أعلن بالرائد الرسمي عن الترفيع في أسعار بعض الخدمات الخاصّة بالوثائق في البلدية، فأصبح التعريف بالإمضاء والنسخ طبق الأصل مثلا ب750 ملّيم عوضا عن 500 ملّيم.. مع إقرار آليّة جديدة تسمّى "الخدمة السريعة" بمبلغ دينار ونصف، أي ضعف المبلغ. أوّلا يجب الإشارة إلى كون الترفيع في الأسعار ليس إشكالا.. فالسعر كان مجمّدا منذ بضع سنوات.. ثمّ أنّ خدمات التعريف بالإمضاء والنسخ المطابقة للأصل ليس خدمات ضروريّة أو معاشيّة يوميّة.. وإنّما يحتاجها المواطن العادي مرّات فقط سنويّا.. لكن الحقيقة أنّ هذه الأسعار وبرغم الترفيع فيها تبقى رخيصة جدّا مقارنة ببعض الأعمال التي تتعلّق بها تلك الوثائق.. فلا يجب أن نساوي مثلا بين نسخة طبق الأصل على شهادة علميّة لطالب أو باحث عن شغل.. وتعريف بالإمضاء على وثيقة تخصّ التمتّع بخدمة اجتماعيّة لمواطن بسيط.. وبين التعريف بالإمضاء على عقد شراء سيّارة بخمسين ألف دينار أو عقد شراء شقّة ب500 الف دينار أو عقد اتّفاق على صفقة بمليون دينار.. وأن يدفع الإثنان نفس المبلغ أي 750 ملّيم ليس فيه مساواة.. وإنّما كان يمكن اعتماد التمييز السلبي وإقرار تعريفات خاصّة بالتعريف على الإمضاء على العقود الهامّة والتي موضوعها قيمة ماليّة عالية.. ولن يضرّ ذلك طالب الخدمة في شيء.. ويمكنه أن يساعد في تحسين مداخيل البلديّات والدولة.. وفي تحسين الخدمات ومقرّات استقبال المواطنين والزيادة في أعداد الموظّفين وتخفيض وقت الانتظار تبعا لذلك.. وفكرة "الخدمة السريعة" التي تمّ اعتمادها الآن هي فكرة ممتازة.. وهي معمول بها في عديد البلدان.. حيث بإمكان بعض المواطنين الانتظار لساعة أو ساعتين لتخليص بعض الوثائق.. في حين يريد آخرون ربح الوقت ويكونون على استعداد لدفع المقابل مالا.. لكنّ يجب أن يكون ثمن الخدمة السريعة معقولا ومرتفعا بالتساوي مع الخدمة المقدّمة ونوعيّة الحرفاء والغرض منها وأهدافها.. ذلك أنّ مبلغ 1500 ملّيم كثمن للخدمة السريعة يعتبر زهيدا جدّا وسيشجّع كلّ الناس غالبا على طلب خدمة سريعة تجنّبهم الانتظار.. وهكذا سيحصل الازدحام من جديد حتّى على الخدمة السريعة.. ولن يكون للإجراء أيّ معنى.. فالتعريف بالإمضاء مثلا يشمل غالبا عقود بيع سيّارات بالملايين وعقود بيع عقّارات بمئات الملايين.. وبالتالي فإنّ دينار ونصف لا يعني شيئا.. والجميع يعرف أنّ الكثير من المواطنين يحصلون في الواقع على "الخدمة السريعة" بالبلديّات منذ زمن طويل ب"إكراميّة" أو "رشوة" تدفع لموظّف البلديّة لتمريره قبل الآخرين.. وهي لا تقلّ غالبا عن 5 دينارات وتصل إلى 10 و20 دينار أحيانا في الوثائق الهامّة والمستعجلة جدّا أو الكثيرة.. كان على الوزارة متى فكّرت في بعث مثل هذه الخدمة أخيرا أن تدرسها كما ينبغي، وأن تؤمّن لها حظوظ النجاح.. وأن تكون تعريفتها مناسبة للناس الذين سيقبلون عليها.. وأن تكون مرتفعة بحيث تعادل على الأقلّ المعمول به في الواقع عمليّا للحصول على خدمة مماثلة تذهب عادة في جيب موظّف البلديّة وليس في صندوق الدولة.. وأن تحقّق تلك التعريفة مداخيل هامّة تكفي على الأقلّ لانتداب موظّف بلدي إضافي جديد مكلّف فقط بالخدمات السريعة.. وإلاّ لأدّى الأمر إلى أن تستنزف الخدمة السريعة جهود موظّفي البلديّة المعتادين.. وأن تصبح تلك الخدمة عبئا على المواطنين العاديّين لأنّ الغالبيّة ستلتجأ للخدمة السريعة مادامت رخيصة جدّا.. ولأنّ ذلك الرخص تحديدا سيجعل نفس الممارسة القديمة تستمرّ بدفع بضعة دنانير من بعض المواطنين لبعض الموظّفين لتخليص أمورهم في أسرع وقت قبل الآخرين.. وهكذا تصبح لدينا في البلديّة خدمة بطيئة جدّا.. وخدمة سريعة.. وخدمة أسرع.. والأخيرة طبعا سيقبض ثمنها غالبا موظّفو البلديّة كما نعرف جميعا..!!! تحدّثت عن الأمر بإطناب لأهميّته ليس بالنسبة للوثائق الإداريّة في البلديّة.. وإنّما لكونه نموذجا معبّرا جدّا عن فشل الحكومة وافتقادها للرؤية وللمهارة وللذكاء في التصرّف.. فحتّى عندما تريد أن تحسّن في الخدمات الإداريّة وتخلق أفكارا جديدة أو تنسج على منوال الأفكار في الدول الأخرى.. فإنّها لا تحسن دراستها ولا تحسن تطبيقها.. ولا تقدّم بالتالي أيّ ميزة أو فائدة إضافيّة.. هذا إجراء صغير في مجال محدود.. لكنّها عقليّة وطبيعة متأصّلة في البيروقراطيّة الإداريّة والعمل الحكومي.. وقس على ذلك في كلّ المجالات وفي كلّ الإجراءات الكبرى والصغرى.. هل بدأت تفهم أسباب فشل الحكومات المتعاقبة ؟؟؟ إنّهم أناس بلا رؤية ولا ذكاء.. وبلا حتّى القدرة على التقليد الإيجابي المدروس.. !!! فإذا ما كان كما المثل التونسي يقول "خوذ العلم من روس الفكارن" فإنّ لسان الحال يؤكّد "خوذ التدبير من رأس الحكومة"..!!!