الزار يدعو إلى مراجعة التغطية الإجتماعية للمرأة العاملة في القطاع الفلاحي    رسميًا.. برشلونة يعلن إقالة كومان    الجزائر تهدّد وكالة الأنباء الفرنسية بإلغاء تصريح عملها في البلاد    وزيرة المرأة والطفولة تكشف عن إستراتيجيات وزارتها لمكافحة ظاهرة الإتجار بالأشخاص    سليانة: إيقاف عنصر تكفيري بالروحية كان بصدد التواصل مع عناصر تكفيرية داخل وخارج البلاد    الأمطار الأخيرة تكشف عن بقايا 4 هياكل عظمية آدمية بمفترق راس الجبل رفراف..    الجرندي: ما حدث في تونس ليس انتكاسة بل هو تصحيح مسار    سعيد يلتقي رئيسة الحكومة ويطلع على نتائج مشاركتها في قمة الرياض وعلى الوضع العام بالبلاد    بورصة تونس تسترجع نسقها الايجابي مع اقفال حصة الأربعاء    مردود كارثي للاعبين وللمدرب الايطالي    استئناف سير القطارات على الخط الرابط بين تونس وقعفور والكاف والدهماني والقلعة الخصبة    ماذا في لقاء وزيرة الصناعة بوفد عن شركة "Valeo" لمكونات السيارات و"ايني" للمحروقات؟    المهندس خليفة المانع : ستاد "الثُمامة" بتصميمه الفريد جسرا للتواصل بين الثقافات    الكاف: العثور على قذيفة حربية    الطبوبي: لمست لدى بودن رغبة في البحث عن حلول والسعي للنجاح    تصريحات لجورج قرداحي تثير استياء السعودية والامارات وتتبرّأ منها الحكومة اللبنانية    إخلاء محطة قطارات في قلب باريس إثر بلاغ عن وجود قنبلة    إخلاء مقر وزارة الصحة الأمريكية بسبب تهديد بوقوع تفجير (فيديو)    جواز التلقيح سيكون عبر تطبيقة على الهاتف الجوّال دون حاجة الى الربط بالأنترنيت    شيخ تسعيني يعتدي على زوجته بقضيب حديدي    لابدّ من تعزيز التعاون الثنائي بين البنك المركزي التونسي ونظيره الليبي    بنزرت: ايقاف شاب وفتاة قاما بسلب مواطن باستعمال القوة    الشيحيّة صفاقس :ايقاف شخص بتهمة تدليس بطاقات التلقيح الالكترونية    حادث مرور أليم بجرجيس    باجة: جلسة للاعداد للموسم الفلاحي 2021-2022 والاجماع على أن الامطار الأخيرة غيرت مسار الموسم بالجهة    الاتحاد الإفريقي يعلق مشاركة السودان.. وقرار من البنك الدولي    الترجي الرياضي: كوناتي يواصل الغياب.. الجعايدي يغير تمركز العرفاوي.. وشبار يقصي الشتي    اضرام النّار في جزء من أرشيف المستشفى الجهوي بالقصرين    تنفيذ قرارات حجز تجهيزات بث قناة "نسمة" وإذاعة "القرآن الكريم" غير القانونيتين    تصفيات مونديال 2022 : طاقم تحكيم مالي لمباراة غينيا الاستوائية وتونس    القبض على شخص يحمل 550 غراما من "الهيروين" في أمعائه    مستجدات قضية تدليس وثائق إدارية بمندوبية التربية بسيدي بوزيد    عاجل: نشرة محينة جديدة للوضع الجوي ودعوة لليقظة..    شاكر مفتاح ينسحب من تدريب مستقبل سليمان    المنستير: مهرجان دولي للحكاية بمشاركة 1000 تلميذ    ألفة بن رمضان تفتتح تظاهرة أكتوبر الموسيقي بالعوينة    نظرة على السينما التونسية في أيام قرطاج السينمائية .. 32 فيلما و«على خطاوي الحرف» في الافتتاح    الرابطة 1: الترجي يستقبل اليوم النادي الصفاقسي..التوقيت والنقل التلفزي    نابل: تسجيل حالة وفاة و15 إصابة جديدة بفيروس "كورونا"    اورنج تونس تؤكد التزامها بدعم القطاع الفلاحي    جديد الكوفيد .. تدخل حيز التطبيق بداية من اليوم.. إجراءات جديدة للوافدين على تونس    قريبا سينطلق موسم انتاجه وتصديره..زيت الزيتون ثروة ستتضاعف قيمتها إن تم تثمينها    تعليق الدروس بعدد من المؤسسات التربوية بولاية نابل    طقس اليوم: نزول الغيث النافع ورياح قوية    مع الشروق.. حرية الفرد... حرية المجموعة    رقم اليوم: 600 ألف    المختار ذويب (لاعب دولي سابق في النادي الصفاقسي) : ال«كلاسيكو» لا يقبل التكهن ونهائي 71 في البال    المخرج الصربي إمير كوستوريتسا رئيسا للجنة تحكيم المسابقة الدولية بمهرجان القاهرة السينمائي    القصرين: السيطرة على بداية حريق نشب بأحد مخازن اللجنة الجهوية للتضامن الاجتماعي    بعد عملية زراعة كلية خنزير في جسم إنسان: الأزهر يحسم الجدل    أولا وأخيرا / مباشرة من باجة    جرة قلم: ألا في الفتنة ساقطون    مفتي الجمهورية: الواجب الديني والدنيوي حماية المجتمع من الفساد    مفتي الجمهورية يصدر بيانا بشأن الفساد    البرمجة الكاملة للدورة 32 لأيّام قرطاج السينمائيّة    فيديو/ "كمال الزغباني المتوغل".. مداخلة لسيلم دولة في حفلة الحياة    صور/ تونس تُحيي اليوم الذكرى 194 لإنشاء العلم الوطني    التلفزة التونسية تتوج بثلاث جوائز في المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معركة بنزرت، أسرار وشهادات وصور: معركة بورقيبة أم معركة الشعب؟
نشر في الشروق يوم 15 - 10 - 2010

تعرضنا في حلقة أمس الى خفايا وأطوار معركة بنزرت وملابساتها السياسية من خلال استعراض الاوضاع على المستوى الوطني والعربي والدولي والسياق العام والخاص الذي نشأت فيه معركة الجلاء من خلال تتبع كرونولوجي للأحداث ورصد للحظات السياسية المفصلية في معركة تداخل فيها الذاتي بالموضوعي، أفكار بورقيبة بمطلب الجلاء، نوازع بورقيبة وقراءته لطبيعة حكمه بحاجة البلاد الى كنس بقايا الاستعمار. بين هذين المنزعين تشكلت المعركة ونورد اليوم ثلاث شهادات لثلاث شخصيات بارزة وهم على التوالي المؤرخ الجامعي الاستاذ عدنان المنصر والدكتور رشيد الترّاس القائد الميداني لمسيرة النصر مسيرة 18 أوت التي اعتبرها المؤرخون نقطة التحوّل الحقيقية في المعركة إضافة الى شهادة الأستاذ والأديب الكبير رشيد الذوّادي.
الدكتور رشيد الترّاس (أحد رموز معركة بنزرت): كان بالامكان تجنّب الحرب
الدكتور رشيد الترّاس هو واحد من رموز معركة بنزرت وأحد قادتها الميدانيين برز بصورة خاصة في مسيرات 18 أوت حيث حملته القيادة السياسية مسؤولية قيادة المظاهرات في ذلك اليوم التاريخي الذي نجحت فيه جموع المتظاهرين في اختراق الحواجز العسكرية وقطع الاسلاك الشائكة لحمل رسالة الى والي بنزرت. كانت تلك المعركة حلقة من حلقات سلسلة مسيرة هذا المناضل الذي شارك في محطات مضيئة من تاريخ بلادنا... التقيناه فكان هذا الحوار:
دكتور رشيد، لو عدنا بالذاكرة الى معركة الجلاء، نحن الآن في 18 أوت 1961 وقد مضى شهر على وقف إطلاق النار ولكن عادت المظاهرات من جديد وكنت قائد أولى تلك المسيرات، فما الذي حدث سياسيا حتى تغيّرت الأمور؟
لقد تلقيت أمرا من القيادة بضرورة إجراء تحرّك كان ذلك أثناء لقائي بعبد المجيد شاكر لأن مجلس الأمن سينظر في قضية بنزرت يوم 23 أوت. وكان هذا الموقف جديدا لأن قناعة عبد المجيد شاكر كانت تصبّ في اتجاه ضرورة حقن الدماء في بنزرت التي قدمت تضحيات جساما.
إذن بورقيبة هو الذي أعطى الأوامر الجديدة؟
فعلا وجاءت الاوامر من سوسة وقد طلب منا أن نخلق حركة جماهيرية مع توخّي الحذر.
كنت أنت ساعتها مناضلا ورئيس بلدية، كيف تصرفت؟
قمنا بالتعبئة اللازمة وخرجت المظاهرات من أمام سوق الخضر وكانت آخر الكلمات التي قالها لي عبد المجيد شاكر «لدينا معلومات أنهم ربما باش يضربوكم... لذلك عليكم ربح الوقت أقصى ما يمكن». وانطلقت المظاهرات على الساعة الثالثة بعد الزوال وحاولنا تمديدها الى ساعات متأخرة من الليل وقد تواصلت الى صبيحة اليوم الموالي، وكانت الاذاعة تغطي الاحداث بصورة مباشرة وتنقل عملية تحدي القوات العسكرية الفرنسية ومطالبتها بإخلاء الطريق أمام المتظاهرين للتوجّه الى مقر الولاية.
دكتور رشيد هل كنتم على علم بأن الاميرال «أمان» كان يعقد ندوة صحفية في مقره بثكنة سيدي أحمد؟
لا لم نكن نعلم بذلك لقد علمنا بهذا الامر لاحقا ولكن الشيء الوحيد الذي كان في أذهاننا هو ضرورة القيام بمظاهرات وخلق أجواء مناسبة تساعد على مناقشة وضع بنزرت في الأمم المتحدة ولاقتناعنا بضرورة الجلاء.
تبدو في الصورة متقدما على المتظاهرين وتكلم طرفا آخر أمامك، فمن كنت تخاطب وماذا كنت تقول؟
كنت أخاطب قائد الفرقة العسكرية الفرنسية وقد قلت له ما معناه أننا لسنا مسلحين ونحن مواطنون مدنيون نرغب في إيصال رسالة لممثل السيادة التونسية وهو الوالي نعلمه فيها بمطالبتنا بجلاء كافة القوات الفرنسية عن الاراضي التونسية. ولكن القائد العسكري وحتى لما استشار قائده رفض الآخر وفي النهاية طلب منا أن نبقى 10 مندوبين وهو الامر الذي رفضناه وبقينا في ذات المكان نرفع الشعارات ونهتف مطالبين بالجلاء.
الى هنا تبدو القوات الفرنسية مرتبكة ووفق ما علمناه لاحقا فقد كانت لديهم أوامر صارمة بعدم إطلاق النار، فكيف تفاعلتم مع هذا الارتباك؟
لم ننسحب ولم نرضخ وفي الساعة 12 ليلا جاءت الاوامر الجديدة فقد كلمني عبد المجيد شاكر وطلب منا خرق الاسلاك الشائكة، وأذكر أنني استنجدت بسائق شاحنة بلدية وكسرنا الحواجز.
سي رشيد، يرى البعض أن معركة بنزرت كان يمكن تفاديها فهل أنت مع هذا الرأي أم أنك تخالفه؟
لديّ إحساس عميق بأنه كان يمكن تفادي تلك المعركة وتفادي إزهاق الارواح فيها وذلك لأن موجة الاستقلال بدأت تعمّ في العالم بعد اقتناع الغرب بحق الشعوب في تقرير مصيرها كما أن لقاء بورڤيبة مع «ديغول» في «رومبويي» كان لقاء مطوّلا وهو ما يعكس رغبة فرنسا في الوصول الى اتفاق حول بنزرت خصوصا وأنها كانت تربط ذلك بخروجها من الجزائر. كما أن «ديغول» نزّل بورڤيبة مكانة لائقة فقد أسكنه في نفس القصر الذي أقام فيه «كنيدي» و«خروتشوف» وبكلمة كان ديغول يعوّل على بورڤيبة في إظهار أن منح الشعوب استقلالها أصبح حقيقة... ولكن حصل ما حصل وقرار المعركة اتخذه بورڤيبة رغم معارضة الكثيرين. لقد كانت معركة الجلاء ضرورية ولكن الخسائر كانت أكبر من أن نقدر على استيعابها، كما أن ضعف تسليح قواتنا يجعلنا اليوم وبعيدا عن حماس المعركة نقول إنه ربما كان من الممكن تفاديها.
المناضل والمؤرخ الأستاذ رشيد الذوادي: معركة بنزرت معركة شعب
رشيد الذوادي هو أديب وكاتب له مؤلفات عديدة وكتب عن بنزرت مسقط رأسه الكثير وكان من أول الكتاب الذين أرّخوا لمعركة الجلاء من خلاله مؤلفه «بنزرت أرض البطولات» صحبة محسن حجي الصادر عام 1964. ولهذا الكاتب المتجذر في بيئته التونسية انتاجات وافرة واهتمامات فكرية وولوع بالتنقيب عن مآثر الرجال، كتب عن المصلحين وقادة الكفاح التونسي.. التقيناه في هذا الحوار لتسليط الأضواء على معركة بنزرت وهو الذي كان واحدا من الذين عايشوا ويلاتها وواحدا من الذين كتبوا عنها بالاعتماد على شهادات السياسيين والقادة الميدانيين إضافة الى أنه فقد أحد أشقائه في معركة الجلاء، التقيناه فكان هذا الحوار:
بوصفكم كاتبا مغرما بإظهار الحقائق، فكيف ترون معركة بنزرت عام 1961؟
شخصيا أرى أن ما جرى في بنزرت عام 1961، هو (معركة) وليست بحرب البتة!.. فالحروب بين قوتين متكافئتين.. وما جرى في بنزرت، هو من قبيل الاعتداءات والجرائم البشعة على شعب أعزل وعلى دولة ناشئة ترنو الى تحرير أرضها، لذلك ينبغي أن نقول: هي (معركة) جابهنا فيها مستعمرا باغيا وجاثما على أراضينا، وكان يودّ التوسّع في أراضينا، وكانت خسارتنا جسيمة في هذه المعركة وبالخصوص في صفوف المتطوعين من المدنيين.. وتلك هي احدى الاشكاليات الحاصلة فيها.
وقد كتبت في كتابي «بنزرت أرض البطولات» الذي أشرت إليه ان هؤلاء المتطوعين الشجعان «قدم الاخوان المتطوعون لمعركة الجلاء عن بنزرت من كل صوب وحدب.. وكيف لا والوطن واحد لا يتجزّأ وبنزرت منه؟ قدموا، وفي قدومهم أداء لواجب عليهم نحو الضمير، ونحو اللّه، ونحو الوطن والعباد.. كانوا شبانا تتراوح أعمارهم بين الثمانية عشر وثلاثين عاما.. كانوا مختلفي المشارب والمهن فيهم الموظف والتاجر والطالب والفلاح و.. غير أنهم وحّدت بينهم كلمة واحدة، وساروا في صعيد واحد نحو هدف واحد..».
إذن!.. فقد كنا في هذه المرحلة: (الكلّ في واحد) وجمعنا الهدف الواحد، وتلبية نداء تحرير الأرض.
في رأيكم هل كانت معركة بنزرت معركة بورقيبة أم معركة شعب مع المستعمر؟
(معركة بنزرت) كغيرها من المعارك الجهادية، جسّدت طموح التونسيين في الاستشهاد والبذل والتضحية، وواكبت أحداثها، وتضرّرت عائلتنا فيها، حيث فقدنا أخي الشهيد محمد الحبيب الذوادي، الذي استشهد حرقا ب(النبالم) يوم 22 جويلية 1961بجهة السجن المدني ببنزرت، وكان مربيا ويستعد الى الذهاب الى العراق لاستكمال دراسته (دار المعلمين العليا بها)، ولولا المعركة لما تغيرت حياته، وفقدت والدتي بصرها بسبب هذا الاعتداء بالطائرات على المجاهدين في معركة غير متكافئة وقتئذ وبشهادة الصحافة الفرنسية نفسها ومنها: «باري ماتش» الصادرة يوم 5/8/61 وشهداء كثيرون ماتوا في معركة بنزرت من أبناء قفصة، والرديف وبنزرت ونابل والقيروان وباجة والقصرين ومدنين وغيرها من الجهات وكنت أثريت كتابي الذي أشرت إليه سابقا بأسماء الشهداء من أبناء بنزرت، ومن أبناء جميع الجهات التونسية العديدين منهم فالمعركة اشترك فيها الجميع وكان أبناء بنزرت وشهداؤها في الخطوط الأمامية، ومازلنا معتزين بهذا الموقف الشجاع كمناضلين في جهة بنزرت! رغم تعدد القراءات لهذه المعركة ولأسبابها ولظروفها وحسب اتجاهات المؤرخين ورؤاهم الفكرية والسياسية.
فالمشهد العام في تلك المرحلة يثبت تعلق التونسيين بالجلاء وتونس في جميع مدنها عمتها المظاهرات والكل كان يهتف بالجلاء!.. والزعيم بورقيبة، وقادة الديوان، والوزراء والصحفيون وأعضاء مجلس الأمة كانوا كلهم أيدوا قرار التصدي في هذه المعركة التي أعلن عنها الزعيم من (منبر مجلس الأمة)، وقتئذ ولم يعارضه أحد أو اقترح شيئا آخر وأنا شخصيا أراها كغيرها من المعارك، خاضها المجاهدون من أجل التحرير حتى وإن بدا في تلك الفترة بعض القلق والتذمرات أمام هول ما حصل من خسائر بشرية جسيمة في الأرواح، وبدت أسئلة خافتة تلوح بأسئلة ك:
لماذا المعركة في هذا الوقت بالذات؟..
وما الغاية منها؟.. ومؤتمر دول عدم الانحياز..
وبدأت بعض الأصوات ترتفع من هنا وهناك خصوصا بعد اغتيال الزعيم الكبير صالح بن يوسف بعد أسابيع قليلة من انتهاء المعركة (صائفة 1961) وكم وددت ألا تقع تصفية المناضلين بهذا الشكل، لكن كانت بين تفكير الزعيمين رحمهما الله مسافات، ووجهات نظر مختلفة منذ أن أعلن المناضل صالح بن يوسف أن الاتفاقيات (هي خطوة الى الوراء) في خطابه الشهير في (جامع الزيتونة)، وشخصيا كنت من بين الحاضرين في ذلك الاجتماع مع الطلبة، وخطب فيه كل من صالح بن يوسف وأحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري وقتئذ، وقد كان اجتماعا عظيما حضره عشرات الآلاف من الطلبة والمناضلين والدستوريين على وجه الخصوص.
فمعركة بنزرت، أراها معركة حاسمة جسدت حبّ التونسيين لوطنهم، وتطوع فيها حتى (اليوسفيين) بوصفهم وطنيين وكان الوطن يحتاج للجميع، حتى وإنّ تعدّدت قراءاتهم ورؤاهم في أسباب المعركة.
هل كانت «معركة بنزرت» ضرورية؟
٭ بقلم: عدنان المنصر (مؤرخ جامعي)
تمثل «معركة بنزرت» علامة فارقة في تاريخ حركة التحرر من الاستعمار (في تونس)، ذلك التحرر الذي لم يتحقق باكتمال الاستقلال عبر بروتوكول 20 مارس 1956. كلما ابتعدنا عن الزمن الذي تمت فيه تلك الأحداث كلما اختلط الأمر في أذهان الأجيال التي لم تعايشها، هذا طبيعي. من الضروري الإشارة هنا إلى أن الاستقلال التام لتونس لم يتم عبر المرحلتين المعروفتين اللتين حددتهما اتفاقيتا الاستقلال الداخلي والاستقلال التام، وإنما أيضا عبر مرحلة الجلاء العسكري ثم الجلاء الزراعي. أبقت اتفاقية الاستقلال التام على وضعية مخلة بسيادة الدولة التونسية الناشئة حيث تعهد فيها الحكم الجديد بالمحافظة على المصالح الفرنسية بالبلاد التونسية، وأهم تلك المصالح كانت عسكرية وعقارية، في مقابل مساعدة الدولة الفرنسية المالية والتقنية والاقتصادية. فعلى المستوى العقاري أصبح بإمكان المعمرين الفرنسيين البقاء بتونس ومواصلة استغلال الأراضي التي تحصلوا عليها في الفترة الاستعمارية بكامل الضمانات من جانب السلطة الجديدة. أما على المستوى العسكري فقد احتفظ الفرنسيون بوجود عسكري في عدة مواقع من البلاد كان أهمها على الإطلاق قاعدة بنزرت العسكرية البحرية والجوية.
من ناحية إستراتيجية بحتة كانت بنزرت تمثل حاجة أكيدة للفرنسيين ولحلف شمال الأطلسي على السواء. فبالنسبة إلى فرنسا كانت هذه القاعدة تشكل نشاط إسناد بالغ الأهمية للقوات العسكرية الفرنسية المنخرطة في حرب شديدة العنف بالجزائر. أما من ناحية الحلف الأطلسي فقد كانت بنزرت إحدى أهم المحطات على الطريق بين مضيق جبل طارق وقناة السويس، وقاعدة بحرية تسيطر على مضيق صقلية التي كان بإمكان السفن المنطلقة منها إغلاقه، إضافة إلى كونها كانت مركز تنصت مكلف بحماية أوروبا والمتوسط من أية هجمات واسعة النطاق للمعسكر الشيوعي، في إطار الحرب الباردة. كانت بنزرت إذن عقدة رئيسة في جملة من التوازنات الإستراتيجية الإقليمية والدولية وقد حددت ظروف بعينها تطور الوضع فيها من قاعدة هادئة يقبل التونسيون باستمرارها بيد الفرنسيين على مضض، إلى ساحة معركة شديدة سقط فيها عديد التونسيين واستعملت فيها أسلحة متنوعة وكانت لها لاحقا انعكاسات هامة على الساحة الداخلية والدولية.
الظرف الفرنسي: أسباب تشدد الفرنسيين في التمسك بالقاعدة
مثلت المشكلة الجزائرية العنصر الأساسي في الظرف الفرنسي الذي شهد اندلاع أزمة بنزرت. في سنة 1961 قطع حل المشكل الجزائري أشواطا هامة غير أن ذلك لم يضع حدا للقتال الدائر مع الثورة الجزائرية وللصراع الداخلي الفرنسي حول الاتجاه الواجب على فرنسا أن تتبعه تجاه هذا المشكل. ففي 8 جانفي 1961 وقعت الموافقة على منح الجزائر حكمها الذاتي عبر استفتاء نظم في وقت متزامن في فرنسا والجزائر صوتت فيه الأغلبية لصالح توجه شارل ديغول. غير أن معسكر الغاضبين سينتفض على هذا التوجه عبر تمرد الضباط الأربعة بالجزائر واستيلائهم على مقاليد الأمور منذ 17 أفريل 1961 .
الظرف الإقليمي والدولي: البقاء في بنزرت حاجة أطلسية ودولية
شهدت الساحة الدولية في هذه الفترة حركية غير مسبوقة في إطار الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي. أصبحت لهذا الصراع أبعاد أخرى بتزامنه مع انطلاق آخر حركات التحرر في إفريقيا بالخصوص، ومع أكبر أزمات السياسة الدولية في هذه الفترة. يكفي للتدليل على ذلك ذكر نموذجين عن التوترات التي صاحبت معركة بنزرت وهما عملية الإنزال التي قامت بها القوات المعارضة لحكم فيدل كاسترو بكوبا بمساندة أمريكية (خليج الخنازير في 17 أفريل 1961) وعملية اعتقال واغتيال الزعيم الوطني باتريس لوممبا في الكونغو على يد خصومه المدعومين من القوى الاستعمارية وخاصة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (17 جانفي 1961). وضعت الأزمتان العالم المندفع نحو التحرر من الاستعمار في مواجهة جديدة مع القوى الاستعمارية (القديمة والجديدة) على أرضية من الصراع الإيديولوجي والاستراتيجي بين المعسكرين المتعاديين. من ناحية الظرفية الدولية كانت حرب الجزائر إحدى هذه المحطات في الصراع بين الطرفين، خاصة وأن الحلف الأطلسي بدعمه لفرنسا ضد الوطنيين الجزائريين، قد دفع بالثورة الجزائرية في أحضان المعسكر الاشتراكي إذ اعتبرت حركتها إحدى أعظم حركات التحرر الوطني في العالم المعاصر. لم يكن مسموحا، بمنطق التوازن الإستراتيجي أيضا، أن تفلت بنزرت من السيطرة الأطلسية بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر (التي كانت تقدم أكبر سند للجزائريين)، خاصة وأن مسار الوضع في الجزائر كان غير مضمون العواقب.
الظرف التونسي
على المستوى المحلي كانت تونس في وضعية من عدم الاستقرار نتيجة احتداد المطالبات الشعبية باستكمال السيادة على كل التراب الوطني. على المستوى الرسمي والشعبي كانت تونس سندا سياسيا ولوجستيا للثورة الجزائرية ومقرا لحكومتها المؤقتة وقاعدة خلفية للمجاهدين، وهو أمر يتناقض مع بقاء قوات فرنسية على ترابها، قوات كان لها دور رئيسي في إسناد العمليات ضد الثورة الجزائرية. كانت ست سنوات من عمر الاستقلال كفيلة، في مناخ من الأزمة الاقتصادية، بإصابة الدعاية الوطنية ببعض الإرهاق خاصة مع وجود خصوم لم تقض عليهم المحاكمات والإعدامات. كانت الحكومة الوطنية محتاجة إلى الحفاظ على موقعها المتقدم في حركة التحرر من الاستعمار، وهو ما أكد عليه بورقيبة في لقائه بالجنرال ديغول في 27 فيفري 1961، ذلك اللقاء الذي أسال حبرا كبيرا وكان انتهاؤه دون اتفاق فاتحة مسار من سوء الفهم الدموي بين البلدين. على مستوى سياسي كان بورقيبة في حاجة أكيدة للخروج من موقع الولاء لفرنسا الذي وضعه فيه خصومه على الساحة الدولية والعربية، وكان تحقيق ذلك يمر حتما عبر عمل قوي يجدد شرعيته كمعاد للاستعمار وكزعيم بلا منازع للتونسيين الذين كانوا عرضة لدعايات عابرة للحدود. مثلت مصر عقدة العمل الدعائي ضد بورقيبة الذي انتقل إلى منظمة عدم الانحياز ليحاصر الحكومة الجديدة ويدفع بها إلى نوع من العزلة التي كان يتوجب إيجاد طريقة للخروج منها. ورغم محاولة بورقيبة الأخيرة إجراء مصالحة مع الزعيم صالح بن يوسف عبر لقائه به في زوريخ في 3 مارس 1961، فإن موقفه وموقف حكومته ظل حرجا على الساحة الدولية: كانت هناك حاجة إلى عمل ما يجدد شرعية الحكومة الوطنية، ويحقق قبولا أفضل في الساحة الدولية، غير أن الأفق كان مغلقا أمام تحقيق ذلك بطريقة ديبلوماسية بسبب تمسك الفرنسيين بقاعدة بنزرت ومساندة حلف شمال الأطلسي لها في ذلك. في الوقت نفسه لم تكن الدولة التونسية قادرة على تحمل تكلفة حرب مع الفرنسيين لضعف موقفها العسكري من ناحية ولعدم إيمان الزعيم بورقيبة بالمواجهة العسكرية لحل إشكال مماثل.
«معركة» أم «حرب» بنزرت؟
تلك هي الظرفية التي حكمت بالتوجه نحو ما بات يعرف بين التونسيين بمعركة بنزرت أو بحرب بنزرت. وفي الحقيقة فقد اتخذ مسار الأحداث نسقا تصاعديا سريعا منذ بداية الصائفة المذكورة إن على المستوى الديبلوماسي أو الوطني. وقد ترجمت عن ذلك حركية مبعوثين بين البلدين حاول من خلالها كل من التونسيين والفرنسيين تحقيق أهدافهما دون مواجهة عنيفة، ولكن مع وضع الصدام في دائرة المتوقع. بالتوازي مع ذلك شرعت الحكومة عبر أجهزتها، وخاصة عبر النشاط الحثيث للهياكل الحزبية، في تعبئة الرأي العام الوطني من أجل «تطهير الوطن من آخر جندي فرنسي». أعطى الفرنسيون الذريعة المطلوبة لذلك، عن طريق قرار توسيع ممر هبوط الطائرات بقاعدة سيدي أحمد الذي أعلنه الأميرال أمان في 4 ماي 1961. من ناحية عسكرية كانت عملية التوسعة ضرورية من أجل تهيئة القاعدة لاستقبال طائرات حربية جديدة أكثر فاعلية وأبعد مدى، غير أنه كان للتونسيين رأي آخر. فقد اعتبرت الحكومة انطلاق الأشغال خرقا جديدا للسيادة التونسية، وقررت أن تمنعها عن طريق حفر خنادق حولها وبناء جدران في محيط القاعدة، وهو ما اعتبره الفرنسيون بداية لعملية حصار لا يمكن السماح بها دون أن تهتز صورة فرنسا الدولية. كان ديغول في وضعية مشابهة لبورقيبة، على مستوى الصورة العامة لحكمه والتحديات التي كانت تواجه احتفاظه بإشعاعه إزاء حالات التململ الداخلي. فمثلما كان بورقيبة في حاجة إلى عمل يعيده إلى واجهة حركة المعاداة للاستعمار، كان ديغول يواجه معارضة تتهمه بالتفريط في السيادة والكرامة الفرنسيتين من خلال سياسته الجزائرية، ولم يكن مطلقا في حاجة إلى أزمة جديدة تبرزه في حالة ضعف إزاء خصومه المتربصين به.
على المستوى الوطني، وبالرغم من أن أقصى ما كان يطالب به التونسيون رسميا هو فتح مفاوضات مع فرنسا حول مستقبل القاعدة، فإن حالة الحماس الشعبي الميداني والرغبة في التحدي قد دفعت الزعيم بورقيبة نحو منطق المعركة التي كانت في الأصل سياسية وليست عسكرية. وقد أعطى الحزب الدستوري وكذلك مجلس الأمة دفعا جديدا لهذا المسار الأول من خلال تعبئة المناضلين والمتطوعين ودفعهم نحو بنزرت بعد مطالبة المكتب السياسي للحزب في جلسة 4 جويلية 1961 بالجلاء التام والعاجل عن بنزرت، والثاني من خلال إعطاء الغطاء الشرعي للسير نحو الصدام في جلسة 17 جويلية 1961.
على المستوى الشعبي، كانت حالة التعبئة في أقصاها. توافد آلاف التونسيين من مختلف الأعمار والمناطق نحو بنزرت، مسلحين بكثير من الحماس وبقليل من العتاد. ما تجدر الإشارة إليه هو أنه رغم مطالبة المتظاهرين بالأسلحة فإن الحكومة لم تفعل أي شيء لتحقيق ذلك، ليس فقط لأن إمكاناتها التسليحية لم تكن تسمح لها بالاستجابة، ولكن بالخصوص لأنها كانت تعرف أن المعركة سياسية بالأساس، وأن معركة تقليدية بين جيشين لم تكن في دائرة تصورها. كان الأمر يتعلق بالصورة التي يراد نقلها إلى كل الأطراف الإقليمية والدولية، وخاصة على الأمم المتحدة: شعب أعزل لا يطالب سوى باستكمال سيادته الوطنية، يقاوم واحدة من أعتى القوى الاستعمارية بايد فارغة وصدور عارية، وجيش يحمل على كتفيه وزر تاريخ أسود من القمع الاستعماري يستعمل ضدهم كل ترسانته العصرية من طائرات ومظليين وأسلحة ثقيلة. وبالفعل فإن تلك الصورة هي ما سيرسخ في الأذهان بعد مواجهات بنزرت، التي لم تكن معركة ولا حربا، بل مجزرة حتمت الوصول إليها ظرفية متشابكة العوامل ومتداخلة التأثيرات. كانت المواجهة حتمية في ظل تلك الظرفية، وحاجة الجميع إلى استعادة زمام أمور بدأت في الإفلات. غير أن انعكاساتها ستكون بمثل خطورة الظرفية التي أدت إليها.
لقد فتح الانتصار الديبلوماسي الذي حققه بورقيبة في الأمم المتحدة ضد فرنسا واهتزاز صورة هذه الأخيرة أمام الرأي العام الدولي بشكل أكبر مما حصل غداة قصف ساقية سيدي يوسف في فيفري 1958، فتح المجال له للعودة إلى قيادة صف التحرر من الاستعمار. غير أنه سيفتح المجال أيضا لتدعيم حكمه الفردي عن طريق المضي قدما في إقصاء أشد خصومه من ساحة المعارضة عبر تنظيم عملية اغتيال الزعيم بن يوسف في ميونيخ في نفس السنة، أقل من شهر بعد «معركة بنزرت» (12 أوت 1961). في مقابل ذلك، ستؤدي طريقة إدارة المواجهة وعملية الاغتيال المذكورة إلى بناء تحالف موضوعي بين أطراف لم يكن هناك ما يجمع بينها أصلا في السابق (عسكريون، مقاومون سابقون، معارضون يوسفيون) من أجل الإعداد للإطاحة بحكم الزعيم بورقيبة، تلك المحاولة التي أدى فشلها إلى زيادة انغلاق النظام البورقيبي على نفسه ووضعه حدا لجميع أشكال التعددية السياسية بالبلاد.
من منطلق تاريخي إذن، كانت مواجهة بنزرت نتيجة حتمية لجملة من الظروف، غير أنها ستكون هي الأخرى منطلقا لتطورات دراماتيكية على طبيعة نظام الحكم وعلاقة السلطة بخصومها ومعارضيه. يجعل ذلك من بنزرت 1961 عقدة من أهم عقد تاريخ تونس المستقلة ونقطة التقاء الظرفية الداخلية بالظرفية الإستراتيجية الإقليمية والدولية في مناخ من الأزمة الداخلية والحرب الباردة.
معركة بنزرت معركة شعب
المناضل والمؤرخ الأستاذ رشيد الذوادي
ومن يقف أمام صور البطولات يرى كم كان الشعب متعلقا بوطنه في تلك المرحلة التاريخية، وقد حرصت مع أخي محسن حجي في كتابنا: «بنزرت أرض البطولات»، أن نصف ما جرى في أيام المعركة وأن ننوه بأبطالها وشهدائها وكان من بينهم: محمد العربي النفطي وهو من الحرس الوطني، والشاذلي عياد وهو من كبار ضباط الحرس الوطني، والكومندان محمد البجاوي قائد المدفعية التونسية المعروف. وقد أبلى البلاء الحسن في المعركة واستشهد يوم الجمعة 21 جويلية وهو يقاتل ومحمد الحبيب الذوادي وهو مربّ فاضل وتحمل مسؤوليات في شعبة الطلبة وفي نادي المراسلة وفي اتحاد الطلبة والكشافة وغيرهم: محمد العياري وعثمان التليلي وعمر العمامي وإدريس التوج وحبيبة جبالية وعثمان النجار وعلي بن صالح الجميعي والمكي بن حمدة فليس والهادي شلوف ومحمد الطيب قناوة وعزالدين الحناشي والأخ عريفة من منزل جميل وخليفة المرزوقي (من رمادة) وأحمد سهلاوي من (سيدي عمر بوحجلة). كما نوهنا بأسماء أكثر من مائة وخمسين شهيدا من (شهداء المعركة) واصفين دورهم وبطولاتهم في تلك الأيام العصيبة.
بحيث كنا نرى أن المعركة هي (معركة شعب) وقاد مسيرته الحبيب بورقيبة وتوّجت بالنصر، إذ فتحت مفاوضات يوم 27 ديسمبر 1961 بروما بين تونس وفرنسا. كما تم في يوم 15 جانفي 1962 افتتاح محادثات بين السيدين الباهي الأدغم كاتب الدولة للرئاسة والدفاع الوطني و«دوبري» بقصر (ماتينيون) بباريس. وتقرّر إجراء مقابلة في جويلية.
وبالفعل تم إجراء مقابلة جديدة في 19 جويلية 1962 بين المناضل الباهي الأدغم وبين رجال الحكم في باريس وفي مقدمتهم الجنرال ديغول..
ويعود الباهي الى تونس ويصرخ في المطار: «إنّ معركة بنزرت قد ربحناها»، ثم أعلن الرئيس بورقيبة يوم 4 أكتوبر 1963 أمام مجلس الأمة أن جلاء الجيوش الفرنسية عن بنزرت قد حدّد ليوم 15 أكتوبر من تلك السنة وكان بالفعل خروج آخر جندي عن بنزرت في ذلك التاريخ.
أوليس في كل هذا ما يثبت بعد الفكر التونسي، فلم لا نعير أهمية لفكرنا؟..
إن قضية الجلاء هي قضية شائكة وقديمة.. وبدايتها تعود الى 8 فيفري 1958 يوم بداية الاعتداء على (ساقية سيدي يوسف) وتواصلت فيما بعد، فيوم 19 جوان 1958 تمّ إبرام اتفاق مع فرنسا حول جلاء جيوشها عن البلاد مع إجراء مفاوضات فيما بعد على (قاعدة بنزرت). وفي يوم 17 فيفري 1959 تعلن الحكومة التونسية أنها تقبل بقاء الجيوش الفرنسية في بنزرت على أساس أن يكون البقاء لمدة معينة بشرط أن تتعهد فرنسا في مقابل هذا بوضع حدّ للحرب الجزائرية، ثم في يوم 25 جويلية 1960. أعلنت تونس عن بداية معركة بنزرت وحددت لذلك أجلا وهو يوم الثامن من فيفري ذكرى الاعتداء على الساقية غير أنه وقع تأجيل المعركة مجاملة لفرنسا نظرا لما كان يهدّدها من أخطار بسبب القلاقل التي أحدثها المتطرفون الاستعماريون الى أن جاء يوم 1 جويلية 1961 وعلمت السلطات التونسية بالأعمال التي تقوم بها (الاميرالية الفرنسية) ببنزرت للتمديد في طول مساحة أرض القاعدة وتوسيعها دون إعلام الحكومة التونسية في هذا الشأن.
وكان من جراء هذا أن بحثت (قضية الجلاء) في محادثات أعضاء الديوان السياسي في اجتماعهم يوم 3 جويلية. وفي نقاشات أعضاء الحكومة يوم اجتماعهم في يوم 5 جويلية، وتقرّر أن يحمل مدير الديوان الرئاسي عبد اللّه فرحات رسالة من بورقيبة الى (الجنرال ديغول).
واستقبل المرحوم عبد اللّه فرحات من طرف موظف في وزارة الخارجية واقفا، ولم تراع التقاليد الديبلوماسية وكان ما حصل في هذه المعركة من بطولات شعبية ومن مآسي حزينة وخسائر في الأرواح.
صحيح كانت الخسائر البشرية، كبيرة وتحملت عائلات الشهداء الكثير من العذابات، لكن يبقى الفضل كل الفضل لهؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل استرجاع الكرامة وتطهير الأرض من الدخلاء..!
إلى شهداء 15 أكتوبر
شعر عادل معيزي
بهوائه.. أُكْتُوبَر العَذْب النّقِيّ
بهوائه يَتَزاحَمُ الّلمَعانُ في..
حُرّيَتي
أمْشي على فَصْل الخَرِيف
لِسَاعَتيْن قَصيرَتيْن
أظلّ أمشي..
فوق خَشْخَشة الوُرَيْقات الطَرُوبَة
زَاهِيًا مُتَرَنِّمًا
مترنّم مَطرُ الصّباحِ بمشيتي
مُتَرَنّم مَطر المساء، بِأغنياتي السائحات،
الذائعاتِ الرائعاتِ
وأغنياتي السابحاتِ
الصاعقات الراحلات إلى الجحيم،تَرَنّما
لَكَأَنَّها كأسَاتي المَلأَى بماء النرجس المُبْتَلّ بالبحر الغريق
إذا أطلَّ مَع الرّؤى مُتَيَمّما
بهوائه.. أكتوبرُ العَذبُ النّقي
بهوائه البَحْريّ يَلْثُمُ راحتي
ويُؤَجّج الشوقَ الكَفيفَ
إلى نونِ الكتابَةِ
أو إلى الذكرى إذا جَاءتْ مع الأمواجِ
أمشي في لِسان البَحر مُعتَرضا رُطوبة نهدها
مُسْتَسْلما لِمَشاهد الخِلْجان تَحْضُن خصرها
ومُواجِهًا مُسْتَودعَ الرّيحِ التي
تَرْمي إلى الغَيْبِ- الذي هُو حَاضري-
بخصائلي
ترمي إلى غَدها غَدي
أرنو إلى أطياف منْ يرنو إلى أطيافها
تَأتي إليّ، بِزيّ كَاهنَةٍ تطوفُ بمنْ
تَطُوفُ بها مَلائِكَة الدُّنى
أدْنُو قَليلا مِنْ رَصيف راجِفٍ
أو رُبّما المَوْجُ الحَصيفُ
يَرُجُّ في تَهْلِيلَة قَرْنِيَّتي فَيَرُجُّني
لَكَأَنَّنِي أُصْغي إلى قَرْطاجَ
من غَفَواتِهَا تَصْحُو
على صَوْتِ القَواربِ وهي تَنْأى
في عُبَاب البحْرِ نحو بِحَار قَرْطاج القديمةِ
أو تَعُودُ إلى سَواحِلِ «قُورْدَانِيوس» مُحَمَّلاتٍ
بالجواهِرِ والضّيَاءْ
بِهَوائِه
وصَبَاحِه
وشمُوسِه
أكتوبر الرطب البهيّ
بهوائه سأظلُّ أحْلُم مَنْ سيحلُمُ بالهواءْ
وبصوتها يأتي إليّ معَ الرّياح بَهَاؤُهُ
ومُغَمّسًا في المِلْح يَأتي بالصّواري
حَوْلهَا الفِضِّيُّ يَنْهَضُ رَاجِفا زَبَدَا
بِفِتْنَتِه سَأمضي رَاهبا مُتَرنّما،
أَبَدَا
برَنَّته سيمضي حالماً بي
زاهياً أسمو غداً
وغدا بِرَنّتِه سَأمْضي حَالما مُتَيَمِّما، مَطرُ المساءْ
بِضِيائِه..
أكتوبَر الرّطْب النّدِيّ
بضيائِه الأَزَليِّ
سَوْف يَظلّ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.