بقلم: عبد الحميد بن عامر الجدير بالملاحظة والملفت للانتباه أنه لم يتخلف عن نهوض ركب كل قطاعات الدولة والنسيج الاجتماعي سوى قطاع الكتابة العمومية رغم أنه قطاع حيوي وعلى غاية من الاهمية. إلا أنه بقي منذ نشأته الى يومنا هذا مكبّلا جاثما على الارض. ولم تشمله النهضة العارمة التي شملت كل القطاعات الاخرى. فما من شك أن قطاع الكتابة العمومية هو قطاع على غاية من الاهمية، اعتبارا لكونه قطاع مترامي الاطراف لا يمكن لسائر القطاعات أن تدرك آهميته ودقته إلا بتحليل كنهه ونشاطاته والتعريف بها. إن الثابت واقعيا وقانونيا أن قطاع الكتابة العمومية هو جهاز قاعدي أساسي يمثل الارضية الاساسية التي تعبّر عن حاجة المواطن للخدمات العدلية والادارية والاجتماعية والصحية والفلاحية. ولا يمكن بالتالي تصوّر نجاعة القطاع إلا بتقييم مدى قدرته الراهنة على التعبير عن مصالح الحرفاء ومطالبهم ونبل مقاصدهم بلغة سليمة وعبارة متينة ومنهجية واضحة. ودون إغفال أن نأخذ في الاعتبار تطور المجموعة البشرية ثقافيا وعلميا. وهو ما يفرض أساسا وجوب تطور مستوى الكاتب العمومي وكفاءته ليتمكن من مسايرة المستوى الثقافي والعلمي الراهن للحريف والمسؤول وما يتطلبه ذلك ويمليه من وجوب ارتقاء أسلوب ولغة الخطاب والتحرير والتدقيق. وهو ما يؤكد بأنه وإن لم يأت المشرع على قطاع الكتابة العمومية بتنقيح النصوص المتعلقة بأصحابها ومراجعة أسسها وتطويرها. فإن ذلك ليس إغفالا منه لأهميته ناهيك أنه أوجب في عديد الفروع من التقاضي الشخصي المترامي الى فروع عديدة كلاها لا يقيل أهمية عن الآخر كقضايا النفقة والتقاديم والتبني والطلاق وثبوت النسب ونفيه والتقاضي المدني بأنواعه كمطالب أداء الديون التي تقل عن 7000د وقضايا استحقاق المعقول ودعاوى المطالبة بقيمة المضرة ودعاوى الفسخ والابطال ودعاوى كف الشغب العادي وكف الشغب على العقارات المسجلة والدعاوى الاستعجالية. وتحرير عقود بيع المنقولات، وتحرير التوكيلات في ما عدا توكيل الخصام، ومطالب تقييم أجرة المحاماة والتداعي الجناحي والجنائي الذي غالبا ما يقوم على عريضة محررة بقلم الكاتب العمومي وتقديم التقارير بخصوص الرد عن الدفوعات. والأذون على العرائض سواء المتعلقة بمطالب تعيين الخبراء أو مطالب استخراج نسخ من عقود التفويت بعوض أو بدونه المحررة من عدول الاشهاد ومطالب استصدار أحكام ترسيم الولادات وإصلاح الرسوم هذا بالنسبة الى الخدمات العدلية وفي سواها كتحرير المطالب والتشكيات الادارية التي يوجهها المواطن الى المصالح المحلية أو الجهوية أو الوزارية. فغالبا كل هذه العرائض يحررها الكاتب العمومي معبرة عن مطامح ومطامع وحاجات ومصالح حرفائه. وبهذا الكمّ الهائل لحجم نشاطات واختصاصات الكاتب العمومي التي أجازها له المشرع، ففي رأيي ومما ليس من باب التجني على أحد أنها تتجاوز عديد الاختصاصات الأخرى كعدول الاشهاد وعدول التنفيذ والخبراء.. ولأهمية القطاع وفاعليته ودوره في المجتمع تولى المشرع برّا بالمتقاضي صاحب الصفة والمصلحة إعفاءه من تكبّد مصاريف محاماة لقاء التداعي بخصوص القضايا المشار إليها. وأجاز للطالب والمطلوب الاستعانة بكاتب عمومي لتحرير دعواه وتحديد مطلبه وكذا نفس الشيء بالنسبة للرد عليه من خصومه. وبالتالي فإن المواطن يعلق على تحريرات الكاتب العمومي آمالا وانتظارات وبرامج ليست بالهيّنة. ويبقى تر تيب القضاء للاثر الصالح رهين تحرير الدعوى بلغة سليمة واضحة البناء وارتكازها على مستندات سليمة وطلبات محددة غير مضطربة. وان شاب تحرير الكاتب العمومي إسفاف وابتذال، يتحدث فيه بكلام مقطوع الرّقاب مما يؤول بالدعوى برمتها الى الرفض. ولا تترتب عليها فائدة ولا منفعة عدا إرهاق كاهل القاضي أو المسؤول وإهدار لوقت المواطن ومضيعة لمصالحه وهو الذي استغرق أشهرا وهو مشرئبّ الرقبة ينتظر مغنما أو جوابا عن مطلبه أو الفوز بحكم في قضيته الى أن يصحو من الوهم على حقيقة واحدة بعد انتظار كلّفه أشهرا وهو يمنّي نفسه بفرج في ردّ أو فوز قد يصله قريبا ليستفيق في ما بعد ان كتابا ثمنه دينارا أو دينارين أو يربو عن ذلك بقليل دأب صنّاعه على افتتاحه بعبارة إني الممضي أسفله.. هو غير ذي موضوع ولا ينتج أثرا صالحا، لأن مساوءه جمّة ومحاسن معانيه ومفاهيمه حالكة الظلام. وفي رأيي كل ذلك كان مردّه ومأتاه هو عدم تقنين القطاع وحمايته من التهميش وعدم الحرص على نسف النظرية السائدة حاليا على اعتباره مرفأ وسلّة تدكّ فيها الأجناس المحالة على التقاعد من حجّاب وأعوان أمن وموظفين ومشائخ تراب وكل من هبّ ودبّ من ذوي المستويات البسيطة وسائر المستخدمين المتقاعدين من أصناف «د.ج.ب». أما وقد تبدّل الوضع اليوم وتطورات المقاييس والمعطيات والمفاهيم وأصبح الكاتب العمومي يعتمد على الوسائل الاعلامية الحديثة في أداء نشاطاته. وتنوعت اختصاصاته وتضخّم حجم أعماله، فمن الطبيعي أن يكون كل ذلك مدعاة الى مراجعة تقنين القطاع وإعادة هيكلته وتنظيمه بالارتقاء بمستويات المنتمين إليه وتقنين ترتيبهم على ضوء باقي المهن الأخرى وإعادة النظر في تقسيم مجال الكتابة العمومية الى اختصاصين: 1) كاتب عمومي مختص في المجال العدلي والاداري. 2) كاتب عمومي بسيط في المجال الاداري. كما تتجه إعادة النظر بالموازاة مع ذلك في أصحاب رخص الكتابة العمومية المباشرين بعرضهم على ثلاثة اختبارات يتم اجراؤها في حدود كل ولاية ويعهد بإصلاح كل مجموعة الى رئيس المحكمة الابتدائية المنتمين إليه ترابيا، على أن تشمل الاختبارات الثقافة العامة (الضارب 4). والثاني: في النظام العدلي يخصّ تحرير قضية مدنية وتكوين ملف مستنداتها، كتحرير شكوى جزائية (الضارب 4). 3) موضوع في القانون الاداري (الضارب 2). وفي اعتقادي انه بمثل هذا الاجراء تتحقق المقاصد التي بعث من أجلها القطاع والتي تضمن احتراما لأذواق الحرفاء ولأوقاتهم وحفظا لمصالحهم وضمانا لعدم إثقال كاهل القضاء وسائر المسؤولين بترّاهات وغوغائيات لا تنبت أثرا، فباتت حينئذ إعادة النظر في أهلية المباشرين لمهنة الكتابة العمومية وإعفائهم من الاستمرار بها، وإعادة هيكلة القطاع بصورة قانونية ووجوب تطعيمه بمستويات علمية تتماشى وأهميته وترفع الحرج والارهاق عن سائر الهياكل القضائية والادارية الأخرى.