تعتبر مكافحة الإرهاب في تونس من بين أهم وأوكد أعمال الحكومة وهي موكولة ميدانيا إلى وزارتي الداخليّة ووزارة الدفاع الوطني، لكنها أيضا هاجس جميع المواطنين الذين يرجون الحفاظ على وحدة بلدهم وسلامة ترابه والتصدّي لأعداء الوطن. وتعتبر ظاهرة الإرهاب من أهم التحديات التي تواجهها تونس خاصّة بعد الثورة حيث تتالت العمليات الإرهابية الغادرة والتي طالت عسكريين وأمنيين، وطالت كذلك المواطنين القاطنين بمناطق متاخمة للجبال التي اتخذت منها مختلف المجموعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة ملاذا لها. وقد اختلفت وتعدّدت استراتيجيات الدولة في محاربة الإرهاب، فقد تمت المصادقة على القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 والمتعلّق بمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال والذي نص في بنوده ال 143 على عقوبات الجرائم الإرهابية وعلى إحداث قطب قضائي لمكافحة الإرهاب إلى جانب بعث لجنة وطنيّة لمكافحة الإرهاب، كما تم تعزيز وزارتي الدفاع والداخليّة بأعداد هامّة من الأمنيين والعسكريين لتضييق الخناق على الإرهابيين واحباط مخططاتهم التي تستهدف أمن البلاد، إضافة إلى إسنادهم بالقدرات الآلية والمعدات. ولئن يبقى الشأن الميداني اختصاصا موكولا لأهله، فإنّ التغطيات والقراءات للأداء الأمني وللظاهرة الإرهابية، شأن متاح للعموم. لكن التعامل مع سريّة المعلومات والخطط الأمنية أصبح محل نقد خاصّة فيما يتعلّق بالتسريبات الأمنية، وقد أثارت سرية جلسة الاستماع لوزير الداخلية يوم أمس بالبرلمان العديد من التساؤلات حول نجاعة السرية بوجود سياسيين وحول قضايا تتعلق بالتسريبات وكشف الخطط الأمنية والوثائق والمعلومات، وهو ما دأبت عليه أطراف غير مخوّل لهم ذلك من داخل وزارة الداخلية نفسها ومن خارجها باسم محللين وخبراء وسياسيين وإعلاميين نسجوا علاقات داخل الأجهزة الأمنية. واعتبر رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب مختار بن نصر أن وزير الداخلية كشف يوم أمس عن معلومات أمام لجنة برلمانية وهي لجنة الأمن والدفاع التي تعي جيّدا أهميّة سريّة المعلومات مشيرا إلى أن كل المعطيات التي يتم كشفها أمام اللجنة مسموح بها. وأضاف بن نصر في تصريح ل”الشاهد” أن المعلومات التي يقدّمها وزير الداخلية للبرلمان أو لوسائل الإعلام مسموح بكشفها وأنها تندرج في إطار تنوير الرأي العام واطلاعه على أشغال الوزارة ليكون مواكبا لمجريات الأحداث وتطوراتها، مذكّرا بأن الوزير كان قد كشف عن الخطة الأمنية للتصدي للإرهاب وعن توخي الوزارة لاستراتيجيات جديدة في هذا الاتجاه، إلى جانب الإعلان عن الهيكل الأمني المشترك. وفي ما يتعلّق بتداول المعلومات السريّة، أكّد المتحدّث أن كل أمني أو عسكري مطالب بالحفاظ على سر المؤسسة التي يعمل بها، مشيرا إلى أن ما نعاينه من تسريبات للوثائق يعتبر خللا كبير في المحافظة على الوثائق، وخطأً من الأفراد الذين يدلون بتصريحات وهم غير مخوّل لهم. وأشار رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب إلى أن الناطق الرسمي الذي تعيّنه المؤسسات الأمنية والعسكرية هو الوحيد المخوّل له الإدلاء بتصريحات والوزارة المشرفة هي الوحيدة المسؤولة عن كشف الأسرار الأمنية التي تراها مناسبة. كما أكد أن وزارتي الدفاع والداخلية ينبّهون خلال العمليات الجارية على ضرورة ترقب الجهات الرسمية لاستقاء المعلومات نظرا لأن المعلومات في غير وقتها أو التأويلات أو الإشاعات أو التسريبات من شأنها أن تمس من سلامة الأفراد على الميدان ومن نجاح العملية الجارية. كما شدّد على أن وزارة الداخلية تتخذ إجراءات تأديبيّة على مستوى إداراتها أو على مستوى قضائي عندما تعاين تجاوزات نظرا لأن المسألة حساسة ومرتبطة بأمن البلاد بصفة عامة. ومن جانبه أكد الناطق باسم الإدارة العامة للأمن الوطني العميد وليد حكيمة في تصريح لموقع “الشاهد” أن وزارة الداخليّة لا تقبل أي تسريبات وأن كل من يقدم على ذلك يعرّض نفسه لمساءلة قانونية، مشيرا إلى أنه في الملفات ذات الصبغة الإرهابية لا يعرّض نفسه لتتبعات قانونيّة فقط، بل أكثر من ذلك وقد ذكّر بحادثة إحالة عون أمن على قطب الإرهاب في قضيّة تسريبه لفيديو في حادثة “ذبح الشهيد رياض بروطة”. كما أكد أن القانون يمنع جميع الأمنيين مهما كانت رتبهم من الظهور في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة إلا بترخيص، ومن يتجاوز ذلك يتعرّض لمساءلة قانونية وإدارية.