عقب لقاء الفخفاخ، العباسي وشغلوم يغادران دار الضيافة دون الادلاء بأي تصريح    القنصل العام لتونس بليبيا: 36 طفلا تونسيا مازالوا عالقين في سجون ليبيا    الحزب الدستوري الحر يتقدم بشكاية رسمية إلى وكيل الجمهورية بالمحكمة الإبتدائية بتونس ضد رئيس البرلمان ورئيس ديوانه وعدد من النواب    المخزون من العملة الصعبة يصل قيمة 8ر19 مليار دينار ما يعادل 113 يوم توريد    بعد إهانة سالفيني لتونسيين: اتحاد الشغل يطالب باستدعاء سفير إيطاليا    كرة اليد-كاس افريقيا للامم : المنتخب المصري يتاهل الى النهائي على حساب نظيره الجزائري    ملف ترشيح جزيرة جربة على لائحة التراث العالمي لليونسكو اعتمد على معايير علمية ومنهجية من قبل خبراء في التراث (وزير الشؤون الثقافية)    الأحد 26 جانفي هو مفتتح شهر جمادى الثانية    بسبب "كورونا": إغلاق جزء من سور الصين العظيم أمام الزوار    "غارديان": واشنطن حذرت لندن من خطط الرياض التجسس على خطيبة خاشقجي    مرصد الحقوق والحريات: طفل تونسي محتجز في سجن سوري بعد مقتل والديه    جرزونة : القبض على مروج مخدرات وحجز كمية من الزطلة ومبلغ مالي    البنك العالمي: تونس مطالبة بتحقيق معدّل نمو بين 5 و 6 % لإحداث مواطن شغل للشّباب    البنك المركزي: المخزون من العملة الصعبة يصل إلى 113 يوم توريد    عودة شمام والأولى لبن حمودة.. 22 لاعبا في قائمة الترجي لمواجهة الرجاء    ضجة كبيرة تثيرها علاقة حماس مع دحلان وتركيا    تونس : الرّجاء المغربي يستعد لمواجهة الترجي بحصّة تدريبية وحيدة    أورنج تونس تعلن عن فتح باب التسجيل أمام الراغبين لتقديم الترشحات لمشاريع "FabLab المتضامن" لسنة 2020    بنفزة: قائمتا حركة الشعب والطموح تقدمان حلولا للاكتظاظ المروري ولتحسين البنية الاساسية    بالصورة: في مجموعة ''Ya Gdim'' هكا كان الشيخ تحيفة وهو صغير    في اليومين الفارطين.. تسجيل أكثر من 300 مخالفة في المساحات التجارية الكبرى    كأس الكاف : برنامج مباريات الجّولة الخامسة من دور المجموعات و النّقل التلفزي    عبير موسي تحسمها بخصوص المشاركة في مشاورات تشكيل الحكومة والتصويت لها    دار الثقافة أبن خلدون تحتفي بالروائية كلثوم عياشية    المرسى : تحويل وجهة «تاكسيست» وبراكاج تحت التهديد بسكين    عبد القادر الوسلاتي يتحدث عن تفاصيل عودته للافريقي (متابعة)    نحو حصول بنك تونس العربي الدولي على كتلة مراقبة ذات أغلبية في "تونس للأوراق المالية"    حملة أمنية بمرجع نظر أقاليم الأمن الوطني بتونس الكبرى    قاتل زوجته في المتلوي يكشف أسباب جريمته ولماذا استهدف عمها (متابعة)    انس جابر تنهي مسيرة افضل لاعبة تنس في العالم بالدموع ..وهذا ما قالته عن لاعبتنا (متابعة)    وزارة الصحة تتخذ جملة من الاجراءات بالتعاون مع ديوان الطيران المدني لفائدة المسافرين من والى الصين    بطولة الكرة الطائرة ..برنامج الجولة 14    إصابات واعتقالات عقب مهاجمة قوات الاحتلال المصلين في الأقصى وباحاته    صفاقس : وقفة احتجاجية لمنتجي الزّيتون    الصين تُغلق مدناً مع ارتفاع حصيلة الوفيات بفيروس كورونا    الصدر: لن نزج العراق في حرب أخرى مع الأميركيين    اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين : برمجة ثرية لأنشطة متنوعة    كاظم الساهر يظهر مع حسناء جديدة (صور)    إلغاء الرحلة البحرية تونس–مرسيليا، الشركة التونسية للملاحة تقترح سفرات بديلة    سوسة: براكاج بسكين لكهل.. والأمن يقبض على الجاني    تقارير: إصابة ساديو ماني مهاجم ليفربول في عضلات الفخذ الخلفية    مارشي صفاقس: أسعار الخضر والغلال اليوم    أحمد العجيمي يحقق حلمه من خلال » نسكافيه كوميدي شو » ويعرض أول أعماله : » Faux Profil «    فتح باب الترشّح للمشاركة في الدّورة السادسة والخمسين (56) لمهرجان قرطاج الدوليّ    اضحك الصورة تطلع حلوة.. هند صبرى تتألق بإطلالة مبهجة    القوات الأميركية لإيران: الوقت غير مناسب للتهور    توقّعات الأبراج ليوم الجمعة 24 جانفي2020    جندوبة: تفكيك عصابة مختصة في سرقة السيارات    منزل بورقيبة : إلقاء القبض على شخصين من أجل ترويج الأقراص المخدّرة    ضباب كثيف يحجب الرؤية بالطريق السيّارة أ3 من مستوى محوّل تستور إلى محطة إستخلاص بوسالم    الصين: ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا إلى 830 شخصا و25 وفاة    ما الجديد في قضية الشاب آدم بوليفة؟ والده يكشف    أذكروني أذكركم    طقس اليوم: سحب عابرة بأغلب الجهات    الوحدة الوطنية تحقيق لروح الشرع    منبر الجمعة: برّ الوالدين شرط لرضى الرحمان    تونسية تنكشف بعد إدعائها أن تطاوين إحتلتها داعش لتحصل على اللجوء    فيروس كورونا يظهر في عدد من الدول ويثير مخاوف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





"كاليغولا" لفاضل الجزيري: عن الدم والدمع والعدم
نشر في حقائق أون لاين يوم 09 - 12 - 2019

مطر يسقط بعنف على الأرض فيحاكي وقعه صوت الرعد، لا ترى ضوء البرق ولكنّك تستشعره في تفاصيل الركح الأسود الخالي والمقفر إلا من كراس ووسادة بيضاء، خيوط واهية من الضوء تشبه السراب ما إن تتلقفها حتّى تتبدّد من بين يديك ولا تتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
الخيط الأسود يتمدّد ويتشظّى ويلف المكان ويتلاشى على أعتابه كل خيط أبيض، وكلّما ازدادت العتمة ضربت المطر بقزة على وجه الأرض وكأنها تنذر بفناء الإنسان، ولا ملامح تستدل بها لتجاوز حالة التيه التي غرق فيها سمعك وبصرك إلى أن تتواتر شخوص على خشبة سوداء كحبّة توت.
شخوص لا تسمع وقع خطواتهم على الخشبة، بعضهم حاف فيما دس البقية أقدامهم في "شباشب" خفيفة، وكأنهم يخشون من سماع صوت مشيتهم، ثمانية شخوص، ثلاث نساء وخمسة رجال يتعاقبون على الركح فرادى ومثّنّى وثلاث ورباع وجماعة ليرسموا معالم عمل مسرحي بعنوان عودة الفاضل الجزيري إلى الانتاج المسرحي بعد غياب طويل.
ولادة هذا العمل المسرحي كان بإشراف الجزيري على ورشة مع مسرحيين شبان هم توماضر الزرلي، وزينب الهنشيري، ومريم بن يوسف، وأديب حامدي، وعبد الحميد نوارة، وسليم الذيب، وطلال أيوب، وزيّن حضورهم اللافت على الركح الممثل محمّد كوكة.
"كاليغولا" هو العنوان الذي اصطفاه المخرج وكاتب النص فاضل الجزيري للعمل الذي أهداه في عرضه الأول إلى روح المسرحي محسن بن عبد الله الذي يدين له بالكثير في مسيرته المسرحية، وهو عمل مقتبس عن "كاليغولا" البير كامو ولكنّ بسياقات مختلفة.
في افتتاح الدورة الواحدة والعشرين بأيام قرطاج المسرحية، توافد عشّاق المسرح على قاعة الفن الرابع ليسافر في رحلة بين مشاعر متناقضة وسط حياة يوشّحها العبث، رحلة بلا ملامح واضحة لا زمانا ولا مكانا، ملامح يشكّلها المتفرّج بذاته على إيقاع تلميحات النص.
وليس من السهل تطويع نص فلسفي نقدي، وإسقاطه على الواقع التونسي وربّما العربي أيضا بكل ما تشهده من متغيرات وبكل الفوارق بين السياقات التي كتب فيها البير كامو نصّه وتلك التي حاوطت نص الجزيري بالمكتوب بلهجة عامية متلبّسة بالفصحى.
بعيدا عن كون "كاليغولا" البير كامو نص مغر زيّنت تفاصيله أركاحا كثيرة في العالم، فعرض الفاضل الجزيري هو الاقتباس الثاني عن هذا العمل حيث كان مصدر الهام لعلي بن عياد في ستينات القرن الماضي، لكن بعض التلميحات لقضايا سياسية واجتماعية راهنة، برهان على أن العمل ابن سياقه وابن مخرجه.
قراءة مسرحية لواقع تعاني فيه كل النظم السياسية منها والاجتماعية والثقافية عللا لا حصر لها، علل إنسانية بالأساس، ربّما لذلك تبدو هوّيات الشخصيات على الركح غير واضحة فهي لا تشبه نفسها فقط وإنّما هي امتداد وانعكاس لشخوص أخرى في أمكنة وأزمنة كثيرة من الواقع.
واسم المسرحية، ليس سوى كنية لثالث الاباطرة الرومانيين "غايوس قيصر" الذي حكم في الفترة ما بين 37 و41 ميلادية، أطلقها عليه جنود، وتعني "حذاء الجنود الصغير"، وفيها إحالة إلى الشخصية الأصلية المهووسة بالطغيان والجبروت والمتعطّشة للدماء والحاضرة في عمل الجزيري.
السواد على الركح، لا تطمسه إلا الأضواء المبهرة التي تتسلّط على المكان في لحظات مفصلية وكأنها تصرخ ألّا بد من وضع حد للعبث والبحث عن المعنى بين ثنايا اللامعنى والفوضى التي اجتاحت الأرواح والنفوس، ولكن هذه الأضواء قد تجعلك تحيد ببصرك عن الحقيقة.
وأزياء "الحمّام" البيضاء التي ترتديها الشخصيات، هي الأخرى، تقلّص من حدّة ذلك السواد الذي يلتحم بصوت الرعد فيحتد لونه أكثر فأكثر، وكأن المخرج أراد من خلالها أن يقول إننا حينما ولدنا كنا جميعا نقيين تخلو أرواحنا وقلوبنا من الشوائب، عند ولادتنا نشبه الملائكة ولكنّنا نزين أثوابنا البيضاء بخطايانا التي لا تشبهنا في الأصل.
واختيار "الحمّام"، مكانا تتولّد فيه الأحداث وتنساب فيه الكلمات لتعرّي قبحا لم تخفه الأقمشة البيضاء مطوّلا، ولم يجعل الماء من قلب "كاليغولا" الجزي حيا، ليس بالاعتباطي فالحمام في المخيال الشعبي مرتبط بالطهارة فعادة ما تكون الحمامات العامة مجاورة للمساجد.
وأنت تتابع الشخصيات وتتمحّص في الكلمات التي يتلفّظونها، تحاول أن تفك بعض رموزها فنص الجزيري ملغّم بالتلميحات، تخال عند كل حوار أنه يقول كل شيء لكنّ مفردة واحدة كفيلة بأن تخبرك أنه لم يكن يقول ما يريد قوله وإنما ترك لك فرصة أن تأوّل وتفكّر.
ديكور بسيط في الظاهر ولكنّ عمقه يكمن في تناغمه مع القيمة الإنسانية والوجود للعمل المسرحي، فأنت تأتي إلى هذا العالم لتحيا وتشقى وتضحك وتبكي ونترتاح في محطات يختارها لك القدر أو تخال أحيانا أنك اخترتها، ترتاح حينما تجلس على كرسي أو حينما تسند رأسك إلى وسادة وتبقى هذه الراحة حقيقة نسبية لأنّ الكرسي والوسادة قد يكونان منبع تعب.
"كاليغولا" الفاضل الجزيري، يشبه كل طغاة العالم، قميئ دنيء مهووس، نخر جنون بشع قلبه الذي تجري فيه دماء مسمومة تقتل كل من حوله وهم أحياء، دماء قتلته وهو لا يعلم، لا رادع له ولا ولي له ولا سيد يعثى في "الحمام" فساد حتى أفرغ الطهر من معناه.
قيم انسانية كثيرة، قدّمها "كاليغولا" قربانا لأهوائه الجامحة، فما عاد للحب معنى ولا الحرية ولا الإرادة ولا الحياة ولا الأمل ولا الوجود، لا معنى إلا لعدم شكّلته غطرسته ودم ودمع يسكّنان وجع من داسهم في طريقه إلى "اللذة"، تلك المفردة التي جعلها خاوية من فرط الحديث عنها.
في العرض الذي دام طيلة ساعة ونصف، يأسرك الزمن المسرحي والمكان والشخصيات رغم أن الغموض يلفها وربّما هو الفضول الذي يحملك إلى مجاراة نسق السردي الذي يتسلل إليه الملل أحيانا ولكن الأضواء تقطع عليه الطريق حينما تبهرك وتأخذك إلى زاوية أخرى.
ومن القضية الفلسطينية إلى المساواة في الميراث إلى الحريات الفردية فالدعوة إلى الثورة على الظلم والنأي عن الظلمات، تعددت الإشارات والتلميحات في مسرحية الجزيري، حتّى كسا الدم الخشبة السوداء حينما أهوى المهووس على رقبة أخيه وتذوق دمه كأنما يتذوق عصير التوت الأسود.
"الإنسان ذئب لأخيه الإنسان" مقولة تستحضرها وأنت تتنقل بين مشاهد المسرحية فلا معنى للأخوة والصلة الدموية ولا معنى للإنسانية امام المصالح، لا معنى لأي شيء سوى تلك العبثية التي باتت تسم الظروف والعلاقات وتأرجح الانسان يمينا وشمالا.
وبعيدا عن أداء الممثلين والإخراج والسينوغرافيا والنص، عناصر خلق تفاعلها فيما بينها كيمياء تسربت إلى كل تفاصيل العرض وأغرت بمشاهدته، فإنّ مسرحية "كاليغولا" تضع يدها على جراح كثيرة في تونس وفي العالم العربي وفي الكون بأسره، تلك الجراح التي مزّقت جسد الإنسانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.