عاش الملك...مات الملك...مصطلح كثيرا ما تجسد على ارض الواقع بين مختلف الشعوب العربية التي يعيش السواد الأعظم منها تحت خط القمع والتعذيب وسياسات التنكيل والترهيب وتعزف أحلى معزوفاتها على وقع العصا وتصفيقات الحشود المأجورة التي كثيرا ما نادت عاش الملك..يحيى الملك..الملك لك..والشكر لك..إلى أن يموت الملك ويأتي آخر وتعود نفس الحشود لتغني نشيدها المفضل في تواصل دائم لثقافة الغالب والمغلوب... تونس و"ثورة الياسمين" وثورة شعب أبي أدهش العالم برفضه لقيود الظلم والقمع ممزقا كل جدران الصمت وثائرا على ديكتاتورية دامت حوالي ربع قرن قتلت فينا إرادة الحياة وشوهت لدينا مفاهيم "الرجولة" و العزة والكرامة فصرنا كقطيع خرفان نسير على نفس الخطى وفي نفس الاتجاه على نفس الإيقاع وبنفس التعليمات والتوجيهات الصادرة من البيت الأبيض بقرطاج... وان كان هذا ليس عيبا لأننا نحن شعب اعزل لا نقدر على الصمود في وجه الطغيان ولأننا تعودنا الرضوخ أمام قدرنا لان بن علي كان دوما قدرنا وذلك ربما ما أعطى ثورتنا هذه كل هذا الإشعاع والبعد الجماهيري فالنار التي انطلقت شرارتها فجأة من تحت الرماد لم تخطر ببال عاقل فما بالك برواد التطبيل والتهليل والتبندير من فرساننا في المؤسسات الإعلامية بشتى أصنافها والتي تفجرت فيهم فجأة ودون سابق إنذار رائحة الرجولة والعزة والكرامة... قد يكون بن علي فعلا طاغية وقد يكون هو ديكتاتور زمانه وقد يكون الاستحقاق لمن قالوا يوما لا ل"بن علي" وهو في أوج سلطانه لكن هذا السرب من زبانية القصر الذين اصطفوا في الصفوف الأمامية لغرس خناجرهم في نعش حكم بن علي شوه هذا الاستحقاق الجماهيري الذي حققه أبناؤنا وبناتنا من شباب تونس العزيزة. لن نتحدث عن قناة "تونس7 " في تسميتها القديمة لأنها كانت تحت وصاية نظام "بن علي" لكن المهزلة جسمتها بعض القنوات الأخرى على غرار قناتي "حنبعل" و"نسمة تي في" اللتين ضربتا مثالا عجيبا في حب الوطن والعداء ل"بن علي" وكل أتباعه و مواليه. بالأمس القريب أطل علينا نبيل القروي في ندوة صحفية ليقول أن بن علي رجل الحق ولا يحب الظلم وهو حامي تونس وبانيها وذلك بعد أن مكن الرئيس المخلوع قناة نسمة من حقوق البث التلفزيوني لمباريات كرة القدم وهو نفس الشيء تقريبا لقناة حنبعل التي جندت جميع مصادحها لشكر رجل تونس الأول بن علي وسبحان مغير الأحوال...جريدة" الصريح" الابن الشرعي لنظام بن علي انقلبت هي الأخرى على ولي نعمتها وتخلصت من ثوب الواشي على غرار جريدة "الحدث" التي خلنا أن مديرها سيفر على غرار "بن علي" لان ما ارتكبه في حق المواطنين الأبرياء وفي حق الصحافة ربما أكثر جرما مما ارتكبه بعض الطرابلسية...أخبار الجمهورية هي الأخرى أطلت علينا في ثوب ثوري متناسية أن مالكها المنصف بن مراد قال حرفيا خلال حفلة نظمتها الجريدة يوم 9 أكتوبر 2009 بمناسبة العدد الألف للجريدة أن بن علي هو حامي تونس وانه مجنون من يختار غير بن علي وان الجريدة اختارت هذا التاريخ لترسيخ رجل تونس الأول وباني عزتها في الانتخابات الرئاسية التي دارت آنذاك في 24 أكتوبر...كل هذا وغيره من الأمثلة العديدة التي حاولت طمس الحقيقة وسلب انجاز الشعب لتنسبه إلى يديها الملطخة بدماء وكبرياء هذا الشعب... كان يمكن أن يكون سكوتهم في هذا الظرف أمرا منطقيا بالنظر إلى عوراتهم المكشوفة طيلة هذه السنين وكان يمكن أن تكون موالاتهم لبن علي زمن سطوته أمرا مباحا أو شرا لا بد منه أمام جبروت هذا الأخير لكن أن يضع هؤلاء المرتزقة أنفسهم في خانة المناضلين والمجاهدين فهذا جرم آخر لن يغفر لهم...هناك من يحتفظ بصور عملاقة للرئيس الأسبق في مكتبه ولم يجد كيف يخفي هذه التركة الثقيلة ومنهم من استغل حظر التجوال ليتوارى عن الأنظار ويدفن آخر بقايا العهد القديم...مع هذا ندرك أن أبطالنا الجدد في فترة مخاض جديد وأنهم في فترة جس النبض قبل اختيار رجلهم الجديد أو ملكهم الجديد لتستمر الحكاية وتكون نفس النهاية عاش الملك...مات الملك...