بعد تسع سنوات من العمل والمرافقة، خرج فيلم "حدود الله" للنور ليحكي قصة "معز الشريطي". ليس كحالة اجتماعية، بل كرحلة إنسانية تبحث عن "صورة الأم" المفقودة. في هذا الحوار، يكشف المخرج أنيس الأسود كيف تحول الفن إلى طوق نجاة لشاب واجه "بتر الطفولة" بالثقة والإبداع. تسع سنوات من الانتظار: أخلاقيات المخرج قبل عدسته لم يكن فيلم "حدود الله"(إنتاج 2024) مجرد تصوير عابر، بل كان تجربة استماع عميقة بدأت منذ عام 2015. وقال أنيس الأسود أن التأخر في إصدار الفيلم كان قراراً أخلاقياً بامتياز. وأضاف: "عرفت معز منذ كان في الحادية عشرة من عمره، ورغم حصولي على كافة التصاريح، قررت ألا يخرج الفيلم إلا بعد بلوغه سن الرشد. كان من المهم أن يقرر معز بنفسه متى يواجه العالم بقصته". البحث عن الأم: "بتر" يتجاوزه الخيال يتناول الفيلم قضية الأطفال المولودين خارج إطار الزواج، أو من يسميهم الأسود "أطفال البتر". لكن الفيلم يبتعد عن النظرة التقليدية للمجتمع ليركز على السيكولوجيا الداخلية: كيف يبني طفل لم يرَ وجه أمه أبداً صورة لها في مخيلته؟ يقول الأسود: "الفيلم يحاول رؤية العالم من عيني معز. بناء الأم في مخيلته كان يفتقد للملامح، وهذا ما جعل رحلة البحث داخله رحلة فلسفية وفنية بامتياز". "إندا العربي": المكان الذي اكتشف فيه معز طاقاته خلال تصوير الفيلم، كانت مؤسسة "إندا"هي المحطة التي قادت المخرج إلى معز، وليس العكس. يقر الأسود بالدور الجوهري للمؤسسة في صقل شخصية بطل فيلمه: وأضاف أنيس الأسود: "معز هو من جلبني إلى إندا. من خلال نواديها، تمكن من فهم نفسه عبر 'السيكو-دراما'. إندا ساعدته في معرفة أين تذهب طاقته وكيف يوجهها، وكان لها وقع كبير في بناء ثقته بنفسه وتخلصه من صمته". الفن كفعل تحرر: من الصمت إلى الغناء لم تنتهِ رحلة معز عند حدود السينما، بل وصلت إلى الموسيقى. توج الفيلم ب "كليب" غنائي شارك فيه معز باللحن والكلمات مع الفنان حمزه، وهو ما يراه المخرج "نهاية سعيدة" لمواجهة الصمت. يعلق الأسود: "مجتمعاتنا العربية لا تزال تعاني من عقدة النقاء التام والوصم الاجتماعي. معز بفضل الفن تخلص من خوف المواجهة. اليوم هو صريح مع نفسه ومع الناس، ولم يعد يخجل من كونه يتيماً أو مولوداً خارج إطار الزواج". تتويجات دولية ورسالة للأجيال بدأ الفيلم رحلته من سلطنة عمان (جائزة لجنة التحكيم في مهرجان مسقط الدولي) ليجوب العالم العربي وإفريقيا. لكن بالنسبة لأنيس الأسود، النجاح الحقيقي هو وصول الرسالة إلى الشباب والأولياء: "هذا الفيلم لكل شخص يعاني من 'بتر' في حياته، سواء كان طلاقاً، حرباً، أو فقداً. معز انتصر على قدره بالصدق، والفيلم دعوة للجميع لكسر جدار الصمت". الفن في مواجهة "التابوهات" يفتح فيلم "حدود الله" آفاقاً جديدة حول دور السينما الوثائقية في تغيير المصائر. لم يعد معز مجرد "رقم" في سجلات وزارة الشؤون الاجتماعية، بل أصبح مبدعاً يواجه المجتمع بهوية واضحة.