ما تعيشه اليوم الساحة السياسية والثقافية فيه كثير من اللغط و التباين في المواقف و الآراء من الشخص الواحد بين الفينة و الأخرى. و حتى أحترم نفسي بالدرجة الأولى عملا بما قاله العرب قديما "عاش من عرف قدره و وقف دونه" و في رواية أخرى "جلس دونه"، فإني لا أقول أن الفنان الكوميدي التونسي رؤوف بن يغلان نجم الكوميديا في تونس لا يشق له غبار و مبدع متميز في كل أعماله المسرحية و لكن أقول أن هذا الفنان يحترم عمله و ينصهر تفانيا فيه فهو يتقدم و يتطور باطراد و لا يكرر نفسه أبدا و هذا لعمري شيء محمود و جميل جدا . التقينا بالفنان رؤوف بن يغلان في صفاقس و تشرفنا بذلك حيث نزل على عاصمة الجنوب ليعرض و لأول مرة مسرحيته إرهابي غير ربع و قد صرّح لنا بما يلي: " الإرهابي غير ربع هو الذي يوشك أن يكون إرهابيا وإن كان يوشك أن يكون فهذا أنه يمكن أن لا يكون إرهابيا لكن لا يمكن أن لا يكون إذا تركناه بنفس المعطيات – يعني أن مجال التدخل موجود – هي عملية فرضية أردتها في المسرحيّة لنضع السؤال المناسب ونطرح المشكلة في سياقها – بضع ساعات بل بعض دقائق قادرة أن تغير مجرى الحياة لكن أين العمل الجدي لنتنمكّن من أن نغيّر مجرى الأحداث . لا بد أن نتحرك لنعرف ونتعرّف على حقائق الأشياء وعن أسبابها ومسبباتها . و إلا فسنكتفي بالتفسير البائد والسطحي لظواهر مركّبة ومعقدة ومتشابكة تسوجب حفريات وتقنيات معرفية نقدية متعددة الجوانب والأبعاد متنوعة الأساليب وفي نفس الوقت تسوجب الإحساس بخطورة الوضع والوعي بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتقّصي أسباب وعلل المشكل ومنطلقاته الحقيقية. الإرهابي غير ربع هو الذي يمكن أن يكون فريسة سهلة للاستقطاب خاصة إذا لم نأخذ بيده وقت الشدّة والأزمات التي يغرق فيها و خاصة إذا لم نساعده على تحقيق المناعة ليتصدّى محاولات الاحتواء والاستقطاب. وفي اعتقادي أهم ما يجب أن نوفر له لتحقيق المناعة، إضافة للشغل إن كان عاطلا عن العمل، هو الإحاطة الثقافيّة بكل مكوناتها. يتحتّم علينا أن نتساءل ونفسّر لماذا يصبح المرء إرهابيا وبعد إجابتنا عن هذا السؤال هل يمكن أن ندينه لأنه أصبح إرهابيا ونحن لم نفعل شيئا؟ هل يجوز أن ندينه قبل محاسبة أنفسنا دون نٌتهم بالتبرير ونحن لم نفعل شيئا من أجل الإنقاذ. متى نتوخى طريق الحكمة والصواب لنفهم الأمور فهما جيدا ونستوعب الدرس حتى نتفادى المخاطر. إن عدم انتباهنا للخطر المحدق وعدم اللجوء لتقصي حقائق الظاهرة بالدرس والبحث العلمي يجعلنا حتما نتحمّل تبعات الإرهاب .لذلك نعتبر أن الاستناد بالكفاءات في مختلف الاختصاصات ضرورة ملحة مع الحرص على ايلاء الثقافة المكانة التي تستحقها." لئن قلنا في مقدمة مقالنا أن الفنان رؤوف بن يغلان يتطور في عمله نحو الأفضل و يحاول جاهدا ألا يكرر نفسه و أن يكون لصيقا لجمهوره و قضاياه الحارقة السياسية و الفكرية و الاجتماعية فإننا نؤكد رأينا هذا بعد أن شاهدنا عرض مسرحيته " إرهابي غير ربع " فقد كانت كل فصول العرض تتحدث دون " رتوشات " عما يجري في بلادنا منذ 17 ديسمبر 2010 إلى يوم الناس هذا من قضايا يصبح و يمسي عليها الرأي العام التونسي كالبطالة و المطالبة بتحقيق أهداف الثورة من شغل و حرية تعبير و كرامة و كذلك قضية الإرهاب و التحجر الفكري و التعصب الديني الذي بات يؤرق التونسيين و الذين يعتبرونه أمرا جديدا في حياتهم أقضّ مضجعهم و أرّق حياتهم و أدخل عليها الخوف و الاضطراب . و على العموم فقد تفاعل الجمهور الذي حضر عرض مسرحية " إرهابي غير ربع " الذي خرج لأول مرة على الناس بمدينة صفاقس بدرجة عالية حيث صفق حيث وجب ذلك في مضمون المسرحية و متى تطلّب العرض ذلك. و في الختام أبدع بن يغلان حين عانق و تبنى قضية البنية الصغيرة الفاقدة للكليتين و دعا المجتمع المدني و رجال الأعمال و الحاضرين إلى إعانتها و الوقوف سندا لها. كما حيى بن يغلان الشاب الكشاف التونسي الضرير الوحيد في العالم الذي أبا إلا أن يحضر العرض و يحقق أمنيته المتمثلة في مقابلة بن يغلان .