صفاقس: تأجيل النطق بالحكم في قضية المدوّنة مريم البريبري إلى يوم 12 أكتوبر القادم    ملف التسفير: إستئناف قرار الإبقاء بحالة سراح على 39 متهما    جامعة كرة تستنكر الهجمة على الجماهير التونسية    بطولة كرة اليد: تعيينات مباريات الجولة السادسة ذهابا    قصّر يقتحمون مدرسة اعدادية بالكبارية ويسلبون التلاميذ    صفاقس : تواصل عدم تسجيل وفايات ولا اصابات بفيروس كورونا    الأرجنتين تعلن تجديد عقد سكالوني حتى كأس العالم 2026    طبربة: القبض على شخصين بحوزتهما أكثر من 100 كلغ نحاس مسروق    أبطال إفريقيا: طاقم تحكيم جزائري يدير مواجهة الإتحاد المنستيري والأهلي المصري    البريمرليغ: الفرنسي نغولو كانتي يستأنف التدريبات مع تشلسي    جمعية الصحة الانجابية: ''حوالي 5400 مصاب بالسيدا في تونس سنة 2021''    موسكو تعلن نجاح الاستفتاء لضمّ أربع مناطق أوكرانيّة    ايران: السلطات تعتقل ابنة الرئيس الأسبق رفسنجاني    محمد بن سلمان: ولي العهد السعودي يتولى منصب رئيس مجلس الوزراء    الزميل نور الدين الطبوبي في ذمّة اللّه    المواطن يستحقّ شهرية 3 ملاين باش يعيش في تونس    تونس: نحو احداث مشروع سكني يشمل بناء 15200 مسكن    تعرف على الفرق المشاركة في بطولة العالم للأندية لكرة اليد    فوز الجزائر وديا على نيجيريا (2-1)    رونالدو يثير غضب جماهير البرتغال عقب الخسارة أمام إسبانيا    عاجل: بوغلاب يفجرها ويكشف سبب غيابه عن الساحة الاعلامية..(فيديو)    المتحور"1.BI" يزيد إصابات كورونا في النمسا    طفل يقتل نفسه عن طريق الخطأ..#خبر_عاجل    دون اعتبار "الكراء": "3448 دينارا كلفة عيش العائلة التونسية شهريا"..    الإتّحاد الأوروبي يهدّد بردّ فعل قويّ على أيّة هجمات على خطوط أنابيب الغاز    اربع سنوات سجن في حق مستشار سابق بسفارة تونس بلندن بسبب هذه التهمة    باخرة برازيلية محملة بالسكر ترسو فجر الوم بميناء بنزرت    هيئة حماية المعطيات الشخصية تحذّر    أزمة تلد أزمة... ضبابية تلفّ الحركة القضائية    أكثر من 2 مليون شيك مرفوضة بسبب عدم توفر الرصيد    منتدى للباعثين الشبان في المجال الفلاحي    غار الدماء: إحباط محاولة تهريب 3 آلاف قرص مخدر نحو القطر الجزائري    أرضية جديدة وديكورات ...المسرح البلدي في أبهى حلّة    أسماء وأخبار    قوانين البذور وخطورتها على السيادة الغذائية    بسبب الإعصار 'إيان': انقطاع الكهرباء في جميع أنحاء كوبا    مع الشروق..للأقصى شعب... يحميه    عاجل: تحذير من "سلالة فيروسية" أخطر من كورونا..    المستثمر في المجال الطبي د. خلدون الباردي ل«الشروق»: السياحة الطبية ستجلب المليارات    الغنوشي : الله الحافظ لدينه سخر القرضاوي ومدرسة الوسطية للرد على هذه الفهوم المتطرفة    طقس الأربعاء.. تقلبات جوية متواصلة وامطار بأغلب المناطق    عبد الكريم قطاطة …اللاعبون تلك حدود الله    تونس : الإحتفاظ برئيس مكتب الضمان بعد فقدان ساعتين فاخرتين ومصوغ    مقابلة تونس ضد البرازيل، 5 توصيات للجمهور التونسي في باريس    القبض على شخص يشتبه في انتمائه إلى تنظيم إرهابي..وهذه التفاصيل..    معدل الشيكات غير المستخلصة تطور بنسبة 17،7 % خلال النصف الاول من سنة 2022    ينطلق اليوم:فيلم "Smile" في افتتاح المهرجان التونسي لأفلام الرعب    عاجل: مفتي الجمهورية يعلن عن موعد المولد النبوي الشريف    مع الشروق.. «ملحكم على الرفوف»    بنزرت: حجز 10 آلاف علبة سجائر و7710 وحدة من الأدوات المدرسية مجهولة المصدر بمخزن عشوائي بجومين    قفصة: تراجع محصول الزيتون إلى 54 الف طن مقارنة بالمواسم السابقة    "تصوير كلمات ..كتابة صور" محور مسابقة رقمية حول جزيرة الاحلام جربة على هامش الدورة 18 لقمة الفرنكوفونية    بنزرت: تفكيك عصابة بتهمة الغش في امتحان الباكالوريا    مشاركة مكثفة فى تصفيات بطولة المطالعة بباجة لمولعين بالكتاب تراوحت اعمارهم بين 6 و75 سنة    الكاف: اكتشاف موقع أثري روماني بمنطقة واد السواني    الاقتصار على خمسة نقاط لرصد هلال شهر رمضان هذه السنة (المعهد الوطني للرصد الجوّي)    سيدي بوزيد: يوم تكويني حول طرق واليات التواصل مع الفئات الاجتماعية ذات الاحتياجات الخصوصية    التونسي عقله ما يجمّعش !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جولة بين حانات البحر المتوسّط.. ممنوعة على الناسك والعربيد
نشر في حقائق أون لاين يوم 16 - 02 - 2015

لا تقتني "جولة بين حانات البحر المتوسّط" اذا كنت ناسكا أو كنت عربيدا... فلن تجني منها غير فتات شهوة تعمّد كاتبها أن يضمّخ بها عنوان رحلته ليسخر "بالنسّاك والفتّاك على السّواء".
الجولة مجموعة قصصية صدرت حديثا عن دار الجنوب للنشر، وقد سبق أن قام صاحبها عليّ الدوعاجي (1909-1949) بنشرها متسلسلة في مجلّة "العالم الأدبي" في ثلاثينات القرن الماضي. وهي عبارة عن رحلة قام بها الدوعاجي وهو في سنّ العشرين بين ضفّتي المتوسّط ابتدأت في فرنسا ومرّت بايطاليا واليونان وتركيا والشامّ و"نقطتها... الاسكندرية"، وفقا لما أعلن عنه الكاتب منذ البداية غير أنه لا ذكر للمحطّتين الأخيرتين في طيّات الحكاية.
على امتداد 96 صفحة هي جسد القصّة، نقل لنا الدوعاجي بعينين مفتوحتين على العالم ما اكتشفه من جديد في مدن المتوسّط وما عاينه من آثار حضارتها ومعالم مدنيتها الحديثة...
فمن "كورسيكا" التي بحث فيها عن الجندرمة، الى "نيس" التي وصفها بمدينة "البذخ والرفاهية" و"القمار والانتحار"، ثمّ شواطئ "الكوت دازير" حيث لا تخفي "الحوريات" من النساء عن "الشمس الاّ... ما قلّ ودلّ"، ف"نابلّي" الواقعة تحت رحمة الله والبركان، ف"بيره" وأسرار الاسرائيلي التافهة، ثمّ "أثينا" ذات المباني المرمرية، ف"اسطنبول" بفرادة سمائها ساعة الشروق وغرابة حالها المتشظّية بين شرق وغرب في اخراج جعل منها "دولة أوروبيةمضحكة".
في "ازمير" يسكت الدوعاجي عن سرد بقية أطوار رحلته، ربّما لأنه نسي أو لأنه لم يجد متّسعا من الوقت أو ربّما تعمّد الرّجل ألاّ يأتي على تصوير محطّتي جولته في كلّ من مرافئ الشامّ وميناء الاسكندرية لغاية في نفس رحّالة...
الجولة رحلة استطلاعية ومجموعة قصصية كتبها الدوعاجي بحبر السخرية مستخدما أسلوب شدّ الحبل عند كلّ سطر من سطور رحلته...فلا هو يخفي عن "السادة المشائخ" ما يجب اخفاؤه من مجون يوحي به العنوان، ولا هو يعطي للماجنين كلّ ما أثاره فيهم العنوان أيضا من شهوة. ولنا أن نستعير تعبيرة الاستاذ توفيق بكّار الذي قدّم للقصّة، حيث قال "فان يسخر فبالنسّاك والفتّاك على السواء، وبالعفّ والاباحي".
لم يرد علي الدوعاجي لرحلته أن تكون دليلا سياحيا يجد فيه القرّاء عناوين المعالم الأثرية والمتاحف التاريخية، ولا خرائط للمدن يصف فيها "الشوارع والميادين والحدائق والعمارات"، مبرّرا ذلك بكون رحلته انّما كانت "للتسلية" وناصحا "من رام غير ذلك من الفوائد الجمّة" ب"مطالعة الجرائد اليومية وشبهها فانّ فيها من تقارير جمعية الامم ما يجعله فيلسوفا مثل نيتشه في أقلّ من أربع وعشرين ساعة"...
هو متهكّم اذن، صوّر لنا أحداث جولته بكاميرا مخرج ساخر فضحكنا لمواقفه مع رفاق الرحلة. فهذه امرأة "تريد أن تعرف كلّ شيء كأنّها سترشّح نفسها يوما لادارة هذا الكون"، وذلك أستاذ يحترف المعارضة ملقيا على ركّاب السفينة دروسا مجانية من كتابه "الدليل الأزرق"، وهذا شاب "اسرائيلي من بلاد الساحل التونسي" يشارك الدوعاجي أسراره التافهة الثمينة، وآخر من جنسية تركية ينصح الجماعة بشرب الجعّة لتفادي دوار البحر فيعثرون عليه ملقى تحت المقاعد اثر هدوء العاصفة.
الخمرة في جولة الدوعاجي حاضرة بحاناتها ومراقصها غائبة بثملها وفجورها... فلا تهتّك يرى ولا مجون يقرأ ولا عربدة تلمس بينما الرجل ينتقل من مدينة متوسّطية الى أخرى... فلم نر من الحان غير بضع كؤوس من الجعة ومن المراقص غير قبل أشار اليها الرجل ب"أحرقنا نفوسنا..."
لم تكن المرأة الجسد حاضرة في رحلة الدوعاجي بقدر حضور المرأة الحضارة ... فهو بين ضفّتي الدردنيل كالبعل بين امرأتيه...على يمينه زوجه "آسيا الشرق" سمراء اللون سوداء الشعر ذات عينين نجلاويتين تقلّب صفحات "الرباعيات"، وعلى يساره زوجه "أوروبا الغرب" الشقراء ذات العينين الزرقاويتين تطالع احدى مجلاّت الموضة اللندنية...
اختزل الدوعاجي الشرق ب"أسراره ورموزه" والغرب "بمصانعه وآلاته" في صورة امرأتين خيّل له أنه تزوّج بهما، فكانت صورة شعرية لا يعيها الا كلّ من آمن بأن الأرض أنثى والتاريخ ينبثق من رحمها... فلا عجب أن لم تفهم السيدة "التي تريد أن تعرف كلّ شيء" التشبيه وسجّلته في دفتر مذكّراتها كالآتي:"سمع شابّ افريقي باسمي: آسيا وأوروبا فظنّهما اسمي فتاتين والعجيب ما ادّعاه من أنّه رآهما وأحبّهما معا"، خالصة الى كون"الافريقيين يحبّون بالجملة والتفصيل".
بين السرد والوصف، تأتي رحلة الدوعاجي الى مدن المتوسّط ساخرة هازئة حتى بأنف "أتاتورك" في عقر داره لابهام في شعوره تجاهه يتراوح بين الاعجاب والاجلال وبين المقت في نفس الوقت...
وكذا كانت بقية مشاهد الجولة التي تعرف أيضا ب"مسافر المركب النشوان"، مفعمة بالحياة شدّة تعلّق كاتبها بها، و مليئة بالصدق قدر خشيته الوقوع في الكذب، وجميلة في فوضويتها كصاحبها باعترافه، وبعيدة عن العربدة قريبة بحاناتها ومقاهيها حتّى من الّذين يختمون لذّتهم ب"الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم"...
هي باختصار جولة أسّست لأدب الرحلة ورحلة صنعت مجد أديب...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.