انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار    إيران.. نرفض المقترح الأميركي ونحن من سننهي الحرب وليس ترامب    رئيس الجمهورية يُؤدي زيارة إلى مصحة العمران والصيدلية المركزية.    عاجل/ ترامب يهدد ايران ويتوعد..    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    بهدوء: مقهى المساء وامتحان الأمومة    فرحة العيد    المقامة العيدية    لصوص النصوص بين النّقد الغائب والضمير المفقود    إلى حدود 25 مارس 2026: المدخرات من العملة الصعبة تُعادل 106 أيّام توريد    10 سنوات سجنا وخطية مالية لفتاة من أجل ترويج المخدرات    حين تغيب الرسائل وتضيع العبر...الدراما التونسية... موسم مرّ بلا أثر    مهرجان «الأنوف الحمر» بحمام سوسة ...المهرج بين العقلية الإجتماعية والتأثيرات النفسية    تونس تتموقع في السياحة البحرية: إقبال متزايد واستقطاب مُجهّزين بحريين دوليين جدد    "الإنسان الرابع" عمل مسرحي جديد للتياترو يسجل عودة توفيق الجبالي على الركح    نائب تستنكر    بن عروس: برمجة تلقيح أكثر من 80 بالمائة من القطيع بالجهة (دائرة الإنتاج الحيواني)    أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    ماذا تأكل عند هبوط السكر؟ 6 خيارات فعّالة وسريعة    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    محكمة الاستئناف بتونس تقر عقد الجلسات الاستئنافية لقضايا الإرهاب عن بعد خلال أفريل    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    وقتاش المنتخب يلعب أمام هايتي و كندا؟    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا ضمن برنامج العودة الطوعية    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    من أجل المحافظة على اللقب الإفريقي .. المنتخب السنغالي يتوجه إلى التاس    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«وحدات التدخل التشكيلي» (BIP) التونسية تحظى باهتمام عالمي : الخروج بالفن التشكيلي التونسي من المراسم المظلمة
نشر في الشروق يوم 29 - 03 - 2010

ثمة مغامرات فنية في تونس طريفة وخارجة عن المألوف لا نكاد نأخذها بعين الاعتبار, بل قد نتحاشى الانتباه إليها , لأنها فقط اجترحت لنفسها طريقا غير معبد, ولأننا عادة ما نكون تحت سطوة أفكار مسبقة, أيديولوجيا ثقافية مهيمنة تثنينا عن التأمل فيها, وربما تحظى هذه التجارب باهتمام الآخر فيثمّنها, ويعطيها قيمتها التي تستحق , فنعيد الانتباه إليها , ونحاسب أنفسنا عن ضيق الأفق وعن السلبية المتأصلة في طواحيننا اليومية المأخوذة بسلطة الشيء المكرس والمتفق عليه سلفا والحال أننا نتظاهر باليقظة, لكنها في الحقيقة بيقظة مزيفة, فنعاود الكرة في تقزيم أنفسنا والشك في قدراتنا ... وكأن الآخر «الغيري» هوقدرنا يعيد إلينا معاني الأشياء ... هذا ما حدث مع تجربة تشكيلية تونسية تعرف ب«وحدات التدخل التشكيلي» ينتبه إليها فنان أمريكي من نيويورك ليقوم بترويجها مع حفظ حقوق أصحابها ...
عبد الحليم المسعودي
في عزلة الفن التشكيلي ونخبويته
لا شك أن الفن التشكيلي التونسي، بكل أشكاله ومظاهره لا يزال محبوسا في دوائره الخاصة به . وهي دوائر لها قوانينها الخاصة سواء كانت سوقا تشكيلية, أومراسم, أومعارض , أوأروقة , أومعايير باطنية مغلقة على أهلها وزبائنها وروادها ومريديها ووسطائها ومضارباتها الخاصة, وحرّاسها من نقاد وأكاديميين ومنظرين وخبراء في مجال الفن, ومروجين ومعدلي أسعاره ... ومتاهة الفن التشكيلي في تونس, هي أكثر من متاهة ... إنه عالم داخلي لا يقبل الشفافية ولا الإعلان المباشر , بالقدر الذي ينتعش فيه في كنف السريّة, والتكتلات, والمدارس, والعلاقات الخاصة والخاصة جدا ... متاهة لها قوانينها الخاصة, ولها مصالحها، ولها مواسمها ومتنفّذوها ومهمّشوها ... وكم نفاجأ كل مرّة برحيل فنان تشكيلي تونسي – وهم يرحلون الواحد تلوالآخر – دون أن يكون رحيله متبوعا بأسرار , وقصص وحكايات , ومسائل , هي جزء قليل من أسرار تلك المتاهة المدوّخة التي تجعل الفن بعيدا عن الناس ومحصورا في دوائره النّخبوية المغلقة ... وقد تكون مضامين هذا الفنان أوذاك محتضنة لهموم الناس ومشاغلهم وأحلامهم، غير أنه من يملك هذه الأعمال؟. من يملك أعمال عمّار فرحات, أوعمارة دبّش, أوالحبيب بوعبانة كفنانين تونسيين كرسوا حياتهم لتصوير هموم الناس ونقلها جماليا إلى أعمال خالدة؟.
وبالمقابل ينأى الفن التشكيلي عن الناس, وعن إمكاناتهم... هكذا يمارس الفن في عزلته وظلمته وأسراره. ويظل تشريك الناس في لحظة الإبداع فكرة طوباوية, بل خيالية محصنة بفكرة مقدسة , هي سر الفن وطقوسه .
«وحدات التدخل التشكيلي»... أو ميلاد «الأسلوب التونسي»
لكن بالمقابل أيضا ثمة تجربة جديرة بالاهتمام في كسر هذا الطوق , وحمل الفن إلى الناس , كسر مركزيته الموحشة في اتجاه لامركزية ممكنة قامت بها جماعة سمت نفسها ب «وحدات التدخل التشكيلي» (Brigade d'Intervention Plastique), وفي الاسم نفس مغامر ومقاوم لا يخلومن مخيلة وروح فوضوية , حلم بها الهاشمي غشّام فنان وشاعر وناقد وإعلامي, ونفّذها في أواخر الثمانينات, وواصلها مع مجموعة من الفنانين التشكيليين وتحولت حين اكتشف هذه التجربة فنان وأكاديمي أمريكي هودافيد بلاك David Black إلى ما يعرف الآن بالأسلوب التونسي ‘' Tunisian style ‘' , وقام بتنفيذها منذ العام الماضي بنفس الأسلوب في الولايات المتحدة الأمريكية, وتحولت إلى نسق بات يعرف بالأنقليزية تحت عنوان أوطريقة : The Tunisian – style Collaborative Painting, أي «الأسلوب التونسي في التّعاون التشكيلي», وفيه دلالة على حسّ بيداغوجي يستأهل الاهتمام.
تجربة «وحدات التدخل التشكيلي» التونسية انطلقت كما أشرنا في أواخر الثمانينات في مدينة المهدية على يد هاشمي غشام الذي جمع ثلة من الفنانين التشكيليين التونسيين في هذه المغامرة الفريدة من نوعها كالفنان الراحل عبد الرزاق الساحلي وخالد بن سليمان والحبيب بيده والراحل فوزي الشتيوي والأمين ساسي وعلي خوجة وإبراهيم العزابي وغيرهم, ليقوموا بانجاز أعمال تشكيلية على عين المكان في إطار ماراطون تشكيلي يمتد من 24 ساعة أو70 ساعة متواصلة يتم فيها إنجاز أعمال جماعية وأخرى فردية انطلاقا من موضوع أوتيمة موحدة, وهي عملية قائمة على الحرية في الأسلوب والأداء, ثم يتم في نهاية هذا الماراطون التجريبي الوصول إلى توحيد الأسلوب من خلال انجاز عمل تشكيلي ضخم تمحي فيه الفوارق الأسلوبية الفردية لتنصهر في أسلوب جديد لا يمضيه فنان واحد بل هوثمرة المجموعة المنخرطة في هذه المغامرة. ثم تواصلت هذه المغامرة طوال التسعينات مع انقطاعات متكرّرة , غير أن العشرية الأولى شهدت عودة هذه التجربة, حين عملت «وحدات التدخل التشكيلي» في توسيع هذا النشاط على مستوى اللامركزية , كثفت تدخلها لهذا النوع من المغامرة, فقامت بنشاط في مدينة دوز بمناسبة مهرجان الصحراء وفي مدينة تازركة وفي الحمامات وتونس بفضاء مسرح التياترو ونهج مرسيليا, وآخرها في العام الماضي في ساحة محمد علي بمناسبة العدوان على غزة, كما سبق لها وأن عرفت بهذه المغامرة مباشرة على أركاح التلفزة التونسية... وفي هذه الأثناء أيضا عدد هام من الفنانين التشكيليين الجدد لمغامرة التدخل كالراحل نجيب بلخوجة وحمادي بن سعد ومراد الزارعي وحليم قارة بيبان وألفة جغام, وبسمة الهداوي, ومحمد شلبي, وعمر باي, ومصطفى بن عطية, وزياد لصرم ونجاة غريسة وآخرهم من الشباب الصاعدين حمدي مزهود .
طريقة التدخل التشكيلي وأسلوبه
وفلسفة «وحدات التدخل التشكيلي» تقوم على رصد فكرة الخروج بالفن التشكيلي من عزلته التقليدية إلى فضاءات ومناسبات جديدة غير مألوفة, وتجاه متلق جديد لا يتم التفكير فيه بطريقة انتهازية هدفها تحويله إلى زبون, وإنما تحويل هذه العلاقة التقليدية إلى علاقة تفاعلية قائمة على الارتجال والمباغتة والمشاركة في لحظة إنجاز العمل الفني, واستكشاف المتلقي لأسرار المنجز الفني وهو يتشكل, إلى جانب تحويل علاقة الفنان التشكيلي بزميله من علاقة المزاحمة والغريم إلى علاقة المحاورة الأسلوبية والتفاعل الجمالي في اتجاه هدف موحد هوهدف وحدة الأسلوب والتبني المشترك للإنتاج الفني, كما تقوم تجربة وحدات التدخل التشكيلي « على التعامل مع المؤسسات والجمعيات الثقافية من منطلق المساهمة في تقاسم تكاليف الإنجاز الفني , ومساهمة الفنانين من خلال هذه المغامرة بأعمالهم لهذه الجمعيات لاستثمارها كقيم مادية يعاضدون بها مداخيلهم عندما تتمكن هذه الجمعية الثقافية من ترويج وبيع هذه الأعمال لفائدة نشاطهم الثقافي أو الاجتماعي. فعملية التدخل بالأساس متعددة الأهداف, تدخل جمالي وفني على مستوى تقريب الممارسة الفنية للجمهور الذي قد يجهل الميلاد الخاص للعمل الفني فتحصل بذلك المعرفة والتربية الذوقية, وتدخل ثقافي تنشيطي لأن مغامرة الرسم في حيز زماني موحد يتخذ شكل الماراطون يخلق حوله حراكا ثقافيا مهما لا يخلومن فائدة ومن تأكيد على فكرة المواطنة عبر المسلك الجمالي والثقافي, وهدف اجتماعي جمعياتي لأن مردود هذه العمليات قد يساهم بشكل رمزي في تقوية هذه الجمعية أوتلك في مواصلة نشاطها, وهدف ثقافي سياسي لأن مثل هذه العمليات تخرج الفن التشكيلي وممارسته من عزلته تجاه لامركزية تقطع من الأماكن الخاصة والمغلقة والنخبوية في التعامل الفني التشكيلي إلى جانب كون المنتج الفني الذي عادة ما يكون ضخما (يبلغ معدل اللوحة الفنية حجم 6م x 12م) لا يمكن الاحتفاظ به بالنسبة إلى مقتني الأعمال أو جامع أعمال فنية وإنما هي لوحات صالحة للعرض العمومي في الأماكن والفضاءات العمومية يراها الجميع ويتذوقها متلق عمومي.
«الأسلوب التونسي»
في نيويورك
في شهر فيفري الماضي عرضت ثلاث مجموعات من الرسامين والفنانين التشكيليين الأمريكيين التابعين لأكاديمية معهد ليم للفنون الجميلة Lyme Academy College of Fine Arts بنيويورك مجموعة من الأعمال الفنية أمام الجمهور وأمام طلبة الفنون الجميلة معرفين طريقة عملهم ب«الأسلوب التونسي», وقد قادهم إلى هذه التجربة الأكاديمي والفنان التشكيلي دافيد بلاك الذي سبق وأن تعرف العام الماضي على تجربة «وحدات التدخل التشكيلي» التي يديرها الهاشمي غشام, كما سبق له وأن ساهم مع الهاشمي غشام ومراد الزارعي وحمادي بن سعد في إنتاج أعمال تشكيلية في تونس في المرسم الخاص لفضاء بوعبانة... دافيد بلاك نقل أسلوب هذه المغامرة في الأوساط التشكيلية والجامعية, وقام بسلسلة من المحاضرات للتعريف بهذا الأسلوب التونسي, وقد بدأت فعلا هذه التجارب تظهر شيئا فشيئا كأسلوب بيداغوجي وفني في بعض الأوساط كما هوالحال في معاهد الفنون الجميلة في كارولينا الجنوبية وفيلادلفيا ونيويورك تحت إسم «الأسلوب التونسي»... ويبدوأن هذا الأسلوب الذي روج له دافيد بلاك في نيويورك قد حظي باهتمام عملي في بريطانيا وكندا وسويسرا , واهتمت به وسائل الإعلام الأمريكية, وقد عرفت مؤخرا قناة العربية من خلال وثائقي بانتشار هذا الأسلوب في نيويورك ...
في عزلة الفن التشكيلي ونخبويته
لا شك أن الفن التشكيلي التونسي، بكل أشكاله ومظاهره لا يزال محبوسا في دوائره الخاصة به . وهي دوائر لها قوانينها الخاصة سواء كانت سوقا تشكيلية, أومراسم, أومعارض , أوأروقة , أومعايير باطنية مغلقة على أهلها وزبائنها وروادها ومريديها ووسطائها ومضارباتها الخاصة, وحرّاسها من نقاد وأكاديميين ومنظرين وخبراء في مجال الفن, ومروجين ومعدلي أسعاره ... ومتاهة الفن التشكيلي في تونس, هي أكثر من متاهة ... إنه عالم داخلي لا يقبل الشفافية ولا الإعلان المباشر , بالقدر الذي ينتعش فيه في كنف السريّة, والتكتلات, والمدارس, والعلاقات الخاصة والخاصة جدا ... متاهة لها قوانينها الخاصة, ولها مصالحها، ولها مواسمها ومتنفّذوها ومهمّشوها ... وكم نفاجأ كل مرّة برحيل فنان تشكيلي تونسي – وهم يرحلون الواحد تلوالآخر – دون أن يكون رحيله متبوعا بأسرار , وقصص وحكايات , ومسائل , هي جزء قليل من أسرار تلك المتاهة المدوّخة التي تجعل الفن بعيدا عن الناس ومحصورا في دوائره النّخبوية المغلقة ... وقد تكون مضامين هذا الفنان أوذاك محتضنة لهموم الناس ومشاغلهم وأحلامهم، غير أنه من يملك هذه الأعمال؟. من يملك أعمال عمّار فرحات, أوعمارة دبّش, أوالحبيب بوعبانة كفنانين تونسيين كرسوا حياتهم لتصوير هموم الناس ونقلها جماليا إلى أعمال خالدة؟.
وبالمقابل ينأى الفن التشكيلي عن الناس, وعن إمكاناتهم... هكذا يمارس الفن في عزلته وظلمته وأسراره. ويظل تشريك الناس في لحظة الإبداع فكرة طوباوية, بل خيالية محصنة بفكرة مقدسة , هي سر الفن وطقوسه .
«وحدات التدخل التشكيلي»... أو ميلاد «الأسلوب التونسي»
لكن بالمقابل أيضا ثمة تجربة جديرة بالاهتمام في كسر هذا الطوق , وحمل الفن إلى الناس , كسر مركزيته الموحشة في اتجاه لامركزية ممكنة قامت بها جماعة سمت نفسها ب «وحدات التدخل التشكيلي» (Brigade d'Intervention Plastique), وفي الاسم نفس مغامر ومقاوم لا يخلومن مخيلة وروح فوضوية , حلم بها الهاشمي غشّام فنان وشاعر وناقد وإعلامي, ونفّذها في أواخر الثمانينات, وواصلها مع مجموعة من الفنانين التشكيليين وتحولت حين اكتشف هذه التجربة فنان وأكاديمي أمريكي هودافيد بلاك David Black إلى ما يعرف الآن بالأسلوب التونسي ‘' Tunisian style ‘' , وقام بتنفيذها منذ العام الماضي بنفس الأسلوب في الولايات المتحدة الأمريكية, وتحولت إلى نسق بات يعرف بالأنقليزية تحت عنوان أوطريقة : The Tunisian – style Collaborative Painting, أي «الأسلوب التونسي في التّعاون التشكيلي», وفيه دلالة على حسّ بيداغوجي يستأهل الاهتمام.
تجربة «وحدات التدخل التشكيلي» التونسية انطلقت كما أشرنا في أواخر الثمانينات في مدينة المهدية على يد هاشمي غشام الذي جمع ثلة من الفنانين التشكيليين التونسيين في هذه المغامرة الفريدة من نوعها كالفنان الراحل عبد الرزاق الساحلي وخالد بن سليمان والحبيب بيده والراحل فوزي الشتيوي والأمين ساسي وعلي خوجة وإبراهيم العزابي وغيرهم, ليقوموا بانجاز أعمال تشكيلية على عين المكان في إطار ماراطون تشكيلي يمتد من 24 ساعة أو70 ساعة متواصلة يتم فيها إنجاز أعمال جماعية وأخرى فردية انطلاقا من موضوع أوتيمة موحدة, وهي عملية قائمة على الحرية في الأسلوب والأداء, ثم يتم في نهاية هذا الماراطون التجريبي الوصول إلى توحيد الأسلوب من خلال انجاز عمل تشكيلي ضخم تمحي فيه الفوارق الأسلوبية الفردية لتنصهر في أسلوب جديد لا يمضيه فنان واحد بل هوثمرة المجموعة المنخرطة في هذه المغامرة. ثم تواصلت هذه المغامرة طوال التسعينات مع انقطاعات متكرّرة , غير أن العشرية الأولى شهدت عودة هذه التجربة, حين عملت «وحدات التدخل التشكيلي» في توسيع هذا النشاط على مستوى اللامركزية , كثفت تدخلها لهذا النوع من المغامرة, فقامت بنشاط في مدينة دوز بمناسبة مهرجان الصحراء وفي مدينة تازركة وفي الحمامات وتونس بفضاء مسرح التياترو ونهج مرسيليا, وآخرها في العام الماضي في ساحة محمد علي بمناسبة العدوان على غزة, كما سبق لها وأن عرفت بهذه المغامرة مباشرة على أركاح التلفزة التونسية... وفي هذه الأثناء أيضا عدد هام من الفنانين التشكيليين الجدد لمغامرة التدخل كالراحل نجيب بلخوجة وحمادي بن سعد ومراد الزارعي وحليم قارة بيبان وألفة جغام, وبسمة الهداوي, ومحمد شلبي, وعمر باي, ومصطفى بن عطية, وزياد لصرم ونجاة غريسة وآخرهم من الشباب الصاعدين حمدي مزهود .
طريقة التدخل التشكيلي وأسلوبه
وفلسفة «وحدات التدخل التشكيلي» تقوم على رصد فكرة الخروج بالفن التشكيلي من عزلته التقليدية إلى فضاءات ومناسبات جديدة غير مألوفة, وتجاه متلق جديد لا يتم التفكير فيه بطريقة انتهازية هدفها تحويله إلى زبون, وإنما تحويل هذه العلاقة التقليدية إلى علاقة تفاعلية قائمة على الارتجال والمباغتة والمشاركة في لحظة إنجاز العمل الفني, واستكشاف المتلقي لأسرار المنجز الفني وهو يتشكل, إلى جانب تحويل علاقة الفنان التشكيلي بزميله من علاقة المزاحمة والغريم إلى علاقة المحاورة الأسلوبية والتفاعل الجمالي في اتجاه هدف موحد هوهدف وحدة الأسلوب والتبني المشترك للإنتاج الفني, كما تقوم تجربة وحدات التدخل التشكيلي « على التعامل مع المؤسسات والجمعيات الثقافية من منطلق المساهمة في تقاسم تكاليف الإنجاز الفني , ومساهمة الفنانين من خلال هذه المغامرة بأعمالهم لهذه الجمعيات لاستثمارها كقيم مادية يعاضدون بها مداخيلهم عندما تتمكن هذه الجمعية الثقافية من ترويج وبيع هذه الأعمال لفائدة نشاطهم الثقافي أو الاجتماعي. فعملية التدخل بالأساس متعددة الأهداف, تدخل جمالي وفني على مستوى تقريب الممارسة الفنية للجمهور الذي قد يجهل الميلاد الخاص للعمل الفني فتحصل بذلك المعرفة والتربية الذوقية, وتدخل ثقافي تنشيطي لأن مغامرة الرسم في حيز زماني موحد يتخذ شكل الماراطون يخلق حوله حراكا ثقافيا مهما لا يخلومن فائدة ومن تأكيد على فكرة المواطنة عبر المسلك الجمالي والثقافي, وهدف اجتماعي جمعياتي لأن مردود هذه العمليات قد يساهم بشكل رمزي في تقوية هذه الجمعية أوتلك في مواصلة نشاطها, وهدف ثقافي سياسي لأن مثل هذه العمليات تخرج الفن التشكيلي وممارسته من عزلته تجاه لامركزية تقطع من الأماكن الخاصة والمغلقة والنخبوية في التعامل الفني التشكيلي إلى جانب كون المنتج الفني الذي عادة ما يكون ضخما (يبلغ معدل اللوحة الفنية حجم 6م x 12م) لا يمكن الاحتفاظ به بالنسبة إلى مقتني الأعمال أو جامع أعمال فنية وإنما هي لوحات صالحة للعرض العمومي في الأماكن والفضاءات العمومية يراها الجميع ويتذوقها متلق عمومي.
«الأسلوب التونسي»
في نيويورك
في شهر فيفري الماضي عرضت ثلاث مجموعات من الرسامين والفنانين التشكيليين الأمريكيين التابعين لأكاديمية معهد ليم للفنون الجميلة Lyme Academy College of Fine Arts بنيويورك مجموعة من الأعمال الفنية أمام الجمهور وأمام طلبة الفنون الجميلة معرفين طريقة عملهم ب«الأسلوب التونسي», وقد قادهم إلى هذه التجربة الأكاديمي والفنان التشكيلي دافيد بلاك الذي سبق وأن تعرف العام الماضي على تجربة «وحدات التدخل التشكيلي» التي يديرها الهاشمي غشام, كما سبق له وأن ساهم مع الهاشمي غشام ومراد الزارعي وحمادي بن سعد في إنتاج أعمال تشكيلية في تونس في المرسم الخاص لفضاء بوعبانة... دافيد بلاك نقل أسلوب هذه المغامرة في الأوساط التشكيلية والجامعية, وقام بسلسلة من المحاضرات للتعريف بهذا الأسلوب التونسي, وقد بدأت فعلا هذه التجارب تظهر شيئا فشيئا كأسلوب بيداغوجي وفني في بعض الأوساط كما هوالحال في معاهد الفنون الجميلة في كارولينا الجنوبية وفيلادلفيا ونيويورك تحت إسم «الأسلوب التونسي»... ويبدوأن هذا الأسلوب الذي روج له دافيد بلاك في نيويورك قد حظي باهتمام عملي في بريطانيا وكندا وسويسرا , واهتمت به وسائل الإعلام الأمريكية, وقد عرفت مؤخرا قناة العربية من خلال وثائقي بانتشار هذا الأسلوب في نيويورك ...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.