في انزال فاشل.. قتلى وجرحى في صفوف جيش الاحتلال جنوب لبنان    التطلع الاستراتيجي الأكبر.. الثأر الطوفاني المقدس والعودة إلى 8 أكتوبر    تصديًا للعنف.. جامعة كرة اليد تصدر قرارات جديدة    عاصفة شمسية عاتية تحدث تضخما غير مسبوق في غلاف المريخ الجوي    عاجل/ إيران تطلق رشقة جديدة من المسيّرات والصواريخ على إسرائيل..    الولايات المتحدة تتوقع استمرار العملية العسكرية ضد إيران من 4 إلى 6 أسابيع    منح الصبغة الجامعية لمستشفى محمود الماطري بأريانة والمستشفى الجهوي ببن عروس وأقسام طبية بعدد من الولايات    مهرجان ليالي دار عياد من 6 الى 11 مارس الجاري بقصر هلال    أميمة الحوات تتألق في افتتاح مهرجان الأغنية التونسية    وزير الشؤون الدينية يشرف بجامع عقبة بن نافع بالقيروان على إحياء ذكرى غزوة بدر الكبرى    في شوارع صفاقس ... تفاقم ظاهرة تسوّل الأطفال.. والسلطة الجهوية تطلق مبادرة إنقاذ    أخبار النادي الإفريقي .. شواّط يغيب عن مباراة بن قردان والبنزرتي يجهّز الحلول    فيما اللاعب يواصل رحلة العلاج من الإصابة ...البلايلي في ورطة بسبب قضية التزوير    شارع القناص ...فسحة العين والأذن يؤمّنها الهادي السنوسي ...أغنيتنا تستغيث 2هل خلت الخضراء من الشعراء؟ (جزء أول)    ذكريات رمضان فات ...يرويها: هاشم بوعزيز... حركة وبركة    معهد صالح عزيّز.. انطلاق استخدام تقنية متقدمة للكشف عن سرطان البروستاتا    إيقاف مفتش عنه مصنف خطير داخل محل حلاقة للنساء بالزهروني    عاجل/ أسطول الصمود يكشف: عدد الموقوفين يصل إلى 6..وهذه التفاصيل..    رغم المجهودات الرسمية للتحكم في الأسعار .. الغلاء يكوي المستهلكين    مباشرة بحث عدلي بخصوص معطيات تتعلق بتدفقات مالية مشبوهة تحصلت عليها الهيئة التسييرية "لاسطول الصمود"    تنظيم تخصيص العقارات الدولية للوزارات    خارطة اليقظة .. إسناد اللون الأصفر ل 14 ولاية ودعوة لملازمة الحذر    بطاقة إيداع بالسجن في حق أستاذ تعليم ثانوي بشبهة ترويج المخدرات    آخر الليلة وصباح الغد: ضباب كثيف وانخفاض مدى الرؤية إلى ما دون 500 متر    نصيحة مهمة لمرضى ضغط الدم في رمضان    "مواسم الريح" في معرض أبو ظبي الدولي للكتاب    يونس الفارحي : '' تم استبعادي سابقاً من زوز مسلسلات''    عاجل : معلومات جديدة للتوانسة على العيد الصغير    تجنبها فى رمضان 2026.. مشروبات تضعف عظامك    عاجل/ بشرى سارة لأحباء الترجي..    عاجل/ يهم الراغبين في العودة: سفارة تونس بالدوحة تعلن..    الليلة: أمطار رعدية بالشمال ورياح قوية    عاجل: وزارة الصناعة: إطلاق طلب عروض جديد لإنجاز محطة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بقبلي    عاجل/ أحكام تتراوح بين 8 و9 سنوات سجنا ضد رجال أعمال..    أدعية لحفظ الأهل والأبناء يوم الجمعة    باجة: تفكيك شبكة للاتجار بالآثار وحجز كتاب عبري نادر    منوبة: حجز 81 قنطارا من الفارينة المدعّمة بمخبزة مصنّفة بالمرناقية من أجل الإخلال بتراتيب الدعم    صلاح مصدق : نتفرج في المسلسلات عادة بعد شهر رمضان    المنتخب التونسي لأقل من 20 سنة يواجه وديا نظيره الموريتاني يومي 27 و 30 مارس الجاري    الهيئة الوطنية للسلامة الصحية تضرب بقوة: حجز لحوم وأسماك متعفّنة بهذه الجهة    الرابطة الوطنية لكرة اليد تقرر استكمال مباراة الترجي الرياضي والنجم الساحلي    غزة: أصوات تضامن من تونس    التمر والحليب في رمضان: 5 فئات لازمهم يبعدوا عليه باش ما يضرّوش صحّتهم!    فريال يوسف: بكيت ساعة ونصف قبل أصعب مشهد في ''أكسيدون''    بدر الدين القمودي يقدّم التعازي في السفارة الإيرانية بتونس    بقيمة مليار.. حجز بضائع مهربة داخل مستودع بالروحية    جندوبة: تنظيم حملات لتقصي مرضي السكري وارتفاع ضغط الدم ولختان أطفال من عائلات معوزة ضمن مبادرة "رمضانيات صحيّة"    كلفة الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا تناهز 582 مليون أورو للجانب التونسي    رضا الشكندالي: الحرب في الشرق الأوسط قد ترفع عجز ميزانية تونس وتدفع نحو قانون مالية تكميلي    عاجل/ قضية اغتيال سيف الاسلام القذافي..تطورات جديدة..    تسجيل كميات متفاوتة من الامطار خلال ال24 ساعة الماضية    اليوم 6 مارس: نزول جمرة التراب...شنوّا يعني؟    كعبة الياغورت فيها 4 طوابع سكر! مديرة معهد الاستهلاك تصدم التوانسة    كأس فرنسا : لنس يقصي ليون بركلات الترجيح ويبلغ نصف النهائي    نتائج مراقبة الجودة إلى حدود النصف الأول من شهر رمضان المعظم 2026    الحلفاوين تستعيد ألقها الفني في رمضان مع انطلاق الدورة الخامسة من "تجليات الحلفاوين"    رواد: البحر يلفظ جثة بحار و البحث جار عن آخر مفقود    رجة ارضية بقوة 2،8 درجة جنوب غربي وادي مليز من ولاية جندوبة الجمعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وقفة متأنية: عصابات لتهريب الجنود الأمريكان من العراق
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005

تسنّى لي في الأسابيع الأخيرة أن ألتقي بعراقيين ذهبوا لزيارة أسرهم بعد أن أفلحت قوات الاحتلال في ازاحة نظام الرئيس صدام حسين، التقيت بعضهم في المغرب والآخر هنا في تونس.
كما تسنّى لي أن ألتقي بعراقيين ظلوا مقيمين في وطنهم وعاشوا الحروب كلها والحصار ونالهم ما نال كل عراقي بسيط لا شأن له بالسياسة ولا بأهلها.
وكنت أسألهم ثم أنصت لأجوبتهم فمع كل ما أدّعي معرفته عن العراق فأنا خارجه منذ سنوات، وإذا أردت الدقة فإن تاريخ خروجي الأول منه كان عام 1978 وعندما حدثت ثورة الخميني في إيران كنت بلبنان وبعد ذلك في تونس ثم لبنان فعودة ليست بالطويلة كانت «فاجعة» لي، إذ أن المجيء بزيارة قصيرة والنزول في فندق خمس نجوم هو غير الاقامة والدخول في التفاصيل التي وجدت نفسي في داخلها «غريبا».
وقتذاك تذكرت مقطعا شعريا لشاعر افريقي يقول فيه :
«إنني أبتعد عن وطني
لكي أحبّه أكثر»
واتخذت قراري بالمغادرة لأستطيع أن أقلّب الأوراق التي دونتها بتأنّ وقدر عال من الموضوعية، ولم أفكر بالانضمام لأي حركة سياسية مما كان يسمى بحركات «المعارضة» التي أصبحت في زمن الاحتلال حركات «موافقة».
وعندما سألني الأخ محمد كريشان الاعلامي التونسي المعروف عن سبب خروجي قلت كلاما موضوعيا ودالاّ بعيدا عن الزعيق والمباشرة : «لقد اكشتفت أن إيقاعي لم يعد يتلاءم مع الإيقاع الرسمي».
كان هذا الجواب لبرنامج «ضيف وقضية» الذي بثّته فضائية «الجزيرة» قبل سنوات.
لقد عمدت الى أن لا أهبط في خطابي، ولكنني قلت ما أريده والنابه يفهم.
وسبب هذه الصياغة «الدبلوماسية» والدافع اليها ما وجدته في زيارتي لاحدى العواصم العربية ولمكتب جريدة معينة تصدر في احدى عواصم الغرب من كثرة المراجعين العراقيين الهاربين من الحصار الذي طال وامتدّ وأذلّ الكثيرين وأجاعهم.
لم تكن لهؤلاء علاقة بأي معارضة، ولم يكونوا أنفسهم من المعارضين، ومع هذا كانوا يقصدون مكتب الصحيفة ليمسكوا بتلابيب شاعر أو كاتب يزور المكتب من أجل أن يدبّج لهم مقالة قصيرة تنشر في زاوية القارئ وممضاة باسم من تنشر له.
وأرى هؤلاء البسطاء يستحثون الكاتب بأن يعمّق من شتائمه ضد النظام وأنه نال الأذى منه وتسبّب في تشرّده.. الخ.
وبعد أن تنشر يحملها الى مكتب شؤون اللاجئين ليحصل على اللجوء، وقد نجحت هذه الوسيلة.
هذا المشهد لن أنساه فحتى مصطلح «معارضة» بمعناه الوطني لا العمالة والانتهازية والبحث عن جاه قد أفسدها هؤلاء وخرّبوها وصارت تجمع كما يقول المثل الشعبي العراقي البليغ «شعيط ومعيط وجرّار الخيط».
كان الذاهبون للعراق في زيارة ليتعرّفوا على الأوضاع الجديدة فيه رغبة منهم في العودة نهائيا قد جاؤوا لبلدان الاقامة منكسرين خائبين يصفقون اليد باليد ويرددون : «ليتنا ما ذهبنا ولا رأينا ولأبقينا الوطن حلما جميلا يداعبنا!».
قال لي أحدهم : لم أر العراق، بل رأيت الخراب الكامل، وقال آخر : العراق مخطوف اليوم، ولا ندري كيف نستردّه!
وأضاف : لم يبق لنا من أمل إلا المقاومة التي نتمنى أن تكون مقاومة وطن بأكمله، ولا تستند الى عرق منه أو طائفة.
وتمنّى ثالث أن ينزاح الخدر الذي جعل مناطق كاملة تستسلم لغفوة ونشوة مقابل تأديتها لطقوسها الدينية وكأن هذه المسألة منتهى أمانيها أما الاحتلال فليفعل ما شاء ويبيع «الوطن المزرعة» للسماسرة حتى لو كانوا صهاينة.
ونصحني رابع بأن لا أفكر حتى مجرد تفكير بالذهاب لعراق محتلّ فقد يحصل لي ما لم أتوقعه.
كما أكد الجميع أن العراق فوضى في فوضى، وجهاؤه نكرات لا يعرفهم أحد، يسمعون بأسمائهم ولا يرونهم لأنهم لا يجرؤون على الخروج للناس، فبأي وجه يخرجون وقد شاهد الناس بعضهم يهبطون بطائرات الهليوكوبتر الأمريكية وتأكيدا لتأمركهم وضعوا على رؤوسهم قبعة الكاوبوي؟!
لكن الحديث الذي أصغيت إليه جاءني من صديق صدوق حيث ذكر لي بدعابته المعروفة وكنت أظنه يمزح معي للوهلة الأولى :
أتدري أن هناك عصابات تهريب هي الأولى من نوعها؟
فسألته عنها وشرح :
عصابات تهريب الجنود الأمريكان من العراق، لك أن تتصوّر بأن سعر «الرأس» الواحد 350 دولارا ما أن يدفعها حتى ينزع ثيابه العسكرية وسلاحه ويرتدي الدشداشة البيضاء ويضع على رأسه العقال والبشماغ العربيين.
وقال لي :
تصوّر أن المهرب يمزح مع الجندي قائلا له : لا تهتم الدشداشة والعقال والبشماغ على حسابي.
مؤكدا أن مهرّبا أخبره أنه وحده قام بتهريب أكثر من خمسمائة جندي.
ولا أدري الى أي حدود يتوجه هؤلاء الهاربون؟ مع العلم أن عددا منهم هم من المرتزقة أو من الهاربين من بلدان أمريكا اللاتينية يقودهم الحلم الأمريكي بالثراء والعمل المريح فإذا بهم وقد رموا بهم في معركة لا يفهمون منها شيئا ولا علاقة لهم بها. وما عليهم الا استغلال وجودهم لسرقة ما غلا ثمنه وخفّ حمله من خلال المداهمات للبيوت أو تفتيش المارة!
ينضاف الى هؤلاء الهاربين العدد المتزايد من المنتحرين الذي أصبح ظاهرة لا يمكن السكوت عنها بين صفوف الضباط والجنود.
إنها لعنة العراق التي لن تبقي أحدا منهم.
ومآلهم جميعهم إما الموت أو الهروب و»الشاطر» من يدفع 350 دولارا ويقلب وجهه في رحاب أرض اللّه، وخلفه شبح عراقي يطارده حتى لحظة موته.
بقلم : عبد الرحمان مجيد الربيعي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.