تراجع معدل البطالة في تونس، إلى 15،2 بالمائة، خلال الثلاثي الأخير من 2025    عاجل/ أساتذة التعليم الثانوي يدخلون في سلسلة من الاضرابات بداية من الغد..وهذه التفاصيل..    عاجل/ اتفاق "سري" بين ترامب ونتنياهو لخنق ايران..حرب من نوع آخر..    دراسة: 72% من تلاميذ الابتدائي والثانوي في تونس لهم صعوبات في الرياضيات    اختتام مشروع فضاء 21 : تدريب وتكوين أكثر من 300 شاب وإدماج 116 شابا في سوق الشغل    أمسية احتفالية للترويج للوجهة التونسية في السوق المجرية    سيدي بوزيد: تأكيد انتظام التزويد بالمواد الأساسية خلال شهر رمضان    رضا شكندالي: لماذا لا يشعر التونسي بانخفاض التضخم؟    اليك أرقام الطوارئ للاتصال الفوري عند وقوع أي حادث جوي أو مروري    عاجل/ الفيضانات تضرب هذه المنطقة في ايطاليا واعلان حالة الطوارئ..    بطولة إفريقيا للاواسط: يوسف سلامة يعزز حظوظه في سباق التاهل إلى أولمبياد الشباب داكار 2026    غازي العيادي ينضم الى نادي ابو سليم الليبي    عاجل/ درجة انذار كبيرة ب6 ولايات..والرصد الجوي يحذر..    معهد الرصد الجوي: إسناد درجة إنذار كبيرة بست ولايات مع توقع هبوب رياح قوية    هام: بلدية تونس تحدد توقيت إخراج الفضلات خلال رمضان    عامر بحبة: رياح قد تتجاوز 100 كلم/س واليقظة مطلوبة    لطفي بوشناق يحل ضيفا ضمن سلسلة "فنانو العالم ضيوف الإيسيسكو"    ليالي رمضان بالنادي الثقافي الطاهر الحداد من 21 فيفري إلى 11 مارس 2026    رمضان ودواء الغدة الدرقية: وقتاش أحسن وقت باش تأخذوا؟    الرابطة الثانية: برنامج مباريات اليوم    أوباما يكسر صمته ويعلّق على نشر ترمب لفيديو "القردة"    انتخاب المكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل بجندوبة وخالد العبيدي كاتب عام من جديد    كارفور تونس: تخفيضات استثنائية وخصم 40% مع يسير و1500 قفة رمضان    طقس اليوم الأحد 15 فيفري 2026    الرصد الجوي: درجة انذار كبيرة ب6 ولايات    دوري أبطال إفريقيا: وقتاش الترجي يتعرّف على المنافس متاعو في ربع النهائي؟    مواجهات نارية في الرابطة الأولى: شكون ضدّ شكون ووقتاش؟    تمثيل جريمة مقتل الفنانة هدى شعراوي... والعاملة المنزلية للفنانة تتحدث عن سبب قتلها "أم زكي" وتعتذر من الشعب السوري    شوف وين كانت أعلى كميات الأمطار المسجلّة    "رعب لا يوصف".. وثائق إبستين تكشف يوميات الضحايا وكواليس الاستدراج    تونس والسنغال: 6 عمليات ناجحة بتقنيات حديثة لتوسيع الصمام الميترالي بالقسطرة في مستشفى دلال جام    فرنسا: النيابة العامة تشكل فريقا خاصا للنظر في وثائق إبستين    الصراع الأوروبي الأمريكي: من تحالف الضرورة إلى تنافس النفوذ    الإعلان عن نتائج الأعمال المقبولة في الدورة 24 لمهرجان الأغنية التونسية    لماذا تتكاثر قضايا الاغتصاب والفضائح الجنسية في الغرب رغم اتاحته؟ ولماذا تتكرر في المجتمعات المحافظة رغم اللاءات الدينية و الأسرية؟    وثائق وزارة العدل الأمريكية: ظهور ستة مسؤولين كبار على الأقل من إدارة ترامب في ملفات جيفري إبستين    الدراما تسيطر والكوميديا تتراجع ..لماذا تغيّرت برمجة رمضان على تلفزاتنا؟    بين تونس وأثيوبيا: دفع التعاون في المجال الصحّي    3 أسرار عن الحبّ تتعلّق بالدماغ والرائحة والألم    نابل: إتلاف 6.6 طن من المواد الغذائية غير الصالحة وغلق 6 محلات    سيدي بوزيد: رفع 55 مخالفة اقتصادية خلال حملة اقليمية    للتوانسة...لقيت مشكل في الأسعار؟ اتصل بالرقم الأخضر !    فاجعة مزلزلة: العثور على أجنة ملقاة في القمامة..ما القصة؟!..    بطولة القسم الوطني أ للكرة الطائرة – مرحلة التتويج: نتائج الجولة الرابعة    الليلة.. أمطار أحيانا غزيرة وتساقط محلي للبرد    بين الرومانسية والأصالة.. لطفي بوشناق يفتتح "غيبوبة" برمضان    الجوية الجزائرية تعيد هيكلة رحلاتها نحو الشرق الأوسط وآسيا    عرض خاص بشهر الصيام: لحوم محلية بأسعار تراعي القدرة الشرائية    الرابطة الأولى: مستقبل سليمان يواجه اليوم مستقبل المرسى    بعد ربع قرن.. رمضان يعود لفصل الشتاء    عاجل: القبض على شبكة مخدرات بين نابل والحمامات    منوبة: تواصل الحملة الجهوية لتلقيح الماشية من اجل بلوغ اهداف حمايتها من الامراض    طقس بارد وصيام قصير... رمضان يعود للشتاء بعد 26 عاماً..    من القديس فالنتاين إلى محلات الهدايا: حكاية يوم عيد الحب    رويترز: ويتكوف وكوشنير يعقدان اجتماعا مع مسؤولين إيرانيين في جنيف الثلاثاء    الشاب مامي، ناس الغيوان وكارول سماحة في الدورة السادسة ل''رمضان في المدينة''    أقل عدد ساعات صيام تسجّل في هذه الدول    اليك دعاء آخر جمعة في شهر شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأراضي الدولية في ولاية جندوبة: ثروات وطنية مهدورة بسبب غياب الحوكمة والشفافية
نشر في باب نات يوم 04 - 07 - 2017

- (وات/ تحقيق من اعداد المولدي الزوابي) فوجئ المستثمر الفلاحي عبد الحفيظ العثماني (50 عاما)، والذي ترعرع في ربوع دوار فج البيضاء من معتمدية بوسالم (120 كلم شمال غرب تونس)، بامتناع الإدارة الجهوية لأملاك الدولة والشؤون العقارية بولاية جندوبة عن تمكينه من مقسم فلاحي بمنطقة الروماني بعد أن تخلى عن مقسمه الذي استغله لسنوات في ولاية باجة في إطار قرار تعويض.
لم تشفع له شهائده، ولا قائمة علاقاته التي اكتسبها منذ أن وطئت قدماه عالم الاستثمار الخاص، في الحصول على العقار الجديد التابع لملك الدولة عوضا عن عقار مماثل كائن بمنطقة المنشار من ولاية باجة كان يستغله منذ سنوات.
وخلافا لما تم إعلامه به من قبل الإدارة الجهوية لأملاك الدولة والشؤون العقارية بجندوبة من أن العقار غير شاغر، فقد اكتشف بأن زهير الصيد استولى عليه غداة ثورة 14 جانفي 2011 دون وجه حق، مستغلا في ذلك تخلي خالد الطرابلسي، أحد المقربين من زوجة الرئيس المخلوع، بن علي، الذي كان يستغله لسنوات دون أن يسدد معاليم كرائه، حسب ما تؤكده فضيلة العلوي (تصريح لمعد التحقيق غير مسجل)، مديرة الهياكل الفلاحية بالإدارة الجهوية العقارية بجندوبة.
حالة عبد الحفيظ ليست حالة منفردة، فالعديد من الأراضي التابعة للدولة يتم استغلالها دون وجه حق، في تجاوز للقانون وعدم احترام لشفافية المعايير التي يتم على أساسها إسناد الأراضي الدولية.
وتشير الأرقام إلى أن مساحة الأراضي المستولى عليها من قبل ممن لا صفة قانونية لهم في ولاية جندوبة تقدر ب1628 هكتار (45 عقارا)، من ضمن 36 ألف هك مسوغة، إما لشركات إحياء فلاحية، أو لمهندسين فلاحين أو لفلاحين شبان متحصلين على شهائد تكوين في القطاع الفلاحي، حسب ما أكده عماد شرادة، المدير الجهوي لأملاك الدولة والشؤون العقارية في جندوبة، في تقرير عرضه على الدورة العادية الأولى لسنة 2017 للنيابة الخصوصية للمجلس الجهوي لولاية جندوبة، المنعقدة في 31 مارس 2017.
وأشار التقرير إلى أن أسعار كراء الأراضي الدولية لا تتجاوز لدى بعض الأصناف 10 د للهكتار الواحد.
وأقر التقرير بعجز الدولة عن استرجاع المساحات المستولى عليها، بما فيها العقار المزمع كراؤه لعبد الحفيظ العثماني.
ولا تزال هياكل الوزارة بصدد عرض ملفات المستولين على المكلف العام بنزاعات الدولة، وفق ما ورد في ذات التقرير، فيما لم تقدر على استرجاع أراض بت فيها القضاء، لتقرّ صراحة ب"صعوبة التدخل الفوري للتصدي والحد من ظاهرة الاستيلاءات على العقارات الدولية المتفشية" و"صعوبة تنفيذ الأحكام".
ويفسر التقرير ذلك بامتلاك مواطنين لمنابات مشاعة مع الدولة ومسجلة بدفتر الملكية العقارية، وهو ما يستوجب القيام بقضية في القسمة، فضلا عن صعوبة تحديد هوية المعتدين، وغياب وسيلة ردع حينية وناجعة، ذلك أن الآلية الوحيدة المخولة للإدارة لحماية الملك العام هي اجراءات التقاضي، وهي اجراءات يطول الفصل فيها، علاوة "على عدم توفر الجدية والحزم الكافيين لعدول التنفيذ، وصعوبة الاستعانة بالقوة العامة"، حسب المدير الجهوي لأملاك الدولة والشؤون العقارية بجندوبة، عماد شرادة.
رفض مطلبه لأنه أراد استصلاح أرض مهملة لعقود
من الحالات الأخرى التي تؤشر لغياب حوكمة رشيدة وشفافة في إدارة الملك العام من الأراضي الفلاحية وضمان تواصل إسهامه في تنمية الثروة الوطنية، هي حالة المستثمر الفلاحي حسين الريابي (45 سنة).
هذا الأخير، ظل منذ طفولته التي قضاها بقرية الريابنة من معتمدية بوسالم، يمر قرب قطعة أرض مترامية الأطراف تعرف "بهنشير النخيلات".
كان دائما يتساءل عن سر بقائها بدون زراعة، وهي التي تتوسط أراض فلاحية خصبة، إلى درجة ظن معها أنها مخصصة للطيور المهاجرة شتاء، والرعاة البدو صيفا. وقد تبين له إثر ذلك أن الأرض في حاجة إلى تخليصها من الملوحة التي تحول دون نمو المنتوجات الزراعية.
ومع قيام ثورة 14 جانفي 2011 وشروع عدد من المواطنين في الاستيلاء على العقارات الدولية، قرّر حسين تقديم ملف مدعم بدراسة إلى والي جندوبة يطلب فيه النظر في إمكانية تمكينه من تلك الأرض التي تمسح نحو 40 هكتارا على وجه الكراء، مع استعداده لاستصلاحها على حسابه الخاص.
وبعد أن شرعت اللجان المختصة في مناقشة ملفه واستمعت إلى عرض برنامجه، فوجئ إثر ذلك بأشهر بزراعة الدولة لتلك الأرض التي أُهملت على "امتداد أكثر من خمسين سنة"، حسب ما يؤكده الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بجندوبة، خالد العبيدي، وكذلك رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بجندوبة، توفيق الريابي. أمر يطرح في نظر حسين أسئلة عديدة، من بينها لماذا تجندت إدارة المركب الفلاحي بالكدية، التابع لديوان الأراضي الدولية لحرثها وزراعتها، بعد أن كان فنيوها ومهندسوها يبررون عدم استغلالها بأنها "غير صالحة للزراعة" ؟؟(تصريحات للفنيين).
وفي مراسلة توصل بها حسين الريابي مؤرخة في 15/06/2016 صادرة عن والي جندوبة ومضمنة بمكتب ضبط الولاية تحت عدد 9362، والتي جاءت كرد على طلب الريابي المتعلق بكراء أرض دولية تابعة للمركب الفلاحي الكدية بوسالم، والتي تعرف ب"هنشير النخيلات"، جاء فيها أنه "وبعد عرض ملف المستثمر على أنظار اللجنة الجهوية للإحاطة بالباعثين في جلستها المنعقدة بتاريخ 25/03/2016، ومراسلة الجهة المالكة لالتماس الموافقة على الكراء على اعتبار أهمية المشروع، تبين أن العقار المقصود يرجع بالملكية لديوان الأراضي الدولية، وهو غير مستغل منذ 2010 نظرا لفقر التربة وارتفاع درجة الملوحة"، وفق ما جاء في المراسلة.
العجز عن إيقاف نزيف الاستيلاءات على أراضي الدولة
وأمام عجز الدولة عن استرجاع أملاكها المستولى عليها، ومنها العقار الذي تسوّغه عبد الحفيظ العثماني، هدد هذا الأخير بحرق نفسه أمام الإدارة الجهوية لأملاك الدولة، قبل أن يحاول الانتحار في مأوى الإدارة.
وبعد مراسلات متكررة من كاتب التحقيق، لكاتب الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية، مبروك كرشيد، لدفع المدير الجهوي للإدارة الجهوية لأملاك الدولة في جندوبة، لتمكينه من المعلومات اللازمة حول هذه القضية، اضطر المدير الجهوي لعرض مشكل عبد الحفيظ أمام أنظار المجلس الجهوي المنعقد في 31 مارس 2017 بمقر ولاية جندوبة، والإفصاح "بأن العقار المعروف بالروماني 2 مستولى عليه من قبل زهير بن عبد المجيد الصيد بدون صفة قانونية"، وفق ما ورد في التقرير المعروض أمام أعضاء المجلس الجهوي.
وأوضح ذات التقرير أن عدم تنفيذ قرار الإخلاء الصادر عن والي جندوبة في مارس 2017 يعود إلى أسباب اعتبرها "اخلاقية".
والمقصود بالأسباب الأخلاقية، هو تمكين المستولي على الأرض بدون وجه حق، من جمع صابته، عوضا عن اعتبار الصابة ملكا للمجموعة العامة.
وقد أثار هذا الأمر استغراب عدد من أعضاء المجلس الذين عبروا عن استهجانهم لتعليلات المدير الجهوي لعدم تنفيذ قرار الإخلاء، رغم أنه مدعم بضرورة الاستعانة بالقوة العامة. (مداولات المجلس مسجلة، بالإضافة إلى تقرير).
"لا افهم تلكؤ الإدارة الجهوية لأملاك الدولة والشؤون العقارية بولاية جندوبة في تمكيني من مقسم، هو بالقانون من حقي، بعد أن تخليت عن مقسم بقرية المنشار من ولاية باجة كنت أستغله منذ سنة 2002 تنفيذا لقرار تعويض صدر في 2016".
هكذا توجه إلينا عبد الحفيظ العثماني الذي أنهكه التعب جراء ملاحقة حقه في ضيعة الروماني 2.
وكانت وحدة التصرف في الأراضي المسترجعة بباجة قد قامت في 28 ديسمبر 2016 بتنفيذ قرار عدد 7409 /55/17 المؤرخ في 20/12/2016 لتعويض العقار عدد 150371 بعقار الروماني 2 لفائدة عبد الحفيظ العثماني بعد أن استخلصت منه كل المستحقات".
وتابع العثماني قائلا "لم ينته تلكؤ الإدارة عند هذا الحد، فقد تمت مطالبتي بتسديد معاليم كراء سلفا لجزء من العقار الذي يمسح 14 هك و65 آرا، والاستظهار بخلاص مبلغ مالي قيمته 2700 دينار كمعلوم كراء لهذا الجزء الذي يمسح 7 هكتارات و65 آرا في ظرف 24 ساعة، في انتظار استكمال تمكيني من كامل الأرض، بعد انتهاء موسم الحصاد واحترام المسألة (الاخلاقية)".
وأضاف "تصرف الإدارة الجهوية لأملاك الدولة على هذا النحو، أكد شكوكي في أن هناك عيونا على العقار، وما تلكؤ الادارة في منحي إياه، إلا محاولة لثنيي على التمسك به".
في السابع والعشرين من أفريل تمكن عبد الحفيظ من التحوز بجزء من المقسم وكافة البناءات الموجودة فيه، في انتظار استكمال تمكينه من الجزء المستولى عليه، بعد أن يحصد المستولي ما زرعه من قمح وشعير في شهر جويلية، حسب ما أكده رئيس اللجنة الجهوية الاستشارية لأراضي أملاك الدولة والكاتب العام للولاية، طارق الغضباني.
ديون الدولة غير مستخلصة
تلك الحالات الفردية، التي تحكي بعضا من سوء الإدارة، وتبسط أوجها من غياب الحزم والشفافية في التعاطي مع ملف الأراضي الفلاحية الدولية، تتمظهر أيضا في التراخي والتقصير المبرر وغير المبررة في تحصيل منابات الدولة من استغلال الخواص لأراضيها.
فقد وصل ضعف الدولة والتطاول عليها خلال السنوات التي أعقبت الثورة، إلى العجز عن استخلاص ديونها.
وفي هذا الصدد، لم يخف لزهر العبيدي، المدير السابق للإدارة الجهوية لأملاك الدولة في جلسة 14/10/2016 للجنة الاستشارية (المتكونة من الإدارة الجهوية لأملاك الدولة والشؤون العقارية والمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية ووكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وممثل عن ديوان الأراضي الدولية)، أن اللجنة باتت عاجزة عن استخلاص ديون عدد من المنتفعين بعقارات فلاحية، بعد أن توفي أصحابها أو تغيبوا.
وقد ذكر ممثل الإدارة الجهوية لأملاك الدولة والشؤون العقارية بجندوبة (لدى معد التحقيق محضر الجلسة وكذلك تسجيلات)، في إحدى جلسات هذه اللجنة، التي انعقدت في شهر فيفري من سنة 2016، والتي كان كاتب التحقيق حاضرا فيها، ذكر أن "المدعو عبد المجيد البوسليمي الذي تم تسويغه 154 هكتارا بمنطقة الدخايلية من معتمدية وادي مليز، والمقيم حاليا بفرنسا، لم يسدد منذ اكثر من عشرين سنة الديون المتخلدة بذمته".
كما بينت مديرة العقارات الفلاحية بالإدارة الجهوية لأملاك الدولة، أن ثمن الكراء لم يتجاوز منذ التاريخ الذي تسوغ فيه البوسليمي عقاره، 10 دنانير للهكتار الواحد.
وحسب زياد الصالحي، الخبير المعتمد لدى الإدارة، فإن قيمة مردود الهكتار الواحد في جهة جندوبة يفوق 1200 دينار في الأراضي البعلية، ويفوق 5000 دينار في الأراضي السقوية، وهو ما يعني أن الدولة خسرت في حالة البوسليمي نحو 3000 دينار في الهكتار الواحد بين بعلي وسقوي.
هذه الخسائر من جراء عدم استخلاص الديون، يؤكدها التقرير الصادر عن الإدارة الجهوية لأملاك الدولة والشؤون العقارية بجندوبة في موفى 2016، والمتعلق بالمداخيل المتأتية من كراء العقارات الفلاحية، حيث يشير إلى أن مداخيل الدولة من تلك الكراءات، بلغت الى حدود موفى ديسمبر2016 ما يقارب 14 مليون دينار، فيما بلغ الدين المتخلد لذات الفترة ما يناهز 38 مليون دينار.
يضاف إلى كل ذلك، ما لم تنته اللجنة من حصره من الأراضي المهملة أو المستولى عليها، والتي تناولتها مذكرة العمل عدد 103 الصادرة في 3 ديسمبر 2015 عن وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية السابق، حاتم العشي.
وتبين هذه المذكرة أن أراضي الدولة لم يتم حصرها بعد.
وقد دعا فيها الوزير اللجان الجهوية في كافة الولايات (المحافظات)، إلى حصر الأراضي التابعة لأملاك الدولة بجميع أصنافها، وتفويض اللجان الجهوية لتنظيم عمليات الإسناد وفق قواعد ومعايير مضبوطة.
عدم احترام معايير الشفافية في إسناد الأراضي الدولية
وعلى صعيد آخر، يفترض أن تراعي اللجنة الجهوية الاستشارية لإسناد الأراضي الدولية، معايير الإسناد، وطرق الإعلان بالصيغ المعتمدة، على غرار الإعلان عن البتة العمومية عبر صحيفتين يوميتين على الأقل، لكن واقع الحال يثبت اعتمادها على صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة بالولاية، والاقتصار على معلقات في مقرات المعتمديات دون الإشهار العلني عبر الصحف اليومية، حسب الكاتب العام الجهوي للنقابة التونسية للفلاحين، عادل الزيدي.
ففي 18 نوفمبر 2016، اقتصر والي جندوبة، أكرم السبري، في عرض مقاسم فلاحية لفائدة الفلاحين الشبان، على مجرد إعلان عبر صفحة الولاية على شبكة التواصل الاجتماعي وفق هذا الرابط استخلاص بمفعول رجعي تفاجأ عبد الرحمان الورغي، وهو صاحب شركة إحياء فلاحية تمسح نحو 450 هكتارا غير مروية، تسوغها لمدة عشر سنوات ابتداء من 2005 بمبلغ جملي يناهز 25 ألف دينار، عند تجديده للعقد سنة 2015، بأن الأرض التي يستغلها، تم تصنيفها ضمن النطاق المناخي الرطب وشبه الرطب، عوضا عن النطاق المناخي الجاف وشبه الجاف، الذي تأسس عليه العقد الأول المبرم بينه وبين وزير أملاك الدولة آنذاك، رضا قريرة، وذلك بعد أن صدر الأمر عدد 361 لسنة 2010 مؤرخ في 01 مارس 2010، والذي تم على أساسه تنقيح الأمر عدد 427 لسنة 1994 المتعلق بتصنيف الاستثمارات وضبط نسب شروط وطرق إسناد التشجيعات في قطاع الفلاحة والصيد البحري، بحيث أصبحت معتمدية بلطة بوعوان، أين توجد ضيعته، مدرجة ضمن المناطق التابعة للطابق المناخي الرطب وشبه الرطب، والذي يفوق فيه المعدل السنوي للأمطار 500 مم، في حين لم يشمل هذا القرار الشركة المجاورة، والمتداخلة معه في ذات خطوط الطول والعرض.
لذلك وجد عبد الرحمان نفسه في دوامة من المراسلات والاتصالات، لاسيما بعد أن ألزمته الوزارة بدفع الفارق في معاليم الكراء، منذ أن أبرم العقد الأول بمفعول رجعي، وهو ما سيكلفه تسديد ما لا يقل عن 450 ألف دينار إضافية، دون أن يكون له ذنب في تقديرات أو خطأ الوزارة، وبعد أن قام باستصلاح جزء هام من الأرض التي يستغلها.
عندما عرض كاتب التحقيق، قضية عبد الرحمان، على وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية السابق، حاتم العشي، وعلى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، سمير الطيب، أجمعا على أن إجبار المعني بالأمر على دفع المعاليم الإضافية بمفعول رجعي، أمر لا يستقيم من الناحية القانونية، لذلك قبلا بتظلمه، ووعدا بالنظر في الموضوع. ولكن، وإلى حد كتابة هذه السطور، لم يتم حل المشكلة.
هكذا يظل سوء التصرف في الأراضي الدولية يستنزف أموال الدولة وممتلكاتها، ويتسبب في خسائر فادحة للمجموعة الوطنية، في استمرار لعقلية لا تحترم الملك العمومي، "عقلية رزق البيليك"، ويهدد الاقتصاد بالعجز.
أنجز هذا التحقيق باشراف حنان زبيس، وبالتعاون مع مركز تطوير الإعلام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.