أثارت مسألة عزل الأئمة في الفترة الأخيرة جدلا واسعا لدى الرأي العام في تونس بين مرحب و رافض لقرار وزارة الشؤون الدينية بإقالة بعض خطباء الجمعة. ففي حين ترى الحكومة التونسية أن عزل بعض أئمة المساجد يأتي في إطار محاربة الإرهاب وتحصين الشباب من ثقافة التطرف و يرى البعض أن توجه الدولة يصب في إطار مواجهة الفكر المتطرف وترشيد الخطاب الديني واستعادة بعض المساجد المنفلتة وعزل أئمة تنقصهم الكفاءة و يبثون خطبا تحريضية، يرى الطرف الآخر أن هذا التوجه يؤشر للعودة إلى حقبة تضييق الحريات والهيمنة على المنابر و بيوت الله و يعتبرونها قرارات فوقية تعسفية تأتي في إطار تصفية حسابات سياسية بحيث لم تتوضح الأسباب ولم يتم التدرج في العقوبات وتم اتخاذ القرار بصفة مفاجئة. و انتقد العديد أداء وزير الشؤون الدينية الحالي واعتبروه معاديا للحريات الدينية. و يمكن القول أن التضييق على الجامعة الزيتونية في عهد المخلوع و من قبله في الحقبة البورقيبية خلف نقصا فادحا في الكفاءات و الإطارات الدينية المتظلعة في العلوم الشرعية و المسائل الفقهية. و لعل ذلك ما تسبب في طرح قضية الخطابة بالمساجد بقوة في الوقت الراهن، حيث يبدو أنّ بعض الخطباء الذين يلقون خطب الجمعة يعتلون المنابر بينما هم يفتقرون إلى أبسط قواعد اللغة و الخطابة و الفقه بأمور الدين و يكتفون بتقديم جمل و خطب حفظوها عن ظهر قلب أو يقرؤونها من ورقة تم طباعتها من الأنترنات. و الحقيقة أنه بعد الثورة اختلط الحابل بالنابل و أصبح كل من هب و دب يعتبر نفسه شيخا وعالما و إماما و خطيبا و "داعية" و يجيز لنفسه الإفتاء و نصب نفسه أو نصبوه إمام خطيب لصلاة الجمعة وهو في الواقع ليست له أي كفاءة علمية أو شهادة تخول له الإمامة أو تقديم الدروس لعامة الناس. بعيدا عن التعصب لهذا الطرف أو ذاك و بصرف النظر عن التجاذبات الفكرية و السياسية من حق الرأي العام و المواطن التونسي أن يعرف و يفهم خفايا المسألة لماذا تم عزل الأئمة وماهي الاسباب الحقيقية لإقالتهم؟ ماهي ضوابط الخطة المسجدية ؟ ماهي المقاييس التي تعتمدها السلطة لاختيار الأئمة و لماذا وقع عزل البعض دون الآخر؟ و هل يمكن الاعتماد على مناظرات وطنية للانتداب لهذه الخطة الوظيفية الهامة على غرار الوظائف الأخرى في الدولة حتى تكون الكفاءة العلمية هي المعيار الأساسي لاختيار الخطباء؟ و غيرها من الأسئلة التي تطرح نفسها لرفع الالتباس و ليأخذ كل ذي حق حقه.