الحبيب بورقيبة خطابه بالتعبير عن تاثره من مخلفات النكبة في فلسطين، وعن الاعتزاز بما لمسه من حماس وإرادة فولاذية وتصميم على استرجاع الحق كاملا غير منقوص، قبل ان يذكّر بمساهمة الشعب التونسي في النضال العربي ضدّ الاحتلال الاسرائيلي حيث قال بورقيبة: «تعلمون أن الشعب التونسي كان إبان النكبة مغلوبا على أمره يعاني من وطأة الحكم الاستعماري ومع ذلك فقد أسهم في القيام بالواجب المقدس وشارك في حرب فلسطين إذ وفد التونسيون كي ينالوا شرف المشاركة في النضال من أجل أرض إسلامية عربية شقيقة لا يفرقون بينها وبين الأرض التونسية، نعتبر في تونس أننا لا نزال مقصرين وأن علينا واجبات يتحتم أن نقوم بها لتخليص كل شبر من الوطن العربي الكبير ...».
وتوجه بورقيبة اثر ذلك بالدعوة الى ابناء فلسطين ليكونوا في الصف الاول للدفاع عن حقهم مشددا على ان ذلك هو ما يعتقده في قرارة نفسه مضيفا : «ما أريد أن ألفت إليه نظركم أصحاب الحق السليب كما كنا نحن(التونسيون) أصحاب الحق الذي استبد به الاستعمار في تونس هو أنه يجب أن تكونوا في الصف الأول الذي يعمل على حماية فلسطين إنني أصارحكم بما اعتقده في قرارة نفسي وما آمنت به من بعد تجربتي في الكفاح..»، مطالبا كل الامة العربية بالابتعاد عن العاطفة التي قال عنها انها لا تكفي لتحقيق الانتصار موضحا انه لا بد ان يكون مع الحماس والاستعداد للتضحية والاستشهاد قيادة موفقة ورأس يفكر ويخطط وينظر إلى المستقبل البعيد.
وشدد الزعيم الحبيب بورقيبة في خطابه على ضرورة دراسة العدو ومعرفة الإمكانات الحقيقية المتوفرة وتقدير إمكانات العدو لتجنب أيّة مغامرة تعيد القضية أشواطا بعيدة إلى الوراء وتابع قائلا في الحشود: «لا بد لنا من الصبر ومن التخطيط ومن توفير الأسباب وتهيئة ما يلزم ويجب أن نعطي لهذا العمل وقتا كافيا وألاّ نرتمي في المعركة الحاسمة قبل أن نوفر أكثر ما يمكن من أسباب النجاح .... كانت تنقصنا خصائص حين خضنا المعركة الاولى وسنعمل بكد وجد وإخلاص وصدق على توفيرها وعلينا أن نعتبر من التجارب السابقة».
وحث الزعيم بورقيبة الجميع على الابتعاد عن الكلام الحماسي، مشددا على أنّ أهمّ شيء في المعركة والاعداد لها هو الصدق في القول والإخلاص في العمل موضحا ان الأمر قد تعذر على كثير من الزعماء العرب. كما وجه كلامه الى الحاضرين بعدم وصف من يقبل بالحل الوقتي بالخائن مصرحا: «لا بد لامثالكم ألاّ يُعرقلوا بحماسهم تنفيذ الخطة التي ربما استقر عليها رأي الساسة ولا شك في أنه لا يمكن لأي زعيم عربي يتهم لحديثه عن الحل المنقوص أو عن الحل الوقتي بالخيانة ويوصف بأنه صنيعة الاستعمار أن يواصل عمله في أتون من المهاترات».
واستشهد الزعيم الحبيب بورقيبة بالتجربة التونسية في نضالها ضدّ الاستعمار حيث قال : «و ما كنا لننجح في تونس لولا أننا تخلينا عن سياسة (الكل أو لا شيء) وقبلنا كل خطوة تقربنا من الهدف رغم أن فرنسا كانت ترضى بها على أساس أنها أخف الضررين.. و كلما خطونا خطوة إلى الأمام ضيقنا الخناق على الاستعمار بالمظاهرات والمقاومة المسلحة والوسائل التي تضطره لقبول الخطوة الموالية. أما هنا فقد أبى العرب الحل المنقوص ورفضوا التقسيم وما جاء به الكتاب الأبيض ثم أصابهم الندم وأخذوا يرددون: ليتنا قبلنا ذلك الحل، إذن لكنا في حالة أفضل من التي نحن عليها...و لو رفضنا في تونس الحكم الذاتي باعتباره حلا منقوصا لبقيت البلاد إلى يومنا هذا تحت الحكم الفرنسي ومستعمرة تحكمها باريس.
و هكذا فالمهم أن تكون للقيادة حرية اختيار السبل وحرية التصرف لكن مع الصدق والإخلاص والحكمة حتى تكون كل مرحلة تمهيدا لما بعدها من مراحل وهذا ما غرسته في قلوب التونسيين حتى صاروا يتبعون كل الخطط التي نرسمها وقد تضايقهم بعضها أحيانا ولكنهم يقبلون على تجربتها ذلك لأنهم جربوني في الماضي وكانت النتيجة ان أصبحنا أحرارا في بلادنا أسيادا في وطننا.».
وختم بورقيبة: «هذه نصيحتي أقدمها لكم ولكل العرب حتى لا نبقى نردد الوطن السليب.. الوطن السليب.. دون جدوى إذا اقتصرنا على العاطفة سنظل على هذه الحال مئات السنين. وأعتقد أنه يجب أن يبرز من صفوف العرب رجال لهم الشجاعة الكافية على مصارحة الشعب ومواصلة الكفاح بجميع منعرجاته ومراحله وحيله وكرّه وفرّه حتى نضمن لا لأنفسنا فقط، بل وللأجيال التي من بعدنا النصر الكامل.».
حتى ميّتا... كان بورقيبة يزعج بن علي!
التونسيّة (تونس)
توفي بورقيبة في 6 أفريل 2000 و قد منع بن علي وقتها نقل جنازته مباشرة على التلفزيون، كما رفض عرض شريط فيديو يروي حياته إلى جانب رفضه حضور وسائل الإعلام الأجنبية وشخصيات عالمية كانت مقربة من بورقيبة مراسم الجنازة.
ففي الثامن من أفريل و في حدود الثالثة ظهرا و على الطريق المؤدّية إلى ضريح الزعيم بورقيبة بالمنستير كان الفريق التلفزي جاهزا في إنتظار إنطلاق مراسم جنازة أوّل رئيس للجمهوريّة التونسيّة الذي توفي قبل يومين عن سنّ تناهز 99 سنة قضاها في خدمة بلاده لكن عندما كان المخرج يستعدّ لإعطاء إشارة البث رنّ الهاتف وكان على الخط عبد الوهاب عبد الله الذي أمر بقطع البثّ و إيقاف كلّ شيء قبل أن يغلق الخطّ و ذلك بعد منع كلّ الغرباء و الأجانب من دخول المنستير.
يومها تجمّع التونسيون الذين فقدوا زعيمهم أمام شاشات التلفاز ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء برنامج وثائقي على قناة تونس 7 حول الفيلة في تانزانيا ليتمكّنوا من مشاهدة الجنازة لكن بمرور الوقت بدأ التوتّر وطرح الأسئلة و انطلقت رحلة البحث بين القنوات. وحدها قناة tv5 كانت على استعداد للبثّ بتخصيصها برنامجا مباشرا لنقل موكب الجنازة تواجد فيه كلّ من جون دانيال و غي سيتبون و هالة باجي و حميد برّادة لكن بمضيّ الوقت لاحت على ملامحهم علامات التوتّر و بعد ساعة اتصلت القناة بسفارة تونس في باريس فكان ردّ الموّظّف «على الأغلب لن يوجد إرسال ... التونسيون في حالة حزن و لا نريد تعميق آلامهم».
وتعليقا على ما حدث كتب بعد مدة قائلا: «حتى ميتا كان بورقيبة يزعج بن علي» لقد كان لبورقيبة الحق في جنازة رسميّة لأنّ السلطة لا يمكن أن تدار بغير هذه الطريقة لكن كلّ شيء رتّب لتقزيم هذه المناسبة حيث تمّ بعث تابوته من تونس إلى المنستير في الجزء السفلي من الطائرة المخصص لنقل البضائع (!) وحتى بعض زعماء العالم المعروفين مثل نيلسون مانديلا الذي لم ينس الإستقبال الذي حفّه به بورقيبة سنة 1962 فقد تم ردعهم حتى لا يحضروا جنازته.
أمّا موكب أربعينية الزعيم بورقيبة فلم يدم سوى 15 دقيقة اقتصرت على مداخلة بخمس دقائق للشاذلي القليبي و تدخّلا للأمين العام للتجمّع خصّصه للحديث عن صانع التغيير اكثر من الراحل أمّا إحياء الذكرى السنوية لوفاة بورقيبة فقد كانت تختصر في تلاوة الفاتحة ووضع إكليل من الزهور على ضريحه و طيلة 23 سنة من حكم بن علي كانت الأوامر تتلخص في تجاهل زعيم الأمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.