رمضان زمان ..الكاف.. الاستعداد للعيد في آخر أيام رمضان    حشيشة رمضان .. مبروك المولهي (تاجروين) ...ضرورة ضبط النفس لتجنب المشاحنات وردة الفعل الحادة    منذ بداية شهر رمضان: تسجيل أكثر من 18 ألف مخالفة اقتصاديّة    لأول مرة إيران تستهدف إسرائيل والقواعد الأمريكية بصاروخ "حاج قاسم"    متابعة وضعية الآبار العشوائية    رئيسة المكسيك.. مستعدون لاستضافة مباريات إيران في كأس العالم    إيقاف 11 قاصرًا بعد رشق سيارات بالحجارة في السيجومي    المهدية ..بالمستشفى الجامعي الطاهر صفر.. حفل ختان بهيج.. والهدايا والكتب في الموعد    في دار الثقافة النفيضة ..طربيات، فنون ومعرض للذاكرة    العرض جمع سميح المحجوبي بمنجية الصفاقسي ...«تطريز»ألحان من الزمن الجميل في رحاب «دار الفنون»    بعد بيع كميات ضخمة من ألعاب الأطفال الخطيرة...مداهمات لمخازن عشوائية ووزارة المرأة تحذّر    ترامب يهاجم ماكرون بعد رفضه المشاركة في عمليات مضيق هرمز: قد يفقد منصبه قريبا    بن عروس: تنظيم ختان جماعي بمستشفى الياسمينات لفائدة 30 طفلا من أبناء الأسر المعوزة ومحدودة الدخل    وزارة الدفاع الاماراتية: إصابة مدنيين من عدة جنسيات بينهم تونسي في الهجمات الايرانية    عاجل: طقس العيد مفاجأة... من الشمس للمطر كيفاش؟    المنستير: فعاليات دينية وصحية واجتماعية في عدة مدن في الجهة بمناسبة ليلة القدر    لا أمانة علمية دون تحرير للبنى الفكرية ولا ملكية فكرية دون استقلالية معرفية ولا مسؤولية علمية دون إضافة فلسفية    طقس الليلة.. كثيف السحب مع امطار متفرقة    قيس سعيد يمتع 1473 سجينا بالعفو الرئاسي    ريم الرياحي تكشف كواليس دور «آسيا» في «الخطيفة» وتجربتها الكوميدية الأولى في «لقشة مالسما»    اضطراب توزيع مياه الشرب في عدد من معتمديات ولايات الجنوب الشرقي 2026    إدخال تعديل استثنائي على سير القطار الدولي تونس – عنابة    وزارة الأسرة تدعو إلى تفادي اقتناء الألعاب الخطيرة على صحة الأطفال    بعد ما تأكل ''الحلو'' كرشك توجعك؟ هذا السبب والحل    شقان الفطر لنهار 27...وقتاش؟    سوسة: الإطاحة بشبكة لترويج مواد مخدرة وحجز 2000قرص مخدر    رمضان يودّعنا...شوف شنّوة كان يقول النبي؟    علاش مُنعت مذيعة قناة الزمالك من الظهور لمدة شهر؟    وجيعة الكرش والغازات؟ علاش وشنّوة الحل؟    رابطة أبطال أوروبا: مواجهات حاسمة غدًا في إياب ثمن النهائي    ذهب وفلوس وكارتات بنكية...هكا يشكر رجال تركيا زوجاتهم في آخر رمضان    فائض الميزان التجاري الغذائي لتونس يرتفع إلى 489.7 مليون دينار موفى فيفري 2026    دار الدوْلاتلي بالمدينة العتيقة بتونس... من مركز للسلطة والنفوذ والجاه إلى مقر للرشيدية وحاضنة للتراث الموسيقي التونسي    عاجل : إلغاء رحلات بحرية بين صفاقس وقرقنة    عاجل: انطلاق صرف جرايات الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية    أبطال أوروبا: برنامج مواجهات الليلة لمقابلات إياب الدور الثمن النهائي    تحويل حركة المرور بهذه الطريق لمدة 10 أيام..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    الملاسين: وفاة طفل شنقًا وفتح تحقيق في ملابسات الحادثة    جريمة مروعة: ينهون حياة طفل 17 سنة طعنا بالسكين..    أبطال إفريقيا: لاعب الترجي الرياضي ضمن التشكيلة المثالية لذهاب الدور ربع النهائي    عاجل/ ردا على شائعات اغتياله: هذا ما فعله علي لاريجاني..    جمعية ''س و س'' تدعو التوانسة للتبرع بزكاة الفطر    6 سنوات سجنا وخطية مالية ضد المصمم الخاص لأزياء ليلى الطرابلسي    تدشين قسم طب الاستعجالي بمستشفى المنجي سليم بالمرسى بكفلة جملية تقدر ب1.9 مليون دينار    غارات إسرائيلية تستهدف ضواحي بيروت.. وموجة نزوح تتخطى المليون    سفير اليابان بتونس يستقبل مدير التصوير سفيان الفاني المتوج بجائزة أكاديمية السينما اليابانية    وزارة التجارة: سجّلنا ممارسات مضاربة واحتكار اللحوم البيضاء    عاجل: حجز 4200 كلغ من اللحوم غير صالحة للاستهلاك في منزل تميم    بطولة ميامي للتنس : معز الشرقي ينهزم أمام البيروفي ايغناسيو بوز 1-2    ارتفاع أسعار الغاز في البورصات الأوروبية    صفاقس: تحيل بالكارت البنكي يسرق 300 مليون، ردوا بالكم كي تمشوا تصبوا ال essence في الكييوسك    عاجل/ هذا موعد عيد الفطر في تونس..    نيمار خارج تشكيلة البرازيل في وديتي فرنسا وكرواتيا قبل كأس العالم    غلطة في استعمال المقلاة الهوائية ينجم يكلفك على برشا    بطولة انقلترا : برنتفورد يهدر تقدمه بهدفين ليتعادل 2-2 مع ولفرهامبتون    الامارات: حريق بمنشأة نفطية في الفجيرة إثر استهداف بمسيّرات    أسرة هاني شاكر تكشف تفاصيل حالته الصحية: الحقيقة    ديكور العيد بأقل تكلفة...شوف كيفاش بأفكار بسيطة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"معراج إلى دِمَشْق" ل"هادي دانيال" : حُلْمٌ كانَ بانْتِصارِ سُوريّة ، وانْتِصارٌ وَشِيكٌ الآن!
نشر في حقائق أون لاين يوم 23 - 12 - 2016

يُقارِبُ الشِّعْرُ التاريخَ في "مِعْراج إلى دِمَشْق" لِهادي دانيال (*) ، بَلْ يَتَماهى مَعهُ حِينَما تُسْفِرُ الحالُ الشِّعْريَّة ُ عَنْ مَوْقِفٍ تِجاه الذي يَحْدُثُ لِلعالَمِ بِسَبَبِ أمريكا تَحْدِيداً . فهذا البَلَدُ الذي كانَ مُدافِعاً عَن الحُرّيّةِ وَحَقِّ الشُّعُوب في الاسْتِقلالِ خِلالَ أربَعيناتِ القَرْنِ الماضي وَخَمْسِيناتِهِ أَضْحى مُنْتِجاً لِلحُرُوبِ ، مُقَسِّماً لِلْبُلْدان ، مُحَرِّضاً على الفِتَنِ الطّائفيَّةِ وَغَيْرِها ، مُراهِناً على الفوضى ، مُسْتَثْمِراً لِلقَتْلِ والدَّمار.
فَلا اطْمِئنانٌ لِلشِّعْرِ ولا اسْتِراحَةٌ لِلشاعِرِ مادامَ "حَمْقى التّاريخ" يُصَدِّقُونَ أمريكا وَيَلْهَثُونَ وَراءَ مَطامِعِهِم بِها وَلِأجْلِها كَي يُصبِحُوا "رَعايا" لَها :
"فَما الذي يَنْتَظِرُ الحَمْقى (فَراسَةً ، كِياسَةً ، سِياسَةً ؟) (ص6).
مُنْذُ أنْ تَعَرَّضَ وَطَنُ الشاعِرِ (سُوريّةُ) ليُحارِبُ ِالْعُدْوَانِ الأمْريكيِّ وَمُجْرِمِيِّ الإنسانِيَّةِ باسْمِ الدِّين ، والشّاعِرُ مُتَحَفِّزٌ قَلِقٌ يُحارِبُ بالحَرْفِ مَنْ يُرِيدُونَ إلحاقَ الأذى بِسُوريَّةَ وَشَعْبِ سُوريّةَ ، وَيَنْتَصِرُ مُطْلَقاً لِلمُقاوَمَةِ ، غَيْرُ مُفَرِّطٍ في جَمالِيَّةِ الشِّعْرِ واسْتِعاراتِهِ وَإيقاعاتِهِ بالنَّبْرِ والصَّوْتِ والصُّورَةِ وَدَلالَةِ العِشْقِ الذي اسْتَحالَ إلى رَمْزٍ ناطِقٍ بالفَرْدِ ُ والمَجْمُوعةِ المُنْتَمِي إليها.
كَذا يَبْتَدئُ عِشقُ سُورِيَّةَ ، عِشْقُ دِمَشْقَ :
" إنَّما عِشْق دِمَشْق مَرَضٌ مِن فَرَحٍ وَتَرَحٍ"(ص7)، عِشْقٌ لَهُ دَلالَةُ الحالِ المُرَكَّبَة بِفائضِ الإحساسِ وَنَقيضِهِ ، كالذي ينكشِفُ في المَواقِفِ الإنسانيّةِ ، بالحُزْنِ الفَرِحِ أو الفَرَح الحزين.
وحينما يَزُورُ العاشِقُ حَبيبَتَهُ (دِمَشْقَ) بَعْدَ غِيابٍ يَرْتَمِي في أَحْضانِها وَيَسْتَنْشِقُ طَويلاً أنْفاسَها بَيْنَ أحْيائها :"الصّالِحِيّة والمالكي والقلعة الحجريّة والجامع الأمويّ وبابَيْ توما و شرقي..." ، فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يَتَطَهَّرُ لِيُولَدَ مِن جديدٍ وَيَرقُّ وَيَشفُّ وَيَرْقى بالرُّوحِ عالياً كي يَبْقى ، وَيَنْتَقِلُ بِهَوَسِ العاشِقِ الوَلْهان بينَ مَقْهى وآخَر ، ك "مَقهى ركوة قَهْوَة ومقهى فندق الشام ومقهى سيلينا..." مُسْتَعِيداً عَدَدَاً مِن ذكرياتِ الأصدقاءِ ، هُناكَ في حَرَمِ الأمِّ الواحِدَة المُشْتَرَكَة بِما يَعنُّ لَهُ مِن وَهْجِ رُوحِ "الدكتور عَنان شَعْبُو..." وَ "طُفُولَة الذاتِ" و"كَفَرْيَة" وَ"بَردَى"...
- 2 – بالخُيلاء ، خُيلاء الشاعِر العاشِقِ ، وخُيلاءِ المَعْشُوقَةِ دِمَشْق ، وَخُيلاءِ سُوريّة يَحْلُمُ هادي دانيال يَقَظَةً ، فَيَتَحَدّى بِذلكَ أعْداءَ سُوريّةَ وَعَجْزَ الُّلغةِ ، وَيُكَرِّرُ عِشْقَهُ وَيَتَكَرَّرُ بِهِ ، وَيُغَنِّي وَيَتَغَنّى بالقُدُودِ الحَلَبيَّةِ التي أمْسَتْ قُدُودَاً لِلكِفاحِ ، لِصَباحٍ جديدٍ قادِمٍ يُوقِفُ زَحْفَ الخَرابِ وَيُعِيدُ لِلوَطَنِ فَرْحَتَهُ الأولى وَيُنْهِي حِكايَةَ الخَلاءِ ، الصَّحْراء ، سَرابِ الماء ، زَمَنِ القَتَلَةِ ، وَيَحْتَفِي بِرَمْزِيَّةِ الدِّماء مُتَمِثِّلاً بِذلكَ وِلادَةَ حَياةٍ جديدةٍ تَخرجُ مِن بَيْن الحرائقِ والخَرائبِ والمَوْتى شَجَراً آخَرَ يَنْمُو بَعْدَ احْتِراق ، "حَدائق مُزْهِرَة " ، سَماءً زَرْقاء مُشْرِقَة ، فَرَحاً عَمِيماً بِحَجْمِ الكُونِ رُغْمَ العَرَب البائدَة حِسَّاً وَمَعْنى وَما دَبَّرُوهُ لِسُوريَّةَ وَما فَعَلُوه فيها ...
إنَّ لِلعِشْقِ تَجَلِّياته ، وَلِلُّغَةِ بُعْدها ، بَل أبعادها الأخرى الماثِلَة في كَثيفِ الاسْتِعارَة تَلْميحاً واسْتِعارَةِ الغَضَبِ تَصْريحاً عِنْدَ كِتابة الجّرْحِ النّازف انتِصاراً لِلحياةِ :
" عَلى ضِفافِ الرَّدى الحَياةُ عارِيَةٌ وَمُغْرِيَةٌ وَغاوِيَةٌ كأنَّها بَرَدَى في صَحاري العَرَبْ" (ص30).
فالحياةُ رغبة ٌ، عِشْقٌ مُتَجَدِّدٌ ، ألَمٌ بأقْصَى حالاتِ الانْتِشاءِ حينما يَفْعَلُ النَّبيذُ فِعْلَهُ وَتُضْحِي الذّاتُ العاشِقَةُ شَتاتاً (شَظايا) ، والعالَمُ شَبيهاً بِحانَةٍ ولا "نديم" ، والعالَمُ خَلاءٌ أيْضاً ، بالأنا يُشَبَّهُ "بكأسٍ فارِغَةٍ " على مائدة ِ شَرابٍ "مَهْجُورَة" ، وَ "شَظايا" المُنْكَسِرِ "جارِحَة" (ص32).
وَمِن حَقِّ الذّاتِ الشّاعِرَةِ ، وَهِيَ تَنْظرُ في ما حَدَثَ لِلحبيبةِ سوريّة أنْ تَغْضَبَ حَدَّ الكُفْر بالعُرُوبَةِ وَبِكُلِّ المَعاني المُسْتَهْلَكَةِ الهالِكَةِ تَوْرِيثاً وَتَدَاوُلاً إلى اليوم ، وبالأفْكارِ أيْضاً ، حتّى الماركسيّة مِنْها التي اعْتَقَدَ فيها الشّاعِرُ لِعُدَّةِ عُقُود بَعْدَ المُؤامَرَة الدّنيئة التي حِيكَتْ ضِدَّ سوريّةَ لإلحاقِ الأذى بِها ، تَقْسِيمِها ، تَدْميرِها ، إنْهاء مَجْدِها السَّالِفِ والحادِثِ.
فَلا تَكُونُ هُوِيَّةُ الشَّاعِرِ إلّا بالوَطَنِ وَلِأجْلِهِ . أمّا العالَمُ فَلا مَعْنى لَهُ وَلَن يَكُونَ لَهُ مَعْنى فِي مَنْظُورِ الشَّاعِرِ إنْ أصابَ سُوريَّةَ أذَى ما خَطَّطَهُ الأعْداءُ لَها.
كَذا جَدِيدُ الشَّاعِرِ في قَصائدِ "مِعْراج إلى دِمَشق" هُوَ مُراجَعَةُ مَفْهُومِ الهُوِيَّةِ لَهُ بأفكارٍ جديدَةٍ بَعْدَ الأفكارِ المُهْتَرئةِ ، إذْ ما قِيمَة الأفكار ، كُلّ الأفكار التي كانت ، بَعْدَ ضَياعِ الوَطَن؟ وَما قِيمَة المَرْء بِلا وَطَن؟ غَيْر أنّ هُويّةَ الشّاعِرِ بَدْءاً وَمَرْجعاً بِسُوريّةَ وعِشْقِ سُوريَّةَ لا تَتَعارَضُ وَمَحَبَّة فلسطين الاستثناء ، أو ما يُشْبِهُ الاستِثناء فِي سَوْرَةِ الغَضَبِ عَلى كُلِّ العَرَب ، تقريباً ، إذْ عِشْقُ فِلسطين هُوَ بَعْضٌ مِن عِشْقِ سُوريّةَ تبْعاً لِهُويَّةِ المَكانِ والكِيانِ اشْتِراكاً ، وَلَيْسَ بِمُطْلَقِ الأفكارِ وَمُسْبَقِ الأيديولوجيا.
وإذا المَعْنى العِشْقِيّ يَتَكَرَّرُ وَإن اخْتَلَفَتْ اللحظاتُ بِمُخْتَلَفِ التَّواريخِ المُذَيَّلَةِ في نِهاياتِ القصائدِ ، إذْ الحَالُ المَرْجِعِيَّةُ واحِدَةٌ ، كما أسْلَفْنا ، والجُّرْحُ هُوَ ذاتُهُ لم يَنْدَمِلْ ، والألَمُ أيْضاً ، وَالغَضَبُ مِمّا حَدَثَ وَيَحْدثُ لِسُوريّةَ وَفِلَسطينَ مَعاً . فَقَبْل السَّفَر إلى سُوريّةَ وَبَعْدَ السَّفَرِ أغْنِيَةٌ واحِدَةٌ تَرِدُ بأصْواتٍ مُخْتَلِفَةٍ في أداءِ النَّصْرِ الوَشيكِ بِفائضِ الأمَل :
" يا حبيبتي انْهَضِي وارْكُضِي
وَجَاوِزِي الحَواجِزَ العَشْرَةَ
كَغَزَالٍ مُطْمَئنٍّ إلى أنَّ الفِخاخَ التي نُصِبَتْ في النَّهاراتِ
خُرِّبَتْ في الليالي"(ص54).
فَيَقِينُ الشّاعِرِ ثابِتٌ بأنَّ ما حَدَثَ لِسُوريَّةَ قَدْ حَدَثَ لَها مِراراً في الماضي البعيدِ والماضي القريبِ . هِيَ الباقِيَةُ المُنْتَصِرَةُ دائماً في الأخيرِ على أعْدائها ، وتاريخُها دَمَوِيٌّ وَجراحاتُها نازِفَةٌ بينَ مُحاوَلَةِ قَتْلٍ وأُخْرى . إلّا أنَّها تَظَلُّ الأقْوى مِنْ كُلِّ الغُزاةِ والأبْقى وُجُوداً .
يَقِينٌ ثُمَّ يَقِينٌ ، وَلا نَفْيَ ولا اسْتِفْهام في جُلِّ قَصائد "مِعْراج إلى دِمَشْقَ" ثُمَّ طَمْأنينةٌ وَقَلَقٌ عارِضٌ ، ولا يأسٌ ، كالماثِلِ في عِدَّةِ قَصائد سابِقِة .
يَقِينٌ مَفادُهُ الشُّعُورُ العميقُ بأنَّ سُوريّةَ ستكُونُ المُنْتَصِرَةَ حَتْماً كما كانت في سالِفِ الأزْمِنَةِ .
يَقِينٌ تَوَلَّدَ عَن رغْبَةٍ جَمُوحٍ في الحياةِ وَثِقَةٍ بأنَّ نِهايَةَ ما يَحْدثُ لِسُوريّةَ اليوم ستكون أفْضَلَ بكثيرٍ مِن كُلِّ النِّهاياتِ الماضية ، إذْ سَيَتَغَيَّرُ تاريخُها بانْتِصارِ "جَيْشِ زَنُّوبيا" السّاحِقِ في هذه المرَّة وَيُبْعَثُ مِن جَديدٍ ، شُهَداء الأمْس وَشُهَداء اليَوم (برصاصِ الإرهابيين وبِرصاصِ المَرَض) ، كَ "قُصَيّ مَعْرُوف" تُرَفْرِفُ رُوحُهُ عالياً بالذّكرياتِ وَأحْلامِ الزَّمَنِ الجميلِ وَرُبُوعِ الفرَحِ في دير الزور وَدِمَشْق ، وَبَيْنَ حُلْمٍ وَآخَر ، وَبَيْنَ رُكْنٍ وَرُكْنٍ ، وَبَيْنَ سَماءٍ وَسَماء...
-4- لِلغَضَبِ مثل الفَرَحِ ، وَلِلأمَلِ مثل الحزْنِ دَلالَةٌ خاصَّةٌ في "مِعراج إلى دِمَشْق" ، إنَّ لِلرُّؤيَةِ مَعنى وللرُّؤيَا ألْف مَعْنى ، بَيْنَ ما يُدْرَكُ بالحَواسّ ، بالجَّسَدِ المُتْعَبِ ، بالذاكرةِ المُنْهَكَة ، بالصَّيْحَةِ تلْوَ الصَّيْحَةِ وَبَيْنَ ما يُدْرَكُ بالقَلْبِ ، بالرُّوحِ المُتَعَطِّشَةِ إلى المَزيدِ مِنَ الارتِغاب.
كَذا الرُّؤيا تَنْبَثِقُ ، هُنا ، مِن رَحِمِ الفاجِعَةِ وَتَتَشَكَّلُ عرْساً بالطّبيعَةِ تَغْتَسِلُ بِماءِ الحَياةِ لِتَتَطَهَّرَ ، كَسُوريَّةَ المُغْتَسِلَةِ بالدَّم بَعْدَ صَلْبِها ، بَعْدَ الجِّراح العميقة النّازِفَة تَمْحُو "آثامَ البَشَرِيَّةِ مُذْ كانتْ أرْوَاحاً في الجَّنَّةِ"(ص87).
إنَّ للاسْتِشْهادِ ، بِمُخْتَلَفِ مَرَاجِعِهِ الواقِعِيَّةِ والتّاريخيّةِ عَوْدَاً إلى صَلْبِ المَسيح وَمَقْتَلِ الحُسَيْن ، حُضُورهُ المُعْلَن والخَفِيّ في عَدَدٍ مِن قَصائدِ "مِعْراج إلى دِمَشْق" ، كالبادِي فَرَحاً حَزيناً وَحُزْناً فَرِحاً يَتَجاذَبه الألَم والأمَل ، إذ الدّم ، هُنا، حِكايَة ، والحِكايَة دَم ، وَمِن حَقِّ ابْنِ الشَّهيدَةِ ، سَليل المَذابِحِ ، أنْ يَغْضَبَ وَيَصْرَخَ باللعْنَةِ في وُجُوهِ القَتَلَةِ :
"ألْعَنُكُمْ أَمْسَخُكُمْ أُمَرَاءَ ، مُلُوكاً ، وَسَلاطِينَ
بِلا نَفْطٍ وَبِلا ذَهَبٍ وَبِلا حَجَرٍ أسْوَد
تَقْضُونَ العُمْرَ عُراةً وَحُفاةً
في الرّبْعِ الخالِي
تَحْدُونَ نِياقاً جَرْباء
تَتُوهُ بِكُمْ خَلْفَ سَرابِ الأمَلِ الضّائعْ!"(ص88).
هذا الدُّعاءُ لا يَتَجَرَّأُ عليهِ إلّا الأنبياء ، والشُّعَراء - لا المُتَشاعِرُون – هُم مِن قَبيلِ الأنبياء ، لا يَيْأسُونَ ، وَإنْ اشْتَدَّ بِهِم الحُزْنُ أدْرَكُوا الأمَلَ ، وَإنْ غَمَرَتْهُم تَفاصِيلُ المَعيشِ اليَومِيّ أنْتَجُوا الحُلْمَ الجميلَ.
-5- فَيُخْتَصَرُ بِقصائدِ "مِعراج إلى دِمَشْق " تاريخُ العَرَبِ العارِبَة والعَرَب المُسْتَعْرِبَة والعَرَب البائدَة بِمَدْلُولِ هذا الزَّمان.
يُخْتَصَرُ تاريخُ سُوريّةَ السّالِف والحادِث ، "بِكأسٍ مِن دَمِ الإنسان"(ص89).
يُخْتَصَرُ الغَدْرُ والخِيانَةُ .
تُخْتَصَرُ الهَزائمُ.
تُخْتَصَرُ المَآسِي :"دُمُوعُ الطِّفْلِ يَضْحَكُ (...) دُمُوعُ الأمِّ تَبْكِي".
تُخْتَصَرُ حِكايةُ "الحَجّاجِ والحَلّاج" ، القَتَلَة والشُّهَداء، جُنُود المَوْتِ وَجُنُود الحياة لِيَنْتَصِرَ الوَطَنُ في الأخيرِ على أعْدائهِ ، وَجَيْشُ سُوريّةَ على المُرْتَزَقَةِ ، وَتَنْتَصِرُ الموسيقى على الحَجَر ، والحَرْفُ على السَّيْف...
نُبُوءَةُ الشّاعِرِ صادِقَةٌ في ما مَضى ، وَنُبُوءَتُهُ اليومَ هِيَ ذاتُها : حُلْمٌ كانَ بالانْتِصارِ وَوَاقِع الآنَ لانْتِصارٍ وَشيك.
*هادي دانيال ، "مِعْراجٌ إلى دِمَشْق" ، تونسصفاقس : دار صامِد للنشرِ والتوزيع ، ط1،2017.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.