من الزاوية السياسية واضح كم هي الغيوم الملبدة التي تتجمع في سماء المنطقة، ومن الزاوية النظرية واضحة هي المساعي العديدة المبذولة لتفادي المزيد من الأزمات والحروب، والرابط المحوري بين الزاويتين لا يزال كما من قبل ستين عاما، مستقبل القضية الفلسطينية. تنطلق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وعيون المنطقة مسمرة على نتائجها، بالرغم من كونها واحدة من مرات كثيرة سبقتها مفاوضات مشابهة ولم تنتج ثمارا، لكن الجميع يدرك أن الطريق لفشل المفاوضات هذه المرة سيكون كما اختصره الملك عبد الله الثاني، سقوط منطق ما سمي بالإعتدال العربي والرهان على الولاياتالمتحدةالأمريكية في السياسات العربية من جهة، وتقديم هبة مجانية لدعاة خيار المقاومة والمواجهة الذين يحققون المزيد من التقدم من جهة مقابلة. وكما قال الملك عبدالله الثاني أيضا، إن الخاسرين الكبيرين سيكونان أمريكا وحلفاءها العرب وسوف تكون إيران في مقدمة الرابحين ومعها قوى المقاومة، وقد حجزت تركيا مقعدا مريحا لها على الضفتين، بينما سوريا في موقع مريح مهما كانت النتائج، لكن أين تقف إسرائيل؟ اتبعت إسرائيل منذ البداية وكما هي العادة ديبلوماسية الإبتزاز مع واشنطن والعواصم العربية القلقة من فشل السياسات الأمريكية، فوقفت في صف المنادي علنا بالحرب، وهي البديل المرعب لفشل المفاوضات التي قدمت كآخر فرصة تاريخية لحل سياسي لأزمة المنطقة المحورية وعبرها لسائر ازمات المنطقة، ولأن الحرب هي خيار تل أبيب، كما اقتنعت واشنطن واقتنع العرب معها كما يبدو، فالمطلوب دفع ثمن لإسرائيل كي تنزل عن شجرة الحرب أولا وتقبل التفاوض طريقا بديلا، ثم لا بد من دفع الثمن لها ثانية كي ترضى بتسلق شجرة المفاوضات وتصل فيها إلى خواتيمها. خيار الحرب الذي كان يفترض أن يكون مصدر القلق الذي يجلب إسرائيل إلى التفاوض، بات العصا الإسرائيلية الموضوعة دائما فوق طاولة التفاوض كبديل مريح لإسرائيل وجاهز إذا فشلت المفاوضات، بينما يعلم الجميع في سرهم أن زمن المغامرات الإسرائيلية لم يعد سهلا وسلم الجميع بضرورة القبول بقواعد اللعبة الإسرائيلية، فماذا تريد إسرائيل للنزول عن شجرة الحرب وتسلق شجرة المفاوضات؟ يجيب الإسرائيليون ويردد وراءهم الأمريكيون، المطلوب سقف عربي متواضع للمفاوضات لا يلقي بالحقوق الفلسطينية دفعة واحدة بوجه حكومة بنيامين نتنياهو، المعرضة للإنقسام إذا وضع ملف اللاجئين والقدس فوق الطاولة، فالتأجيل لهذين الملفين يحفظ ماء وجه الجميع وينحصر البحث في ولادة دولة فلسطين الواقعية بدل المؤقتة، أي التي تلائم الواقع الراهن للإستيطان والأمن الإسرائيليين، ولا مانع من تفاوض طويل حول حدودها النهائية، فالمهم احتفالية ولادة دولة فلسطين خلال عام. يدور التفاوض وممنوع أن يتناول شيئا آخر غير كيفية ترتيب جغرافيا متصلة لنواة الدولة على رقعة من جغرافيا الأرض الفلسطينية، بطول مائة كيلومتر وعرض يتراوح بين عشرة وعشرين كيلومترا، لتنطلق الصفارة الأمريكية بإعلان افتتاح الشوط الثاني من رسم الجغرافيا السياسية الجديدة للمنطقة . ماذا تطلب حكومة تل أبيب مقابل هذه الرقعة التي تعتبرها الثمن المؤلم للسلام؟ أول المطالب الإسرائيلية موجه نحو العرب، وهو الإقتناع بأن هذه نهاية السلام واستمرار التفاوض ليس إلا لحفظ ماء الوجه، وأن الخطوة التالية هي إعلان الدخول في حلف عربي اسرائيلي في وجه إيران باعتبارها العدو المشترك لدول المنطقة، كما قالت دراسة لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية حول المفاوضات «إن إسرائيل لا تجهل أن السلام سيضعها والعرب في جبهة واحدة لمواجهة الخطر الإيراني». أما ثاني المطالب الإسرائيلية فموجه نحو الأمريكيين، وهو المباشرة في وضع خريطة ولادة مجموعة من الدول الجديدة في المنطقة، بداعي أن زمن النهاية لملفات الحقوق المؤجلة يحين دفعة واحدة، وأن حصول الشعب الفلسطيني على حقه ببناء دولة يجب أن يتزامن مع نيل الشعوب الأخرى حقوقها المؤجلة. المقاربة الإسرائيلية المغلفة بالدفاع عن حقوق شعوب أخرى، تلقى آذانا صاغية في واشنطن ومضمونها أن العرب يهضمون حقوقا لشعوب أخرى منذ زمن طويل باسم القضية الفلسطينية وأن قيام دولة فلسطين ولو بحقوق مؤجلة يجب أن يتزامن مع نيل هذه الشعوب حقوقها ببناء دولها المستقلة، وهذا يعني قيام دولة جنوب السودان ودولة الأكراد في شمال العراق ودولة في الصحراء الغربية وربما في اليمن أكثر من دولة، وطرح ملف الأقليات كلها في المنطقة، من الأقباط الذين تحرك ملفهم بصورة مفاجئة في مصر إلى لبنان والشغل المستديم على الفتن الأهلية، وما بينهما تداعيات تقسيم العراق الذي لن تقف الأمور فيه عند حدود دولة كردية بل سيتشظى إلى عدة دول تجر معها دولا أخرى في الجوار، من ذات الطبيعة الدينية والعرقية والمذهبية. طبعا من يتوقف امام حجارة «الدومينو» المطلوب تداعيها في هذا المشهد، سيتذكر نظرية الفوضى البناءة التي رافقت شن الحرب الأمريكية على العراق، وسيتبين له أن المسألة ليست مسألة حقوق، بل التعويض عن نقص القدرة الإسرائيلية على شن المزيد من الحروب، بدفع العرب لثمن سلام أغلى من ثمن الحرب وثمن بقاء القضية الفلسطينية عالقة دون حل. وما هو المعروض على العرب؟ أقل من ربع السلام، إذا قبلنا أن قضية القدس وعودة اللاجئين والحدود هي مجرد ملفات مساوية لمجرد قيام احتفالية إعلان دولة اسمها فلسطين، ومعه تغطية موازنات الحروب القادمة لإسرائيل وتكلفتها المادية والبشرية والمعنوية، بدءا من غزة واقتلاع المقاومة منها باسم السلام، ومرورا بلبنان وتصفية حساب تموز 2006 مع حزب الله بإسم المحكمة الدولية، وصولا إلى الحرب الإسرائيلية الكبرى على إيران التي يجب رصد فائض موازنات النفط العربي لتمويلها لأجيال لاحقة، وشراء السلاح من مصانع الغرب لتخديمها، وبناء جدار عداوة يمتد إلى عقود وعقود يرث العداوة الهندية الباكستانية، التي سيتكفل امتداد فالق الفتن الأهلية بتبديدها لتحل مكانها عداوات ودول جديدة، وطبعا سننتبه في السياق إلى أن أحدا لن يكون على ضفة الأمان ولا المقاعد المريحة مع تداعي حجارة «الدومينو» التي لن يبقى أحد بمأمن منها من المحيط إلى الخليج.