التلوث الزراعي في تونس: في مواجهة أزمة هيكلية في النموذج الفلاحي دعوة للتحول نحو الزراعة الإيكولوجية    ترامب: إيران أبلغتنا أنها بحالة انهيار    رويترز: انسحاب الإمارات من "أوبك" يمثل انتصارا كبيرا لترامب    الرابطة الثانية: نتائج وترتيب الجولة 24 (الدفعة الثانية)    عاجل/ هذا ما قرره القضاء في حق مراد الزغيدي وبرهان بسيس..    وزير الصحة: معطيات صحة المواطن سيادة وطنية    النائب محمد علي: حملات التجييش لن تثني النواب عن دورهم    بين طبرقة وعين دراهم: حجز كمية كبيرة من أقراص أدوية للأمراض المزمنة وإيقاف مهرب    بطولة الرابطة الاولى : تعيينات حكام مباريات الجولة 27    سوق الأضاحي: نقص في العرض وأسعار فوق المليون !    هام: الجمارك الليبية تتحرك...إيقاف امرأتين في قضية تهريب أقراص مخدرة باتجاه تونس    الرابطة الأولى: بشرى سارة لجماهير النادي الإفريقي في الدربي    قسم الدواوين والمنشآت يدعو الى مراجعة عميقة ل5 مشاريع قوانين تتعلق بلزمات الطاقات المتجددة وفتح نقاش وطني حولها    تونس تُدين الهجمات المسلحة في مالي وتُعبّر عن تضامنها الكامل    تسجيل أطفال سنة أولى: شنوّا تعمل إذا ما تحصّلتش على المدرسة الّي تحبّ عليها؟    لقاءات فكرية وعروض فنية في انتظار رواد معرض تونس الدولي للكتاب يوم الاربعاء 29 أفريل 2026    مسؤول بصندوق الضمان الاجتماعي: مستوى متوسط للتصريح بالأجور في 2025 بنسبة 58 بالمائة    مرصد الإقتصاد يحذّر من 'مخاطر' مرتبطة بمشاريع امتيازات الطاقة المتجددة    وكالة احياء التراث والتنمية تنظم تظاهرة " يوم أوذنة للدراجات" يوم غرة ماي 2026 بالموقع الاثري بأوذنة "    مباراة مستقبل سليمان والنادي الإفريقي في الكاف    ماذا دار بين وزيري داخلية تونس والسويد؟    سيدي بوزيد: 45 طفلاً منتفعا ببرنامج دمج الأطفال المصابين بطيف التوحد خلال السنة التربوية الحالية    خبير قانوني يكشف: هذه العقوبات التي قد تواجه حسام السيلاوي    بحضور 106 نواب..انطلاق جلسة النظر في اتفاقيات لزمات انتاج الكهرباء    الحماية المدنية : 602 تدخلات خلال الأربع وعشرين ساعة الفارطة    شباب تونس يكتبون المجد في البطولة العربية لألعاب القوى للشباب    ألاء الصغير تصنع الحدث وتمنح تونس الذهب    مشروع قانون جديد للطاقة المتجددة يثير الجدل في تونس : ما معنى ''نظام اللزمات''؟    انطلاق تسجيل مواليد 2020 للسنة أولى: وهذه شروط تسجيل مواليد ال3 أشهر الأولى من 2021    متابعة/ جريمة تطاوين الغامضة: وكيل الجمهورية يفجرها ويكشف..#خبر_عاجل    فاجعة تهز هذه الجهة: مقتل فتاة واصابة والدتها في "جريمة غامضة" تمتد خيوطها إلى سوسة..#خبر_عاجل    "أوكتافيا، كوشاك، وفابيا".. أيقونات سكودا العالمية في قلب قابس بمركز "MTS" الجديد لشركة النقل..    كلب في الشارع ينجم يهدّد حياتك وحياة عايلتك... انتبه!    أعراض السكري: علامات تظهر عند الاستيقاظ صباحًا    دراسات جديدة تكشف أن هذا النبات قد يخفض الtension خلال أسابيع    الجمعية التونسية لأمراض وجراحة القلب تُعلن قرب إطلاق السجل الوطني للداء النشواني القلبي    تسريبات حول مقترح إيران لوقف الحرب.. ترامب يحسم موقفه..    ''نجدة'' تُنقذ التوانسة...اليوم الجلطة ماعادش تستنّى    صادم: عائلة هذا الفنان العربي المشهور تتبرأ منه بعد فيديو مسيء للدين    لطفي بوشناق يلجأ إلى القضاء على خلفية "حملة تشويه" استهدفته... و الأستاذ أحمد بن حسانة يكشف التفاصيل    إندونيسيا: قتلى وجرحى في حادث اصطدام قطارين    الترجي الرياضي التونسي يسحب ثقته من لجنة التعيينات    شنّوة القنوات الناقلة لمباراة باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2025-2026؟ وكيفاش تتفرّج فيها عبر الإنترنت؟    رفضا لمشاريع اللزمات: جامعة الكهرباء تدعو النقابيين للمشاركة في الاحتجاج أمام البرلمان    طقس اليوم: تقلبات جوية بعد الظهر    مناوشة بين القوبنطيني ومكرم اللقام بسبب "ولد اختو" الحكم فرج عبد اللاوي    روبيو.. المرشد الأعلى الإيراني لا يزال على قيد الحياة    بينهم مصريون وسودانيون.. مصرع 38 مهاجرا قبالة سواحل ليبيا    النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة تنظم يومي 1 و2 ماي بالعاصمة المنتدى الثامن للصيدلة والمنتدى السابع للصحة الرقمية    افتتاح الدورة الثامنة من مهرجان قابس سينما فن... على درب الالتزام والانفتاح    لطفي بوشناق للشروق: "لا تُرمى بالحجارة إلا الشجرة المثمرة"    الدورة 40 لمعرض تونس الدولي للكتاب: برنامج فضاء الاطفال واليافعين ليوم غد الثلاثاء    عاجل: معروضات ممنوعة في معرض تونس الدولي للكتاب    هل يُحج عن من مات ولم يحج؟ الإفتاء تحسم الجدل    عاجل-مدينة العلوم: فلكيا هذا موعد عيد الأضحى في تونس    ابدأ أسبوعك بالدعاء... كلمات بسيطة تغيّر يومك بالكامل    أولا وأخيرا .. «اسمع وفلّت»    انتصار حلف المقاومة بقيادة إيران وأهمية الدائرة الثالثة/ الإسلامية لخلاص الأمتين (1/ 2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جنّة كريستين لاغارد التي توعدون!
«إنّ الصندوق شريك لتونس وهو على استعداد لتقديم العون بالطريقة التي يراها الشعب ملائمة، بما في ذلك المساعدات المالية».
نشر في الشعب يوم 20 - 04 - 2013

مدير عام صندوق النقد الدولي، السيدة كريستين لاغارد.
بحلول بعثة صندوق النقد الدولي بتونس في زيارة رسمية، يتأكّد خبر إعلان محافظ البنك المركزي التونسي الذي أعلن في الخامس والعشرين من شهر جانفي الماضي، أنّ تونس «تتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض ائتماني». زيارة وفد صندوق النقد الدولي المرتقبة لتونس ستُخصّص، «لاستكمال المفاوضات» والتباحث بشأن منح تونس قرضا ائتمانيا «وقائيا» بقيمة 2.7 مليار دينار. إذا كان رئيس البعثة، السيد أمين ماتي، الذي زفّنا خبر وصول البعثة لإبرام الاتفاق، قد كشف أنّ ذلك تمّ «بعدما أبدت الحكومة الجديدة اهتماماً»! فإنّ السيد الشاذلي العياري، قد صرّح بأنّ «الوفد سيعرض نتائج مباحثاته خلال هذه الزيارة على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي في شهر ماي المقبل للمصادقة على القرض»، مؤكّدا أنّ الصندوق «لم يفرض بالمرّة شروطا أو إملاءات لمنح القرض الائتماني، بل على العكس فقد اقترح على تونس تسهيلات هامة». ما يُقصد بالقرض الوقائي، كما يرد في لغة اقتصاديي البنك الدولي «عبارة آلية إقراض مُستحدثة من رحم الأزمة المالية العالمية بغرض توفير «شبكة فعالة للأمان المالي تساعد البلدان على التكيّف مع الصدمات المعاكسة، ومن مميزاته توخي المرونة في تلبية احتياجات السيولة لدى البلدان الأعضاء بالصندوق.»!
اللّجوء إلى صندوق النقد الدولي، وإن «أبدت الحكومة الجديدة اهتماما»، قرار على غاية من الخطورة وتداعياته لن تلبث أن تنفجر في وجه من يقلّلون من شأنه، يمرّ ضمن تعتيم إعلامي شديد، ودون أن يحظى بحوار وطني أو استفتاء شعبي أو استنفاذ لحلول أخرى كان بالإمكان ومازال توخّيها قبل تسليم رقاب التونسيين ومصائرهم لمؤسّسة يعلم القاصي والداني ما تمارسه بحق الشعوب. هذه الخطوة الخطيئة، التي تستوجب المساءلة العاجلة، تطرح أكثر من سؤال:
من المسؤول عن ضرب الاقتصاد التونسي في صميم أساسياته؟ من ظلّ يراوح مكانه، لا هو استرجع أموالا مُهرّبة، ولا قاضى أباطرة الفساد ولا راجع منظومة جبائية، ولا حدّ من تهرّب جبائي؟ من سمح بتفاقم عجز ميزاننا التجاري حتى وصل إلى 12 مليار دينار، وهو الذي لم يكن يتجاوز ال4 مليار دينار سنة 2010؟ وحتى يلغ عجز ميزان الدفوعات الجارية نسبة 8 في المائة من الناتج الخام؟ ألا يكفي محفّزا، كل هذه الأرقام المفزعة، حيث أنّ إجمالي ديون تونس بلغ 40 مليار دينار، وهو رقم مرشّح للزيادة، وأنّ نسبة التضخّم الحقيقية تقترب من ال10 في المائة، وهي التي لا يجب أن تتجازو ال3 أو ال4 في المائة؟ من فرّط في أكثر من هامش للحركة، يوم كانت بعض الهوامش متاحة، لوضع الاستراتيجيات المتكاملة، من أجل إعادة الحياة لنموّ في حالة موت سريري، وخلق دينامية تنشّط الاستثمار والاستهلاك والتجارة الخارجية؟ ألم ينتبه القائمون على تونس إلى حجم الكارثة التي نمضي نحوها قدما؟ لماذا سُمح بتغوّل اقتصاد موازٍ تحتيّ، أضحى ينتج ضعف المنتوج الداخلي الخام، دون أن تستفيد منه الخزينة العامة؟ كيف يسمح حتى اليوم، ورغم نسبة التضخّم، وتحذيرات الخبراء والمختصّين الإقتصاديين، بتفشّي التهريب، واستمرار التهرّب الجبائي، دون مراجعة للمنظومة الجبائية؟ من اختار الحلول الإلتفافية عمّق الأزمة وزاد من حدّة النزيف بعدم تصدّيه منذ البدء لمسائل مصيرية كتأمين حدّ أدنى من الإستقرار السياسي والأمني، وتحسين، أو على الأقل صيانة البنية التحتية، الحوكمة الرشيدة، وضع الاستراتيجيات والخطط التنموية العاجلة. فهل يُستغرب بعد كل هذه الإخلالات أن تقوم الوكالات العالمية للترقيم الإقتصادي بتخفيض تصنيفنا الإئتماني السيادي؟ ألم تصنّفنا ذات الوكالات العالمية، «فيتش رايتينغ، Fitch Ratings، و«موديس، Moody›s و»Standard Poor's»، مع السودان وأذربيجان، كدولة «ذات مخاطر عالية»، ممّا أفقدنا ونخر رصيد الثقة المتبقي ونفّر كل المستثمرين الوطنيين قبل غيرهم؟ أم أن ثمّة من كان يدفع بتونس نحو شراك صندوق النقد الدولي، حتى يخلص السيد المحافظ إلى الجزم بأنّ «الاقتراض يُشكّل السبيل الوحيد لدفع عجلة الاقتصاد الوطني خاصة وأن مستوى الإدّخار في تونس مازال ضعيفا جدا»؟!
إذا كان الجميع يحدثنا عن القرض والجرعة التي سيحقن به اقتصاد تونسي يحتضر، فلا أحد أطلعنا على تفاصيل «برنامج الإصلاح الهيكلي» هذا، ولا شرح لمسحوقي تونس سياسات السوق المتغوّلة، التي تُعمّدها قمم نادي الأغنياء ويرسمها أباطرة مسك الشعوب من بطونها ودهاقنة النّهب المنظّم، الذين يستجديهم القائمون على أمورنا، ولا كشف لنا حجب ملامح الاستراتيجيات الكبرى التي سيلزموننا أو تلك «التعهّدات» التي قدّموها كضمانات مُسبقة لديون ستُخلّد بذمّة أبناء تونس، جيلا بعد جيل. ضمانات ستعمّر بعدهم، ولن يكون بمقدور الحكومات القادمة، مهما بلغت وطنيتها وثوريتها أن تتنصّل منها ولا من تبعات النّهج الذي يحاول هؤلاء ترسيخه في سباق محموم مع الزمن وتحت غبار كثيف من التوظيف لقضايا ثانوية لا علاقة لها بشعارات الحراك الإنتفاضي ولا باستحقاقاته.
صندوق النقد الدولي، في أكثر الحالات تفاؤلا، لن يتوقّف عند برنامج «إصلاحه» الهيكلي، بما يعنيه من إجراءات وإملاءات وتوصيات «بهدف تخفيض النفقات وخفض العجز»، بل سيذهب، كما عادته، إلى فرض خيارات تنموية معيّنة وخطط استثمارية استراتيجية سيرتهن إثرها القرار السيادي الوطني إلى آجال غير محدّدة. من يرهن مصير تونس لبرامج وخطط الارتهان لصندوق البنك الدولي، التي لن تنشد استثمارا ولا زيادة في إنتاج، وإنما ستعمل مشرطها في جسد اقتصاد تونسي مثخن بطبعه، تحت مسمّيات مُضلّلة ك«إعادة توازنات الاقتصاد». هؤلاء الذين يقلّلون من خطورة هذا التوجّه، يجب أن يدركوا أنّ برامج «الإصلاح» الهيكلي ستبدأ بتحديد جملة من الإجراءات الصارمة والعمليات القيصرية التي لا نملك ضبط إيقاعها ولن نحدّد مضاعفاتها على كل المستويات. لن يلبث دهاقنة صندوق النقد أن يمرّوا إلى خطوات أخرى كخفض الأجور العمومية، إلى نسب يقدّرها أهل الاختصاص بين 10 إلى 20 بالمائة، وتجميد جرايات التقاعد، والتضحية بالخدمات الاجتماعية من خلال بتر موازناتها أو الحد من نفقاتها، مثل نفقات الخدمات الاجتماعية من تعليم وطبابة وتأمين صحي، وغيرها. لن يقتصر الأمر على ذلك بل سيشمل إجراءات أخرى ستعمل على الدفع باتجاه التخفيض من قيمة صرف الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية والترفيع في الأسعار، ورفع الدعم وصولا إلى التفريط في الشركات الوطنية فالمساس بمستوى ومعدّلات إنفاق مؤسستنا العسكرية.
ليس أبلغ ممّا ورد على لسان الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية التونسية للحوكمة، السيد معز الجودي، حين يختزل حجم المخاطر التي تتهدّدنا ومضاعفات هذا القرار، وهو يُطلق صيحة فزع: «بمجرّد فرض صندوق النقد الدولي لسياسة مالية واقتصادية على تونس ستتخلّى البلاد عن سيادة قرارها لفائدة المنظّمات المالية والاقتصادية العالمية وهذا خطير... في صورة فرض منظومة البنك المركزي للسياسة الاقتصادية لتونس ستدخل البلاد في متاهات»!
من فوّض هؤلاء الذين يقايضون مصائرنا من أجل التمكين وصولجان سلطة زائلة؟ لماذا صُمّت آذان «صانعي» القرار في تونس وصدى صرخات الفزع وتحذيرات الخبراء الاقتصاديين التونسيون والغربيين، مازال يتردّد محذّرا من وضع اقتصادي كان بالإمكان تحسين أدائه وتجنيبه، في الحد الأدنى، خيارات صندوق النقد الدولي الأشبه باستراتيجيات الصدمة والترويع، Shock and Awe، التي تعاني من صدمات جلساتها كل البلدان التي تواجه صعوبات اقتصادية أو التي وصلت مرحلة الإفلاس، يشرف عليها سدنة صناديق النهب الدولي الذين يتحكّمون في رقابهم ويمسكونهم من أمعائهم؟ هل كان يُراد فعلا الوصول بتونس إلى هذا الوضع الكارثي، استنزافا وتفريطا في كل هوامش المناورة الممكنة والمتاحة، تمهيدا ل«وصفة» صندوق النقد الدولي و«قرضه الوقائي»؟ هل يشفع لهؤلاء تعلّل بتركة ثقيلة لنظام رُحّل رأسه فقط، ولا يصدق فيه توصيف «بائد»، كما يزعمون!، أو تحجّج بصعوبة المرحلة وانعدام المناخ المناسب لتحقيق الطفرة الموعودة؟ أو تذرّع بالعراقيل والألغام التي وضعتها قوى المضاددة للتغيير أو معارضة «غير مسؤولة»، كما تُنعت، أو قوى خارجية لها مصلحة في الدفع بتونس نحو الإفلاس، فالدولة الفاشلة؟ من مارسوا حالة الإنكار، State of Denial، طوال هذه المدّة، لا نستثني ولا نفاضل، وتحايلوا على الأرقام الصادمة وارتجفوا ساعة الحسم فلم يتخذوا القرارات التاريخية في اللحظات الفارقة، معزّزين بالشرعية «الثورية» و«الانتخابية»، يتحمّلون المسؤولية كاملة عمّا تؤول إليه الأمور!
علّمتنا تجارب الماضي المريرة أن هذه المؤسسات الدولية وهذه الهيئات لا مروءة ولا فضل لها وما تمدّه باليمين تسترجعه مضاعفا ومغمّسا بالبارود أو بالدم، باليسار. فالقرض «الوقائي» المقدّم مشروط بالتوصيف العائم حمّال الأوجه، في ما يرد بقولهم: بذل الجهود الإصلاحية «المناسبة»! المناسبة، لمن التبس عليه القول، فيلطّلع على ما جاء ببيان مدير عام صندوق النقد الدولي، السيدة كريستين لاغارد، في ختام زيارتها الأخيرة إلى تونس، «للتقدّم في عملية التحوّل الجارية، يتعيّن تكوين رؤية شاملة جديدة للاقتصاد التونسي، وتحديد أولويات الإصلاح من خلال حوار إجتماعي تشاركي». لم يبق للسيدة لاغارد «الحريصة جدا» على مستقبل تونس، غير المطالبة بالانضمام لما كان يُعرف بمجلس تحقيق أهداف الثورة!
هل نحن نبالغ؟ هل نحن بصدد تثبيط همم، كنّا نشحذها حتى شطّ المذاق ونحذّرها من التقوقع والانزلاق نحو مستنقع تغليب الاستحقاقات الحزبية والحسابات السياسوية الضيقة على المصلحة الوطنية، من خلال التصدّي لملفات من لم تسعفه ذاكرته الإقصائية للعودة لتجربتنا المريرة مع هذا الصندوق سنة 1986، وما عانيناه يومها بإسم «برنامج الإصلاح الهيكلي» و مضاعفاته ونتائجه الكارثية، فليتمثّل ما يُمارس اليوم على اليونان!
يجري كل ذلك على مرأى ومسمع من الأحزاب والحركات السياسية التي تستنزف طاقاتها من أجل حملات انتخابية استباقية، غير مضمونة النتائج من جهة، والخوض في صراعات دونكيشوتية واستنزاف للحس الانتفاضي لدى الجماهير، من جهة أخرى. هكذا خلا المجال لهؤلاء، يرسمون لنا خارطة تونس المقبلة في ورشات صندوق النقد والبنك الدولي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، في جلسات لاستحضار أرواح استعمار مُقنّع وتبعية جديدة.
ما لم يستطيعوا إجهاضه بالتدخّل العسكري المباشر تحت أكذوبة ما يسمّى ب«التدخّل الإنساني»، يئدونه ب«حبوب منع الحمل الثوري» الاقتصادية وبفيروس الديون السيادية ناخر المناعة الوطنية الوليدة. هكذا وأمام خلو ساحات التحرير من «ثوارها«، بعد أن سلّموا أعناقهم للأوصياء، ومقاولي السياسة، تكتمل تدريجيا حلقات الالتفاف والاحتواء الامبريالي الأفعواني. ذلك ما حذّر منه الكاتب والمفكّر طارق علي، أخيرا في مقاله «من يعيد صياغة العالم العربي«؟ الصادر بصحيفة «الغارديان» البريطانية، بقوله: «إنّ المرحلة الأولى من «ربيع» العرب انتهت، أما المرحلة الثانية، مرحلة محاولة سحق واحتواء الحركات الشعبية الحقيقية فقد بدأت»!
لا يغالطنّ محافظ البنك المركزي نفسه والجماهير في تونس حين يصرّح بأنّ القرض «الائتماني الاحتياطي» إن مُنح «لن يمسّ من السيادة الوطنية لتونس» وأنّ الصندوق «لم يفرض بالمرّة شروطا أو إملاءات» بل «سيعمل فقط على دعم الإصلاحات التي ستتقدّم بها»؟ فالسيد المحافظ، قطعا، لم يسمع توني بلير وهو يفضح ما تخفيه «دوائر النّهب المُعولم»، حين أوصى بضرورة أن يكون «التحوّل الديمقراطي مُسيطَرا عليه وخادما للمصالح الغربية لا مُتصادما معها». فهل يعقل ذلك؟
أخيرا، هل من ردة فعل واعية ومسؤولة على هذا المخطّط وبرنامج «إصلاحه الهيكلي» الذي تمضيه حكومات«انتقالية»موقّعة بإسمنا جميعا صكوك الإرتهان والإستدانة، من دون أن يرفّ »للثوار» جفن؟ هؤلاء المنشغلون بالتأخير أو التقديم، الجمهورية أم الخلافة، السافرة أم المنقّبة، أما آن لهم أن ينتبهوا لمن يقرّر لهم مصير توجّهاتهم الاقتصادية ويورّثهم التزامات وتعهّدات هي المقابل الذي أملته هذه المؤسسات؟
ما ترسمه هذه الدوائر بمساعدة هكذا حكومات، هو بعض ما وأد «الرّبيع»، «لاستيرداده نحو أظلم شتاء دام أسود سَبَقَه وعطّل مسيرتَه بين كل موسمٍ ثوري مُجهض، وآخر حاصدٍ للشوك والعوسج. كأنمّا لا زهرة واحدة واعدة بربيع آخر، قد لا يأتي أبدا»، كما أوجز مطاع صفدي.
أمازال بعضهم يتحدّث عن «ثورة»؟
شهداء حراك تونس ينتفضون في ثراهم، متى ينتفض «الأحياء»؟
نبيل نايلي - باحث في الفكر الاستراتيجي، جامعة باريس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.