الديمقراطيون في الكونغرس يتخذون خطوة نحو تفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزل ترامب    لبنان يعلن الحداد العام    مراجعة علمية تكشف عن فوائد صحية غير متوقعة للتين الشوكي    بهدوء ...نساء في ظلال الذّاكرة    سوسيولوجيا المقهى    ما مستقبل اللغة العربية في ظل الذكاء الاصطناعي؟    قصة....طيف من البلاستيك    حين يُصبح التصفيق وهمًا..    الاحتفاظ ب8 أشخاص من أجل شبهة القتل العمد والتنقيب عن الآثار..وهذه التفاصيل..    النبض الذي لا يُسمع    برلمان: جلسة استماع حول صيغة معدّلة لمقترح القانون الأساسي المتعلّق بتنظيم الجمعيات    وزارة الفلاحة تعلن عن تنظيم حصص صيد التن الأحمر لموسم 2026 وتحدد آجال تقديم المطالب    حملة أمنية بأريانة: حجز 7 أطنان من الخضر والغلال وإزالة نقاط انتصاب عشوائي    قيس سعيّد يعزّي عبد المجيد تبون في وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال    إقرار الحكم القاضي بسجن النائب احمد السعيداني    سليانة: إيقاف تلميذين وصاحب محل هواتف بحوزتهم أجهزة متطورة للغش في الباكالوريا    تعزيز التعاون الثقافي بين تونس وكندا محور لقاء بين وزيرة الشؤون الثقافية وسفير كندا في تونس    توزر: انطلاق سلسلة أنشطة تحسيسية في إطار شهر التوعية باضطراب طيف التوحد    عاجل: وزارة الفلاحة تحذر من انتشار أمراض فطرية تهدد محاصيل القمح بالشمال    بطولة النخبة لكرة اليد: برنامج الجولة الثامنة من مرحلة التتويج    مشروع التجربة الرقمية التفاعلية لمدرج الجم ثمرة تعاون تونسي أمريكي في مجال التراث    دخول مجاني للمواقع الأثرية والمتاحف    عاجل/ متابعة-وزير الصحة اللبناني يطلق صيحة فزع: "المستشفيات مكتظة بالضحايا"..    قرابة 7500 فيزا مهنية : فرص سفر وعمل للتوانسة في فرنسا    ضربة موجعة لمافيا "السموم البيضاء": الإطاحة بشبكة خطيرة بحي التضامن وحجز 4 آلاف قرص مخدر    التونسية للتموين تطلق أسطولا من السيارات الكهربائية لفائدة أعوانها    أبطال أوروبا: برنامج مواجهات الليلة    المنتخب الوطني في مجموعة النار بكأس إفريقيا تحت 17 سنة    كلاسيكو مشوّق بين الترجي والنادي الصفاقسي: وقتاش ووين الفُرجة؟    مدير البناءات والتجهيز بوزارة الشباب والرياضة: استئناف أشغال تهيئة ملعب المنزه في الثلاثي الأخير من سنة 2026    مجموعة البنك الأفريقي للتنمية تستضيف حوارًا تشاوريًا بشأن الهيكل المالي الافريقي الجديد    بعد التقاعد: علاش كبار السنّ يحسّوا بأوجاع مزمنة؟...دكتورة تكشف الحقيقة    بشرى للتونسيين..ودعا ل"باقات" الفارينة..    عاجل/ ترامب يهدد هذه الدول..    صادم: شاب يطعن شقيقه ووالده بسيف..والسبب صادم..    هذا علاش علّوش العيد غالي    الاحتفاظ بلاعب كرة سلة بشبهة استهلاك مادة مخدرة    عاجل/ النادي الافريقي يعلن..    تأجيل النظر في قضية مغني الراب سامارا إلى 23 أفريل    درّة زروق تتحدث عن تجربة الإجهاض: ''مازلت نحلم بالأمومة''    هافرتس يقود أرسنال للفوز 1-صفر على سبورتينغ لشبونة بذهاب ربع نهائي رابطة ابطال اوروبا    قبل ما تشري : شوف الفرق بين خبز الفارينة و خبز النخالة ؟    أذكار الاربعاء...ملازمكش تفوتهم    هل قرّر يوسف المساكني الاعتزال؟    موش كان التاكسي: إضراب 27 أفريل يهمّ برشا قطاعات نقل غير منتظم    ردود فعل إقليمية ودولية على إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران    المرصد التونسي للمياه: 167 إنقطاعاً وإضطراباً في توزيع المياه الصالحة للشرب بكامل ولايات الجمهورية خلال شهر مارس 2026    المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يعلن "الانتصار التاريخي" ويدعو الشعب للوحدة حتى حسم التفاصيل    طقس اليوم: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    بشرى سارة: طقس ربيعي ينعش الأجواء اليوم والأيام الجاية    القائم بأعمال سفارة تونس بلبنان: لا إصابات أو أضرار ضمن أفراد جاليتنا    بين تراجع التزويد وتقاطع المواسم: ما سرّ غلاء المواد الغذائية في الأسواق؟    تكريم الطاهر شريعة في الولايات المتحدة: مسار ثقافي بين نيويورك وبرينستون وواشنطن    تراجع أسعار النفط دون 100 دولار وارتفاع الذهب عقب إعلان هدنة أمريكية    وقف اطلاق النار الأمريكي الإيراني يشمل إسرائيل وحزب الله    قبل فقدان الذاكرة.. إشارات خفية تكشف الإصابة بالخرف    كيف تُغذّي الصهيونية المسيحية نرجسية ترامب؟    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مشروع قانون ''المصالحة''.. المغالطات العشرون للرئاسة
نشر في باب نات يوم 27 - 04 - 2017


بقلم: شكري بن عيسى (*)
بعد التسريب الفضيحة لخطة رئاسة الجمهورية باعتماد مخططات عبد الوهاب عبد الله لتمرير مشروع قانون "المصالحة" في نسخته "المرمّمة"، بتعبئة واستنهاض كل الحزام الاعلامي والسياسي ومن "الخبراء" المزعومين و"الشخصيات الوطنية" التابعة بشكل او باخر لقرطاج لدعم "المشروع"، البارحة الاربعاء في لجنة التشريع العام يتم الزج بكل الطاقم الرئاسي للتسويق لعملية "الترميم"، في جو مشحون ساده التوتر والاضطراب وابعاد رسمي لعضو اللجنة المغضوب عنها من النداء ليلى الشتاوي.
التسريب (الذي افتضح) كان يستهدف احداث صدمة وابهار، واعتماد القنابل الضوئية والفرقعات الصوتية للتعزيز، أُجهضت بعد الاستهجان العميق والاستنكار الواسع للمخطط المكشوف، ولكن لم يمنع النزول بكل الثقل و"انقاذ" ما يمكن انقاذه، وقاعة الجلسة في مجلس النواب غصّت بنواب النداء، والقضية "حياة أو موت" على ما يبدو والحملة كانت على أشدها، لتحقيق منشود رئيس الجمهورية الذي وعد ممولي حزبه الام من الفاسدين بتأمين التحصين الكافي.
جملة من المغالطات في اتساق مع الاساطير المؤسسة لمشروع القانون أصرّ عليها مدير ديوان السبسي، مع مرونة ظاهرة باعتماد "المناورة" والمراوغة و"اعادة الانتشار" لتحقيق المبتغى، بالتظاهر بعدم وجود "نسخة جديدة" لمشروع القانون والاعلان عن "الانفتاح" على مقترحات التعديلات "التحسينية" كما ادعى، والقابلية للتجاوب مع خلاصات الراي الاستشاري للجنة البندقية الصادر في أكتوبر 2016، بخصوص محور أول يتعلق بتطابق مشروع القانون مع مسار العدالة الانتقالية ومحور ثاني يتعلق بضمانات استقلالية لجنة المصالحة، وفي هذا تضليل ثابت ينضاف لجملة المغالطات التي ارتبطت بمشروع القانون منذ الاعلان عنه احصينا منها قرابة الثلاثين.
مغالطات حول استقلالية "اللجنة".. وتحقيق اهداف العدالة الانتقالية
المغالطة الأولى- انكار وجود "نسخة جديدة" تفنده الوثيقة المسربة التي اشارت لوجود "نسخة جديدة" تتضمن "تعديلات"، تم تقديمها لاعضاء كتلة النداء وبقية "الشخصيات" و"الخبراء" من الموالين، و"التشكيلة" التي تم انتقاؤها للترويج (وعلى رأسها رئيس ودادية قدماء البرلمانيين عادل كعنيش الذي انطلق منذ بداية مارس الفارط في الحملة التسويقية في "الشروق " و"موزاييك" من المحطات "الصديقة") مجْمعة على نفس المحاور، والرئاسة ذاتها في تسريبها (المقصود) في المجلة "الصديقة" جون أفريك بتاريخ 9 مارس الفارط أشارت ل "مشروع جديد"، وقرطاج في اطار تكتيكاتها تريد ان تبرز الامر في اطار "استجابة" لمقترحات وليس "فرض" نسخة مسقطة؛
المغالطة الثانية - ادعاء الاستجابة لخلاصة الراي الاستشاري للجنة البندقية المتعلقة بضمانات استقلالية "اللجنة"، بتغيير التركيبة الاولى للجنة التي كانت تابعة للحكومة معيّنة من رئيس الحكومة (الفصل الثالث) في النسخة الاولى الى تركيبة قد يسند انتخابها في النسخة الجديدة للمشروع للبرلمان، مكونة من قضاة اداريين وماليين وعدليين وممثلين عن هيئة مكافحة الفساد والمحامين والخبراء المحاسبين والمجتمع المدني ويرأسها رئيس لجنة مكافحة الفساد ويحضر مداولاتها المكلف العام بنزاعات الدولة. والحقيقة أن هذا الامر لا يضمن الاستقلالية باعتبار غياب الحصانة المستوجبة اللازمة لاستقلالية الاعضاء فضلا عن افتقاد اجراءات الرفت والاستقالة للاعضاء اللازمة ضمانا لعدم الرفت الاحادي فضلا عن عدم الخضوع للسر المهني، اضافة لافتقادها (اللجنة) الشخصية القانونية والاستقلالية المالية والادارية كما يؤكد خبراء لجنة البندقية في رايهم الاستشاري، اضافة الى ان رئيسها المنتظر (شوقي الطبيب) معيّن من السبسي؛
المغالطة الثالثة -وهي مرتبطة بالسابقة بادعاء أن لجنة البندقية في رايها الاستشاري اكدت على ضمانات استقلالية اللجنة فقط، وهذا مجافي للحقيقة فضلا عن كونه مخاتل اذ لجنة البندقية تؤكد على الاستقلالية (التي بطبيعتها مفقودة حسب النسخة "المرمّمة") لضمان أن اجراءات العدالة الانتقالية امام لجنة المصالحة تكون "معادلة" و"مطابقة" لمثيلاتها امام هيئة الحقيقة والكرامة، وهو الامر الجوهري الذي ارتكزت عليه اللجنة الاستشارية الدولية في اعتبار الامر غير مطابق للدستور في فصله 148 في فقرته التاسعة، الذي ينص على "التزام الدولة" بتطبيق العدالة الانتقالية في "جميع مجالاتها" بما فيها المالية والاقتصادية بمواصفات ومستوجبات المسار العدالي-الانتقالي وليس بمستوجبات خاصة. أما الامر الثاني وحتى ان أدخلت الرئاسة تعديلات على النسخة الاولى للمشروع بنشر "قرار الصلح" من اجل اعتبار "كشف الحقيقة" وكذلك ضرورة تقديم المنسوب اليه الانتهاك "الاعتذار الكتابي" فانها لا تضمن (النسخة الثانية) مقتضيات الفصل 47 فقرة 3 لقانون العدالة الانتقالية في خصوص عدم جواز الامتناع عن المشاركة في الجلسات العلنية لاطراف النزاع، كما لا تضمن استئناف التتبع او المحاكمة او العقوبة اذا ثبت أن مقترف الانتهاكات تعمّد اخفاء الحقيقة او تعمّد عدم التصريح بجميع ما أخذه دون وجه حق، كما ينص الفصل 45 فقرة 2؛
المغالطة الرابعة - أيضا بادعاء أن لجنة البندقية أكدت على ضمان مجرّد (اي دون اعتبرات اخرى) لمستوجبات استقلالية اللجنة المصالحة، دون اعتبار أن تحوّز المصالحة الاقتصادية والمالية للجنة المصالحة يقوّض فحص ومعالجة الملفات في مجال الدكتاتورية المرتبطة في عديد الحالات بالمجال المالي والاقتصادي، وفضلا عن ذلك ادعاء الالتزام بمستوجب كشف الحقيقة هو مغالطة كبرى، اذ لا يكفي نشر القرار الصلح لكشف الحقيقة، فكشف الحقيقة تقنية مركبة تستوجب اضافة للاستماع السري والعلني والتوثيق ربط الاجزاء المتناثرة والمفرّقة ببعضها، للوصول الى كشف اليات الفساد والاستبداد وعناصر تفاعلهم وتفكيكها كاملة لتحقيق اصلاح المؤسسات وتنقيتها من عناصر "التسوس و"الاورام"؛
المغالطة الخامسة - أيضا حول زعم الالتزام بما استخلصته اللجنة القانونية الاستشارية الدولية، اذ لجنة البندقية اعتبرت وجود لجنة ثانية في مسار العدالة الانتقالية (بما يعني منظومة "بازدواج طرق" "à double voie") لا يمكن ان يكون دستوريا الا اذا كانا المسارين (لجنة المصالحة وهيئة الحقيقة والكرامة) واسعي "التطابق" ويمكن ان يحققا نفس اهداف العدالة الانتقالية المنصوص عليها في النظام القانوني التونسي ويحترما مبادىء دولة القانون، واضافة الى ذلك تحقيق الامان القانوني بعدم السقوط في تنازع قانوني مربك باعتبار وجود تداخل في المجالات بين لجنة المصالحة وهيئة الحقيقة والكرامة، وفي المحصّلة لجنة البندقة تعتبر الزاميا عند عرض كل مشروع قانون في مجال العدالة الانتقالية "عدم امكانية صياغته الاّ بالتعاون مع المجتمع المدني والهيئات المختصة في المجال"، أساسيا هيئة الحقيقة والكرامة، هذا فضلا عن انها تعتبر أن اي منظومة عدالة انتقالية تتطلب "قبولا واسعا"، عكس واقع الحال في مشروع القانون المقترح الذي زاد في الشرخ ووسّعه.
المغالطات المضمّنة في وثيقة شرح الاسباب
المغالطة السادسة - ضمن الاساطير التضليلية المؤسسة لهذا المشروع، موجودة في "وثيقة شرح الاسباب"، تحت عنوان: "السعي الى ستكمال مسار العدالة الانتقالية في مجال الانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام في أقرب الآجال الممكنة"، وهو ما أسهبت في شرحه "كتيبة" الشراح والمفسرين من ممثلي الرئاسة والنداء، بأن هيئة الحقيقة والكرامة عهدتها تنتهي في جوان 2018 (اذا لم يقع تجديدها بسنة) وبالتالي بالنظر الى ارتفاع عدد الملفات فانها لن تقدر على فصلها بما تتطلبه من سرعة. والحقيقة أن الامر يتضمن عدة مغالطات، اذ من ناحية طرح مشروع قانون الرئاسة هو ذاته تعطّل لمدّة سنتين كاملتين بعدما تم الاعلان عنه في مارس 2015، ومن أخرى فطيلة هاتين السنتين شوّش على مسار العدالة الانتقالية وهيئتها، واستهدفها في عمقها ضمن حملة سياسية واعلامية عالية القوة، وزيادة فالدولة عطّلت حسم الملفات عبر التلدد ورفض تقديم الوثائق، وعبر "قضم" ميزانية الهيئة وعدم توفير الموارد الضرورية لعملها، وايضا من خلال تأخر تقديم ملفات المصالحة من الدولة للهيئة، وفي النهاية مقاطعتها من المكلف العام بنزاعات الدولة، وهذا فضلا عن عدم اصدار نصوص ترتيبية لمساعدة الهيئة لعملها، وهذا في خرق جسيم للدستور في فصله 148 فقرة 9 الذي يقضي بالتزام الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها؛
المغالطة السابعة - وهي ايضا ضمن الاساطير التضليلية المؤسسة لهذا المشروع وموجودة في "وثيقة شرح الاسباب"، تحت عنوان: "تلافي الانعكاسات السلبية المترتبة على طول أمد معالجة الانتهاكات على الاقتصاد الوطني، في خصوص انعدام الثقة في مناخ الاستثمار وتوقف او تعطّل انشطة المعنيين" وهو كذلك ما اسهب في تفسيره الشراح من "خبراء" البلاط الاقتصاديين وغيرهم، مقدمين رقم اكثر من 400 رجل أعمال ممنوعين من السفر، عارضين كلفة بمليارات الدينارات من الخسائر بطريقة اقرب للشعوذة والتنجيم من التحليل الاقتصادي، والواقع ان رقم 400 او اكثر كان ثابتا بداية سنة 2012 ولكنه اليوم لم يبق سوى عشرات فقط، وبالتالي فهذه الحجة ساقطة من اساسها. اما حول مناخ الاستثمار فكل الدراسات والمسوحات والتحقيقات من "دوينغ بيزنس" و"المعهد التونسي للدراسات الكمية والتنافسية" و"المعهد العربي لرؤساء المؤسسات" و"منتدى دايفوس" لا تتحدث عن المصالحة بل تضع معطلات اخرى على رأسها الاضطراب الامني وتدهور المناخ الاجتماعي وتأزم المناخ السياسي وسوء الحوكمة وايضا استشراء الفساد والبيروقراطية، وبالتالي كان لا بد من معالجة الجذور الحقيقية لمشكل الاستثمار وليس التغطية عليه بهكذا مبادرات.
المغالطة التاسعة: في خصوص الموظفين العموميين واشباههم، حيث يتم تقديم رقم 7000 موظف مشمول بالتتبعات، اضافة الى ترويج تعطل الادارة بل والبعض يتحدث عن شلل بخروج هذه المجموعة وبرفض الاطارات الموجودة "الامضاء" واتخاذ القرار خشية تحمّل المسؤولية، والحقيقة ان هذا الامر ليس مغالطة فقط بل انه لا يخلو من اكاذيب فاحشة، اذ زيادة على أن الرقم خاطىء ومختل اصلا ولا يوجد ما يدعمه ولم تقدمه الحكومة بشكل رسمي فهو متضارب مع ارقام اخرى تشير الى 4000 و3000 وارقام ثانية تشير الى بعض المئات وحتى العشرات لا غير، أمّا حول تعطّل الادارة والحديث عن شلل فهذا ايضا مغالطة صارخة، اذا الادارة تعمل باطاراتها الموجودة العديدة ولا تتعطل وان كان هناك اختلال في سيرها فيعود لعوامل جوهرية اخرى، وفيما يتعلّق بالخشية من التورط عند الامضاء واتخاذ القرار، فهذا ايضا أمر سخيف جدا اذ المسؤول الاداري مطالب بتطبيق القانون الذي يحميه والقوانين عديدة وانظمة الصفقات واللزمات العمومية ومجلة المحاسبة العمومية يضبطون كل شيء، والموظف ليس مطالبا بتجاوز القانون وهو مطالب بتطبيقه لا اكثر ولا اقل، و"تحرير الطاقات داخل الادارة" الذي يتحدث عنه المدافعون عن مشروع القانون واخرهم مدير ديوان السبسي ينم عن جهل سياسي وقانوني فظيع، اذ "التحرير" لا يتم بخرق القانون وطمس الجرائم.
المغالطة العاشرة - وهي مرتبطة عضويا بالسابقة في خصوص الموظفين العموميين واشباههم وتطبيق الفصلين 42 و96 من المجلة الجزائية، والعديد في "الجوقة" أصروا على استهداف القوانين الحامية للمال العام وحسن التصرف فيه ومنع الفساد المكرسة في الدستور في فصله العاشر، بادعاء أن الفصل 96 المذكور "كارثي" وهلمّ جرّا من المصطلحات المعادية لقوانين البلاد، في حين أن الفصل حدد الجرائم بدقة في خصوص الموظف او شبهه الذي"استغلّ صفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره أو للإضرار بالإدارة أو خالف التراتيب المنطبقة على تلك العمليات لتحقيق الفائدة أو إلحاق الضرر المشار إليهما"، وهدف حماية المال العام وردع التجاوزات في الصدد واضح وهذا الفصل تقريبا موجود في كل القوانين الجزائية في العالم، وامضاء تونس على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمكافحة الفساد يلزمها به. أما في خصوص الفصل 42 فالامر ايضا كله مغالطات ف"الجوقة" تحتج به هذه المرة (وليس مثل السابقة تشيطنه) لتبرير اعفاء مرتكبي الجرائم من المسؤولية، والامر لا يستقيم مطلقا اذ في حالة أولى يتحدث الفصل عن عدم المسؤولية عند ارتكاب فعل "بمقتضى نص قانوني"، اي ان النص القانوني يجيز الفعل أو يفرضه والامر واضح هنا، اما الحالة الثانية فتتعلق بالاعفاء من المسؤولية عند ارتكاب فعل بمقتضى "إذن من السلطة التي لها النظر"، وهو ما يتطلب "اذن" من جهة يجب أن يكون موثقا (يعني هناك دليل عليه) ومن اخرى "سلطة لها نظر" اي سلطة مختصة لها الصلاحية، والسلطة تكون مختصة وذات نظر بما يمنحه لها القانون من اختصاص وسلطة وليس خارج اطار القانون والامر واضح.
المغالطة الحادية عشرة - وهي مرتبطة بالسابقة وهي موجودة في احد عناوين "وثيقة شرح الاسباب" بالتأكيد على "تعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وتحسين مناخ الاعمال والتشجيع على الاستثمار" والحقيقة أن الدفع في اتجاه تبرير جرائم السطو على المال العام، اذ يتناقض مع المواثيق الدولية ذات الصلة بمكافحة الفساد، فهو يضر بالادارة ويعطّل اصلاحها بل يقوّضه تماما، في ضرب لحياديتها وخدمتها المواطنين (بمساواة) والصالح العام وشفافيتها ونجاعتها وجملة المبادىء التي يقتضيها الفصل 15من الدستور، عبر تكريس ممارسات ارتباطها بالاوامر "العليا" وتجاوزات السلطة وتداخلها مع الحزب الحاكم والافراد من حاشية السلطة. وهو أمر من الخطورة بمكان اذ يضرب في العمق كل منظومة الحوكمة ولا يمكّن من القطع "مع الظلم والحيف والفساد" الذي كرسه الدستور في توطئته (فقرة ثانية)، ويقود نحو تعزيز الفوضى ودوس القانون وتكريس الافلات من العقاب ولا يضمن منع عودة الانتهاكات والجرائم، ويقود في النهاية الى عكس ما تدعيه الجهة العارضة لمشروع القانون بضرب ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وكسر علاقته بها، وهو ما يزيد في تلويث مناخ الاعمال باستمرار ممارسات الفساد والرشوة والمحسوبية وخرق القانون الذي يضرب في العمق نزاهة المنافسة وشفافيتها ومساواتها الضرورية للاستثمار، وفضلا عن ذلك فهو يضرب مؤسسة العدالة في عمومها بتبييض الفاسدين والتستر عليهم وحماية وتحصين التجاوزات والفساد عن الردع بل وتقنينها والتشريع لها.
المغالطة الثانية عشرة - بادعاء أن القانون ستكون عائداته على التنمية الجهوية، مثلما ادعوا سابقا العائدات "الفلكية" لمؤتمر الاستثمار "تونس 2020" على الجهات التي لم تر منه شيئا، وهي اليوم في العديد منها ملتهبة بالاحتجاجات والاعتصامات، وتجدر الملاحظة ان هذا الامر لم يطرح في البداية ولا في "وثيقة شرح الاسباب" وانما جاء به محسن مرزوق في مرحلة ثانية لتعبئة راي عام جهوي، في محاولة محبطة لمغالطة هذه الجهات التي ما فتىء يتاجر في مآسيها وفقرها الجميع، وأذكر أن أستاذي المرموق (....) لما كنت أدرس العلوم الاقتصادية بكلية الاقتصاد قدّم مداخلة في احدى الندوات لربط الامرين بطريقة علمية أحبطت منها ايما احباط، واخفق اخفاقا ذريعا ولم يجد سوى خاتمة اسقط بها هذا الامر على ذاك دون اساس وتحمّل في ذلك النقد اللاذع الى حد وصفه ب"فقيه السلطان" مع مجموعة المدافعين على مشروع القانون والمسوقين له، والى حد الان لا أحد قدم رقما مؤسسا على عائدات مشروع القانون، والغالب انها ذهبت في اكثرها رشاوى وحزم اموال تحت الطاولة لبعض الاحزاب الحاكمة وعديد النواب والاعلاميين وخبراء التزييف الذين تفننوا في الابتزاز ايما تفنن وراكموا في الدعاية له الاموال الطائلة، وزيادة فالاحزاب في اغلبها استثمرت لاستمالة هذه الرموز الفاسدة لكسبها والاستفادة من شبكاتها العميقة امام اقتراب المواعيد الانتخابية المصيرية.
مغالطات تحقيق المصالحة وطي صفحة الماضي
بقية المغالطات (من 13الى 20) - لا اخفيكم اني عددت على ورقتي قرابة الثلاثين مغالطة أردت اختزالها في مرحلة أولى في عشرين فقط، ولم أشأ ارهاقكم بكثرة تعدادها وتفاصيلها وحجج دحضها، ولكن كان لا بد من التعريج على أمر ادعاء أن السبسي وعد في برنامجه الرئاسي عرض مثل هذا المشروع، وهو ما يفنده الواقع وبرنامج السبسي لا يزال موجودا ولا يتضمن مطلقا هذا العنوان، وكذلك أمر ادعاء تحقيق المصالحة وطي صفحة الماضي واندراج القانون في مسار العدالة الانتقالية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي وارساء الوحدة الوطنية وترسيخ الانتقال الديمقراطي والتنمية.
وهي كلها مغالطات صارخة اذ هذا القانون لن يحقق بحال المصالحة، التي لا يمكن بحال أن تكون قسرية مفروضة من فوق، فهي تتطلب موافقة ورضا واسع، وبالرجوع الى المعجم اللغوي نجدها مرتبطة بمعاني "المصافاة" و"الوئام" و"الموادعة" و"المسالمة" و"الاتفاق" بعد "ازالة كل اسباب الخصام"، وهو نقيض ما يصار اليه اليوم باسقاط الامر على الشعب واذعانه له وارغام الدولة عليه، وزيادة فهو لا يصب في اتجاه تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي والوحدة الوطنية، والشرخ الحاصل عميق جدا والتناحر السياسي على اشدّه في الصدد، والدولة بذلك عادت أغلب منظمات المجتمع المدني المكافحة للفساد والمدافعة على الحقوق، وزادت في الشرخ الاجتماعي.
واضافة الى ذلك فهي بهذا القانون ودون ردع الفاسدين تسمم المناخ الاقتصادي باعادة سطوة الفاسدين ومؤسساتهم بنفس الممارسات المافيوزية، وهو ما سيعود بالضرر على المناخ الاقتصادي والتنمية بشكل عام، والشرخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي سيتضخّم بفعل هذا القانون لن يصب بحال في تكريس الوحدة الوطنية، في ظل تزايد الهشاشة والفقر وغياب التنمية في الجهات حيث تتأزم الامور الى حد الانسداد الذي قد يفضي للانفجار الذي لا يعلم عواقبه أحد، والأولى أن يصار الى ادراج التحسينات المستوجبة ضمن قانون العدالة الانتقالية واستعيابه ضمن مسارها العام وتسهيل نشاطها وعدم تعطيله وليس ادعاء الشيء وفعل نقيضه بما سيقودنا اليه من مهالك اصبحت اليوم داهمة بل واقعة.
الاهتزازات الاجتماعية والجهوية تتزايد اليوم ولا ندري بالضبط لماذا كل هذا الاصرار على مشروع هذا القانون والتشبث به، ما سيزيد في ارباك الامور وتفجرها، كما لا ندري ما علاقة هذا القانون بأولوية مكافحة الفساد المضمنة بوثيقة قرطاج وهو الذي يناقضها في العمق، كما لا نفهم ايهما اولى تسريع قوانين مكافحة الاثراء غير الشرعي والمؤسسات الدستورية المعطلة وعلى راسها المحكمة الدستورية ام هذا القانون المفجر للاستقرار المقسم للبلاد واي علاقة له بالديمقراطية وهو الذي سيطلق ايادي شبكات الفساد واسعة داخل الادارة والاقتصاد والسياسة!!؟؟
اليوم البلاد متفجرة والهشاشة في اعلى مستوياتها، والبلاد في حاجة الى حد ادنى من الاستقرار التي تكون بما ينفع الشعب ويحقق مطامحه، وليس بما يحقق رغبات اهل الفساد والسياسة وصفقاتهم المشتركة، التي تزيد في فقدان ثقة الشعب في الدولة ومؤسساتها، ولن تحقق لا مصالحة ولا تقود الى طي صفحة الماضي طالما لم تحقق تصفية ارث الانتهاكات والجرائم بشكل حقيقي، وطالما لم تتم معالجة حقبة الاستبداد والفساد وفق المعايير الحقوقية والانسانية الدولية المعلومة، والعدالة الانتقالية هي التي تقود الى الديمقراطية وتحقق المصالحة الحقيقية بعد مسار من الاليات ابتداء من كشف الحقيقة الى المحاسبة الى جبر الضرر واصلاح المؤسسات واعادة هيكلتها وتعزيز علوية القانون.
اليوم البلاد على كف عفريت وليست في حاجة الى مزيد البراكين، ونقطة استفهام كبرى من هذه السلطة التي تدفع نحو الغرق، ولا ندري هل الامر بوعي او بدونه، وما هي مراميها العميقة من كل ذلك!؟
(*) باحث قانوني واقتصادي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.