على الرغم من كل الشعارات المرفوعة تعسفا لتجميل الاحتلال الامريكي للعراق واعتباره من قبيل «التحرير» فإن كل التفاصيل، تؤكد انه لا يختلف عن كل الاحتلالات التي عرفها التاريخ وذلك منذ اليوم الاول الذي وطأت فيه اقدام العسكريين الامريكيين تراب جنوب العراق. والاممالمتحدة والتي لعبت في السابق أدوارا ايجابية في تفكيك الاحتلال بالعديد من البلدان، تقوم هذه المرة بدور معكوس وهو ترسيخ الاحتلال الامريكي للعراق، ولكن تحت شعار نقل السلطة الى العراقيين في الثلاثين من جوان القادم. وبالاضافة الى القناعة السائدة بأن القوات الامريكية لم تدخل العراق ولم تدمّر مؤسساته، من اجل الانسحاب واعادته الى العراقيين بعد سنة ونصف من الاحتلال، فإن كل الوقائع على الميدان تؤكد ان الثلاثين من جوان القادم لن تكون الا بوابة اكبر تدخل منها الاحتلال الامريكي الى العمق العراقي سواء من خلال استمرار بقاء القوات الامريكية، او من خلال «السفارة» الضخمة التي ستشغل اكثر من الفي موظف، من موظفي الهيئة الحالية للتحالف اضافة الى توزيعهم طبقا للتوزيع الاداري في العراق، اي على مستوى المحافظات وصولا الى السيطرة على القرارات النهائىة «للسلطات» العراقية التي يفترض انها ستتسلّم السيادة وهو الامر الذي دفع بفرنسا والصين وروسيا والمانيا للمطالبة في اطار المفاوضات التي تشهدها الاممالمتحدة الآن بتمكين هذه السلطات من حق تحديد مستقبل التواجد العسكري الامريكي في العراق، باعتبار ان ذلك هو الامتحان الحقيقي لحدود السيادة الممنوحة الى العراقيين. ومن المنطقي ان تحاول واشنطن تجميل ماهي بصدد القيام به في العراق فهي على ابواب انتخابات ومكانة الرئىس الامريكي تهتز في عمليات سبر الآراء تحت وقع الفضائح والفشل المتكرر في هذا البلد، ولكن ليس من العدل في شيء ان تتورط الاممالمتحدة وأمانتها العامة في نسج خيوط هذا الوهم، وقد كان واضحا منذ البداية الدور المنتظر من الامانة العامة للامم المتحدة عندما تم الضغط على المبعوث الاممي الخاص الأخضر الابراهيمي للقيام بالمهمة التي كان يرفض علنا، القيام بها. الكل يدرك أن الأممالمتحدة هي جزء من نظام ثنائية القطبية الذي انهار. والكل يدرك أن «اللعبة الأمريكية» ارتكزت منذ البداية على هياكل الشرعية الدولية، ولكن ربما كان بامكان الامانة العامة للأمم المتحدة عدم تجاوز الخطوط الفاصلة بين خضوع المنظمة الأممية الى الضغط الأمريكي وهو أمر معلوم ومنطقي الى حد ما، الى الاجتهاد والحماس في حياكة نسيج الوهم، وتمرير مشروع خطير، هو مشروع قرار نقل «السيادة» الى العراقيين، الذي يطبخ حاليا بين مجلس الأمن الدولي وبين كواليس ما يسمى بمجلس الحكم الانتقالي، المجلس المعين أمريكيا والذي ينتظر أن يغير اسمه ليصبح السلطة التي تتسلم «السيادة». هذه الحركية تحيلنا بالضرورة الى حركية مماثلة كان يقوم بها المنسق الأمريكي للمعارضة العراقية قبل احتلال العراق، بين الشمال العراقي والعاصمة التركية، حيث كان ذلك المنسق الأمريكي يقيم. تغيرت بعض الأسماء ولكن الأسلوب ظل هو نفسه وها ان «قيادات» المعارضة أصبحت اليوم من قيادات ما يسمى بذلك المجلس الهمام الذي سلم العراق الى الأمريكيين ولن يكون بامكانه أن يطلب من العسكريين الأمريكيين المغادرة. الكل يدرك ذلك كما يدرك الخطوات الحقيقية للاحتلال الأمريكي للعراق. ولكن على الرغم من ذلك «يجدّ» الأمين العام للأمم المتحدة في نقل «السلطة» ووضع الترتيبات لذلك!