رغم أن العلاقات التونسية المصرية مصطبغة بالود والنقاء والصفاء ورغم أن »الشمس والعسل« هما الغذاء الدائم للعلاقة بين تونس ومصر عبر التاريخ والأحداث والأشخاص والمواقف .. فإن هذه العلاقة تبقى دوما محتاجة الى المزيد والى الإضافة والى الدعم والى التواصل بين ماضٍ تليد وحاضر مشرق وغد أكثر إشراقا وبهاء وضياء في ظل ما تختزنه القلوب من مدد عاطفي وتناغم وجداني وأواصل عبر أجيال وقرون من المعز الى ناصر.. هذا الكلام وهذه الأفكار دارت بالخلد وأنا أجالس أخًا وزميلاً، بل صديقاً عزيزاً مفتونًا ببلادنا ومسكوناً بعروبة صادقة مخلصة بل موغلة في الانتماء الى أمة أكبر من أن تؤثر فيها أحداث عابرة هي صغائر أمام حجم الخالدات والخوالد من الأحداث والرجال... إنّه الصديق علي ابراهيم المستشار الإعلامي الأسبق للسفارة المصرية بتونس حيث قضى بيننا سنوات خمس على أيام السفير مخلص قطب الذي يمثل اليوم قطبا فعليا في حقل حقوق الإنسان بمصر ... وأما الأخ علي فهو اليوم يحتل موقعا بالغ الأهمية بل بالغ الخطورة حتى أن البعض يشبّهه بالموقع السيادي، وآخرون يسمونه عسكريا... من خلاله ترتسم صورة مصر ويتشكل المشهد العام لأرض الكنانة حيث يشغل علي ابراهيم خطة مدير عام المركز الصحفي للمراسلين الأجانب ومقره بالطابق الثاني لمبنى التلفزيون المصري المحاذي لوزارة الإعلام ... هناك كان لقاؤنا الذي تركنا فيه علي وحلّق بعيدا عن المكان ... وحلقت ذاكرته في أعالي البلفيدير ومنحدرات المنزه الخامس حيث مكتبه الذي قضى فيه صحبة رفيق دربه صفى الدين عبد التواب خمس سنوات كاملة ، كذلك هربت به ذاكرته من مكتبه المطّل على نهر النيل الى قرني »بوقرنين« وضفاف البحيرة وسيدي بوسعيد وزحمة باب الجزيرة وباب الفلّة الشبيهة بالعتبة !(سوق شعبية في القاهرة).. وبعد طول انتظار قررنا وضع حدّ لتجنيح الرجل الهائم بالخضراء .. بدعوته الى »العودة« الى مكتبه ليحدثنا عن هذا الموقع وأشياء أخرى... أستاذ علي سنعود الى هيامك هذا بعد أن تحدثنا عن هذا الموقع الذي تدير شؤونه ؟ أنه واجهة في التعامل مع الإعلام الأجنبي ويضطلع بمهمة تسهل عمل كافة المراسلين سواء كانوا زائرين أو مقيمين فيما يتعلق بتنفيذ برامجهم الإعلامية على أرض مصر ، كما أن لهذا المركز ضرورة أخرى في كل من مطار القاهرة حيث يختص بترتيبات الاستقبال والتوديع والمساعدة على دخول التجهيزات ومستلزمات العمل من كمبيوترات وكاميرات الخ ومكتب آخر خاص بالجوازات في قلب العاصمة ويقوم باستخراج الإقامات للمراسلين وأسرهم وتجديدها وكذا تجديد جوازات سفرهم .. الى جانب مراكز أخرى بالمحافظات ، كل ذلك لخدمة أكثر من 1200 صحفي معتمد ومقيم ومثلهم من الزملاء للمهمات العرضية (أحداث عامة، مؤتمرات دولية) والتي تخصص لها مراكز صحفية عالمية مؤثثة بكل متطلبات العمل الصحفي .. والى جانب كل ذلك نتولى استخراج تصاريح التصوير الخاصة بالوفود الزائرة التي ترغب في اعداد أعمال وثائقية وترتيب مقابلات مع كبار المسؤولين ورجال الدولة في مصر... لا شك أن موقفك هذا سيوفر للتونسيين نجاحا أكثر في مهماتهم !؟ فعلا وأقولها عاليا... فما عرفته من نجاح في مهمتي بتونس جعل ويجعل الخضراء وأهلها (صحافيون وغيرهم ...) في سويداء القلب وهو ما يدفعني دفعا لمزيد الحرص على توطيد عرى المحبّة والتعاون مع الأشقاء. قد يكون الأمر ذاته مع الاخوة الجزائريين مادمت مارست نفس المهمة في الجزائر؟ وهو كذلك ولكن ومن »غير ما يزعل اخواننا الجزائريين « فحميمية العلاقة مع التوانسة أكثر وقد يكون للتاريخ وخاصة الإسلام أثر في ذلك ... وكما يقال عندكم في تونس »الصغير على قلب والديه« وهذا مثل حفظته بسرعة وتجسم في عائلتي الصغرى أي زوجتي أمل وأولادي (محمد وندى وخالد) فجميعهم متعلقون بتونس الى حدّ تصميمهم الى اليوم على العودة والعيش فيها ... هذا عاطفيا وانسانيا أما مهنيا فالأمر كذلك وأكثر حيث كانت ظروف عملي كمستشار إعلامي للأستاذ السفير مخلص قطب جيّدة جدا من خلال العلاقات المتينة مع الصحفيين التونسيين وهي مستمرة الى اليوم رغم مرور أكثر من 10 سنوات . على ذكر الجزائر كيف يبدو لكم المشهد بعد أحداث مباراة الكرة الأخيرة ؟ كما أسلفت فقد كانت لي أيام جميلة بالجزائر في نفس الخطّة ساهمنا فيها بكل ما في الوسع لتحقيق التواصل الدائم على درب الخير والمصالح .. وقد كان لنا حضور مميز مع الإعلام الجزائري ومسؤوليه وآمل دائما في العودة اليهم كأهل وأشقاء ... وحتى ما يحدث هذه الأيام فأعتبره غيمة صيف سرعان ما ستنجلي حيث لا يمكن ومن غير المعقول تماما بل من المؤذي أن تُختزل علاقة شعبين بحجم مصر والجزائر في مباراة كرة نتيجتها أيا كانت آيلة للزوال... أما ما لا يزول هو ذاك الدم الذي روى الأرض أيام حرب التحرير في الجزائر وانتصارات أكتوبر في مصر علاوة على ما يجمع من مشروعات مشتركة تنشر النماء والخير في ربوع بلدينا.. وبالتالي فلا بد من العودة الى المصطلحات حتى نفهم أكثر .. حيث تطلق على المباريات الرياضية لفظة اللقاء بين فريق كذا وفريق كذا .. فلماذا تحولت مباراة مصر والجزائر الى فراق ... انه لأمر معيب ولكني واثق بأن الباقيات هي الشمائل وبذرات الخير أما هذه الغيمات فهي ذاهبة مع الريح الى حيث اللاعودة ... لنختم بشيء جميل ليس أجمل من ذكريات تونس وأهلها على امتداد الوطن الأخضر من سيدي بوسعيد الى توزر ومن جربة الى طبرقة لهم كل أشواقي وحبي... لقاء في مكتب علي ابراهيم في مبنى التلفزيون المصري المطلّ على نهر النيل.