سنكرّر مرة أخرى أن الأولوية في تونس اقتصادية، وأن التحديات التي ركّز عليها رئيس الدولة في برنامجه الانتخابي، هي بدرجة أولى تحديات تنمية وتطوير، فإذا طوّعناها حافظنا على الاستقرار، وإذا ركبناها ونجحنا أصبحت طريق المستقبل سالكة. وأعتقد أنه حان الوقت كي نصعد بحجم طموحاتنا، فعوض العمل على إرساء اقتصاد يحقق الحد الأدنى والمتوسط وحتى فوق المتوسط من التنمية، ومن تلبية حاجات عدة شرائح، علينا أن نعمل من أجل اقتصاد يصعد بتونس الى مراتب الدول المتقدمة، ويخلق نهضة صناعية حقيقية، ويقود الى قفزة نوعية تحصّن نهائيا بلادنا من الهشاشة في هذا المضمار، وينزل بنسب البطالة، ويطوّر حجم الدخل. وما هذا الأمر بعزيز، بشرط توفّر الايمان أولا بقدرات التونسيين، والنظر الى ما تزخر به بلادنا من كفاءات عالية في كل ميادين المعرفة والاقتصاد والبحث العلمي، واستثمار الامكانات العديدة المتوفرة لتونس بشريا وجغرافيا ومناخيا التي بإمكانها أن تكون حاضنة كبيرة للصناعات ذات القيمة المضاعفة العالية. وبإمكاننا أن نبدأ بإقامة حوار طويل ومتواصل وشامل حول هذا الهدف الكبير والنبيل، يكون بعيدا جدا عن الطابع السياسي الذي من شأنه أن يفرغ الحوار من محتواه، وأن يوجّهه وجهة أخرى، وأن يعيق إطلالته على نتائج ملموسة. ولنقلها عاليا وبصراحة، إن الخطاب السياسي في تونس ومن مختلف الضفاف، لا يحتوي على مقترحات عملية في هذا الصدد، ولا يلوك إلا شعارات تقليدية لا معنى لها، ولا يمتلك القدرة حتى على استنفار الناس صوب مزيد من الانتاج والانتاجية، فما بالك عندما يكون مطالبا باستنفارهم صوب هدف في مثل هذا الشأن. ولنقل أيضا أنه لابد من طرف ثالث يقام معه الحوار المطلوب، وتصاغ نتائجه معه، تكون مكوّناته من أهل الاختصاص في مختلف الميادين الاقتصادية، ويكون أفراده من أصحاب العقول السليمة الخلاّقة والواقعية، وهم في بلادنا كُثّر، ومن الكفاءات التي تزخر بها تونس بشكل ملفت، ولكنهم لعدة أسباب بقوا في الظل، ولم يجدوا مكانا تحت الشمس وأنوارها. لقد سمعت شخصيا ومنذ سنوات من كان يدّعي أنه إذا ما تحمّل مسؤولية ما، أتى بالحلول، وطبّق ما لم يقدر عليه الأوّلون، ولكنه تحمّلها وفشل، لأن الادعاء كان بلا سند، إلا غرض الوصول الى منصب، وأسمع دائما لغطا كثيرا حول هذه المسائل التي لابد من إرجاعها أولا الى أهل الاختصاص، ومن ضمنهم أعضاء الفريق الاقتصادي الحكومي الذين يقومون بجهود جبّارة، ولكن أي جهد يحتاج دائما الى أن تتوسّع دائرة من يقومون به، على مستوى التصوّر وعلى مستوى التنفيذ، ثم إن الاستئناس بالحوار، ينمّي الافكار، ويثري الحلول، ويسهّل المسالك، وربما أتى بالمدهش الرفيع. وبصراحة فإن هذا النسق الذي تسير عليه بلادنا في مستوى التطوير الاقتصادي، وإن كان يثنى عليه، ويُعترف له حتى من قبل المنظمات والهياكل الدولية المختصة والتي لا تجامل أحدا، إلا أنه يجب أن يرتفع بدرجة تبدأ بالذهاب بنا صوب الهدف الكبير والنبيل المتمنّى الوصول إليه. إذ لا مفرّ من تحقيق طفرة اقتصادية، تأتي بالرخاء، وترتفع بدرجات النمو، وتمتص البطالة، وتجد حلولا عميقة للمشاكل العالقة الآن في ميادين كثيرة، ومنها الفلاحة، والخدمات، وغيرها. لقد آن أوان تجنيحها عاليا في هذا المجال، والفرصة قائمة، والامكانيات متوفرة، فمتى نستجمع قوانا، لنجمع الفرصة بالامكانات، ونصنع تجربة تاريخية تقينا نهائيا شرور الأزمات؟