رئيس بوركينا فاسو النقيب إبراهيم تراوري: "انسوا الديمقراطية لأنها مضرة وليست لنا"    رضا الشكندالي يحذّر من تواصل تراجع الاستثمار في تونس منذ 2011    كوريا الجنوبية "تتأسف" لكوريا الشمالية بعد واقعة المسيّرة    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    في اليوم ال38 من الحرب ... رؤوس متفجرة تسقط في حيفا في ظل مفاوضات "الفرصة الأخيرة"    أكسيوس: الوسطاء يبذلون جهودا أخيرة للتوصل إلى وقف إطلاق نار في إيران لمدة 45 يوما    انتخاب هشام العجبوني أمينا عاما للتيار الديمقراطي    ترامب يحدد الساعة والدقيقة "لتفجير كل شيء" في إيران    سليانة: قافلة صحية مُتعددة الاختصاصات تُقدم خدمات مجانية للمرضى    خلال يومين: هذه حصيلة تدخلات الوحدات الأمنية للتصدي للاحتكار والمضاربة    كيف تتحكَّم في شهيتك بسهولة؟ 7 حيل فعَّالة يومية    الاسعد عطيّة يتوّج بالجائزة الأولى ضمن أولمبياد "التطريز على الجبة الرجالية "    بطولة اتحاد شمال إفريقيا لكرة القدم لأقل من 17 سنة ..المنتخب المغربي يحقق التتويج بالعلامة الكاملة    مؤشرات طيّبة ..أغلب سدود جندوبة والكاف تجاوزت 100 %    سيدي علي بن عون .. يوم مفتوح للجمعية التونسية لقرى الأطفال س.و.س    جمال لا يرى    نظّمها النجم الرياضي بحلق الوادي وحَضرها نجوم كرة السلة ... ... «سهرة الأساطير» ستَظلّ في البال    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    محافظ البنك المركزي ووزير الاقتصاد يشاركان في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين    عمليات نوعية في جراحة القلب والشرايين: الطبّ التونسي يتألّق في نواكشوط    ظهرت في أغنية كورية لثوانٍ.. ابنة أنجلينا جولي وبراد بيت تشغل التواصل    الاتحاد المنستيري يتوّج بلقب بطولة كرة السلة    طبيب مختص: قريبا اعتماد الأوكسيجين المضغوط في تأهيل مرضى الجلطة الدماغية    هل تساعد البذور على خفض سكر الدم؟ إليك 5 خيارات مفيدة    ورشة عمل تشاركية حول إحياء القرية البربرية الزريبة العليا يومي 18 و20 أفريل    تحت عنوان "ذاكرة و عُبور" الدورة 30 لصالون صفاقس السنوي للفنون تحتفي بالفنان باكر بن فرج    الإدمان على التلفون والألعاب الالكترونية: خطر صامت على صحتك النفسية...كيفاش؟!    بطولة مونزا للتحدي للتنس - معز الشرقي يستهل مشاركته بملاقاة السويسري ريمي بيرتولا لحساب الدور السادس عشر    الرابطة المحترفة الأولى: النادي الافريقي يتقاسم الصدارة مع الترجي    عاجل/ إسرائيل تقصف مطاراً في ايران.. وانفجارات في مدينة كرج..    فخر تونسي كبير: أطباء تونس ينقذون تلميذة من الموت بعملية دقيقة    قرار جديد في دقيق الخبز ومنظمة إرشاد المستهلك ترحّب بالفكرة    نابل: استثمار تركي بقيمة 5 ملايين دينار لتشغيل 1000 شاب في قطاع النسيج    نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي بلغت 5 بالمائة خلال شهر مارس    توزر: افتتاح المشروع الثقافي "ستار باور" بدار الثقافة حامة الجريد ضمن برنامج "مغرومين"    غداً: آخر أجل لخلاص معلوم الجولان لسنة 2026    خبر يفرّح التوانسة: بشائر الخير مازالت متواصلة في أفريل    تستدرج الشبان عبر "فيسبوك" وهذا ما تفعله بهم: تفاصيل الإطاحة بفتاة تتزعم عصابة بمنوبة..#خبر_عاجل    8362 مكالمة في 3 شهور: التوانسة يحبّوا يعرفوا حقوقهم الجبائية    بن عروس : حوالي 700 متسابق يشاركون في النسخة الثانية من التظاهرة الرياضية " نصف ماراطون " الخليدية    مفاجأة: دراسة علمية تكشف..عنصر رئيسي يجعل البكاء سبباً لتحسين مزاجك..    المركز الجهوي لتقل الدم بصفاقس ينظم يوما مفتوحا للتبرع بالدم يوم 8 افريل 2026 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للتبرع بالدم    تحيل على العشرات من الضحايا: القبض على منتحل صفة مسؤول..وهذه التفاصيل..    عاجل/ تعرض منشآت للطاقة ومقار حكومية في الكويت لهجمات إيرانية..    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    أحكام بالسجن تصل إلى 11 عاماً في قضية تهريب أدوية تورط فيها أربعة أمنيين    التشويق يتواصل: مقابلات اليوم تنجم تبدّل الترتيب الكل    دخول مجاني اليوم إلى المواقع الأثرية والمتاحف في تونس    أخبار النادي الافريقي: الفوز ضروري والمسماري يَتّهم «السّماسرة»    أكسيوس: القوات الأمريكية أنقذت ثاني فرد من طاقم طائرة إف-15 التي أسقطت في إيران    "جيش" الاحتلال.. مقتل جندي وإصابة آخر بجروح خطيرة في معارك جنوب لبنان    الرائد الرسمي: فتح مناظرات وطنية للدخول إلى مراحل تكوين المهندسين بعنوان السنة الجامعية 2026-2027    اليوم السبت: صراع كبير في البطولة الوطنية ''أ'' للكرة الطائرة    طقس اليوم: أمطار متفرقة وارتفاع طفيف في الحرارة    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأستاذ صلاح الدين الجورشي ل«الشروق»: هناك فجوة بين بناء الديمقراطية... والرغبة في بنائها
نشر في الشروق يوم 29 - 03 - 2011

صلاح الدين الجورشي، من أبرز الاعلاميين على الساحة التونسية، ابن عائلة موريسكية، والموريسكيون هم المسلمون الأندلسيون الذين استمروا في اسبانيا بعد سقوط الأندلس، واضطروا خوفاً من التصفية أن يخفوا دينهم حيث كانوا يمارسون شعائرهم الدينية في سرية مطلقة، لكن ذلك لم يعفهم من القمع والملاحقة لفترة استمرت أكثر من قرن، وهو ما اضطر الآلاف منهم الى الهجرة، فاستقر بعضهم في المغرب وآخرون في الجزائر، لكن جزءاً كبيراً منهم بما في ذلك عائلة الجورشي وجدت في تونس المكان الآمن، فانصهرت في المجتمع وأصبحت تونسية لحماً ودماً وتاريخاً وفكراً. وربما بقيت جينات عائلة الجورشي سبباً في القمع وملاحقته للحفيد الاعلامي.
ما يثير الاهتمام هو تلك الطاقة الهائلة من الهدوء والاتزان والخطاب العقلاني عند مناضل تحمل من القمع والاضطهاد ما يكفي ليجعل منه ثائراً متمرداً. ساقته أقداره أن يكون شاهداً على مراحل حاسمة من عمر هذا البلد، ناضل بقلمه وحبره وفكره من أجل الحفاظ على مكسب عظيم يستحيل التنازل عن اسمه «الوطن» تصدى للعديد من المتآمرين عن طريق العمل الصحفي والكتابة والرأي السديد فقط، وما زال اليوم يعمل ضمن لجنة تقصي الحقائق حول التجاوزات ليساعد المظلومين على واقع أخف ألماً وأكثر رحمة.
٭ حاورته: رشأ التونسي
٭ ما هو دور هيئة تقصي الحقائق حول التجاوزات ؟
هي هيئة أنتمي اليها، وهي هيئة مستقلة رغم أنها تشكلت بقرار حكومي ومرسوم رئاسي، و التي يعتبرها البعض مساساً بمهمة القضاء، وهي ليست سوى هيئة مكملة لمهمة القضاء وتسعى إلى تغطية الجوانب التي عادة لا تندرج ضمن مهام القضاء التقليدي، لأننا في العالم العربي لم نعرف بعد باستثناء المغرب، ما أصبح يسمى بالعدالة الانتقالية و الذي يقع اللجوء اليه بعد ثورات أو انتقال عنيف للسلطة، ومن الأهداف التي على الهيئة تحقيقها حماية الذاكرة الوطنية للمراحل التي سبقت تلك الثورات أو حصلت خلالها، من خلال الاستماع الى عائلات الضحايا أو المصابين بجروح، أو الذين تعرضت ممتلكاتهم للتلف والتخريب رغم قلة الضحايا نسبياً مقارنة بالثورات الأخرى، الهيئة تعمل على جمع كل القرائن والشهادات لكي تنتهي باصدار تقرير يقدم الظروف والملابسات التي أدت الى قتل العشرات واصابة المئات، وذلك بتحديد المسؤوليات وابراز الوسائل التي استعملت لارهاب التونسيين في آخر محطة من حكم الرئيس بن علي، و لن تصدر الهيئة أحكاماً على الأشخاص لأنها ليست مؤسسة قضائية، لكن يمكنها أن تحدد الهويات وتساعد على اقامة العدالة وملاحقة الجناة بعيداً عن أي نزعة انتقامية.
٭ هل يمكن أن تعتبر هذه الجرائم متعمدة ؟
من خلال عدد من الشهادات والوقائع التي جمعتها اللجنة، يمكن القول بأن جرائم متعمدة قد ارتكبت أثناء الأحداث، لأن اصابة شباب استشهدوا أثناء الثورة برصاص وجه الى صدورهم ورؤوسهم، ومن الأمام ومن الخلف من قبل قناصة، تمّ رصدهم في أحياء فقيرة ومفتوحة وليست بها مبان شاهقة، ولم يكن هؤلاء الشباب يحملون سلاحاً أو يهددون أي جهة تلاحقهم، فإن ذلك عين الجريمة القصدية التي يتحمل أصحابها مسؤولياتهم القانونية بالضرورة.
٭ كيف كان شعورك عند قيام الثورة ؟
رغم معارضتي لنظام بن علي، ورغم أني تابعت تطور هذا النظام، وكتبت قبل حدوثه بفترة وجيزة عن احتمال وصول احتقان اجتماعي شديد في بعض المناطق بطريقة ستضعف النظام وتدفعه الى تغيير سياسته مثلما حصل في العهد البورقيبي، لكن لم يرد في حساباتي أن تونس ستشهد ثورة شعبية تعيد تركيب الأوضاع رأساً على عقب، فتفكيري وثقافتي السياسية كانت دائماً تستند على المنطق الاصلاحي التراكمي الذي يعتبر أن التغيير يفرض على السلطة بشكل تدرجي وتصالحي مع النخب الديمقراطية والمعارضة، في حين أن الثورة تبدو حالة طارئة في الفكر السياسي وهو ما جعل الأحزاب في تونس وفي مصر وغيرها من البلدان العربية،تنخرط في استراتيجية التغيير تصاعدياً وليس عبر القطيعة والانتفاضة الشعبية، عندما بدأت الأحداث تتسارع حاولت أن ألاحقها في انتظار اللحظة التي ستدفع ببن علي الى مراجعة حساباته، لكن عندما بدأ يرتبك ويعيد النظر حصل عكس التوقع، المبادرة انتقلت من السلطة الى الجماهير، و أصبح المحلل السياسي غير قادر على توقع النتائج، وكانت المفاجأة الكبرى، عندما قرر جنرال في صلابة وعنجهية بن علي أن يفر بجلده في ظروف لا تزال غامضة الى حد الآن، ثم تواصلت حالة الارتباك لدي ولدى الكثيرين بعد نجاح الثورة لأن الآليات اختلفت، ومراكز التأثير والضغط تعددت، وأصبحت مثل غيري أبحث عن نسق مفاهيمي وتحليلي، يجعلني قادراً على استقراء وربط المقدمات والنتائج من مرحلة الكونية تكسر الأنساق السابقة، وتجعل المثقف في انتظار أن تهدأ وتستقر ليستعيد قدرته على ضبطها منهجياً، وان كنت أعترف أيضاً بأن الثورة قد علمتني أن أكون أكثر حذراً باصدار الأحكام، فالشعب التونسي ممكن أن يكون، و المسؤولية لدى المثقفين تفرض أن تستمع جيداً لأصوات الجماهير قبل أن تبدي أحكاماً قاطعة.
٭ ومن الناحية الوجدانية كيف كانت الثورة؟
عشت الثورة بخليط من الدهشة والفرح بزوال نظام بدا وكأنه معرض للسقوط السريع، وكذلك بنوع من الحيرة والرغبة والاستشراف، مع خوف من أن تسرق هذه الثورة، ليس فقط من قبل أعدائها من النظام السابق، ولكن أيضاً يمكن أن تسرق من الثورات في غياب الوعي بدقة اللحظة التاريخية. ومن خلال اندفاع غير محسوب لا يراعي قدرات الناس ولا مصالحهم، ولا يأخذ بعين الاعتبار الاقليمي والدولي، ويتم اسقاط هوية الثقافة والتربية الديمقراطية الضرورية، لبناء مواطنة جديدة مفعمة بروح التسامح والتعايش، وحسن ادارة التنوع والنجاح في التحكم في الصراع السياسي، من أجل بناء دولة مؤسسات، لا دولة أطراف وزعامات وأحزاب لا تستطيع أن تتجاوز أقفاصها الايديولوجية.
٭ هل تعدد الأحزاب سيساعد على بناء دولة جديدة أكثر ديمقراطية؟
هذه احد التحديات التي تواجه الثورة التونسية، كانت الأحزاب مهمشة ولم يكن هدفها سوى الضغط على السلطة لاجبارها على التنازل عن بعض المرافعات الخاصة بالحريات، أما اليوم فإن الأحزاب التونسية مطالبة ببناء دولة جديدة، وبتأطير شعب كانت تؤطره أجهزة الدولة والأمن والحزب الحاكم، وهذا يقتضي فكراً جديداً ومراجعة لأساليب العمل الحزبي، والانتقال من حالة الاحتجاج الى قوة الاقتراح، والتضامن الاستثنائي الشعبي بمكوناته أكد حاجته الملحة إلى الثقافة السياسية الديمقراطية، التي تساعده على تجاوز تناقضاته الداخلية، وتحد من جنوح بعض مكوناته نحو انجاز كل الأهداف والمطالب في نفس الآن، ودون صبر ومصابرة.
٭ هل لدينا ما يكفي من ثقافة سياسية لتأسيس ديمقراطية واعية؟
الآن توجد الرغبة وإيمانا بأن الديمقراطية هي خيارنا الوحيد، لكن بين الرغبة وبناء الديمقراطية لا تزال هناك فجوة عميقة لا يمكن ردمها الا من خلال جهد جماعي، يشمل جميع المواقع والجهات والمستويات والهياكل، الثورة ليست ازاحة سلطة مقابل أخرى.
٭ تطرح اليوم وبكثافة جدلية الدين والدولة والدين والمجتمع؟
الذي يحدث حالياً من تجاذب يطغى عليه الطابع الايديولوجي والديني، يعود الى حالة معقدة تحتاج الى تفكيك ومعالجة عقلانية، فمن جهة لم تنجح الأحزاب العلمانية في بناء نفسها بشكل يجعلها قوة قادرة على قيادة المجتمع، وفي المقابل حركة اسلامية ممثلة في حركة النهضة أضافت الى شرعيتها السياسية الشرعية النضالية، من خلال القمع الذي مورس ضد كوادرها خلال المرحلة الماضية، ورغم الضعف الذي أصاب جسم هذه الحركة نتيجة عوامل متعددة، الا أنها لا تزال تشكل صورة رئيسية، ومن هنا جاءت مخاوف منافسيها من سياسيين ونشطاء ومثقفين، من امكانية أن هذه الحركة أو الساحة الاسلامية بكل مكوناتها تنفرد بتحديد مصير الثورة وبناء الدولة الجديدة، هذا هو الخوف الكامن وراء الكلمات، والذي يجب تجاوزه في أقرب وقت من خلال الجوار، وبناء تسوية تاريخية تضع الاسلاميين وغيرهم أمام مسؤولياتهم التاريخية، بأن تونس يجب فعلاً أن تكون للجميع، التحدي جماعي والمعالجة يجب أن تكون جماعية دون إلغاء التنافس الديمقراطي، والأهم أن تنجح كل هذه الأطراف أولاً في صياغة دستور جامع لكل التونسيين، وحامياً لمقومات البلاد، وثانياً تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي حتى لا تتورط الثورة في جدل عقيم بين العلمانيين والمسلمين، أو في توريط تونس في تجارب ايديولوجية ثبت فشلها القاسي والمكلف في أحد المجالات.
٭ هل يمكن أن تشارك الأحزاب الدينية في بناء دولة حداثة؟
الأحزاب ذات المنطلقات الاسلامية تعيش حالياً في تونس حركية في اتجاهات متعددة، لأن تونس اليوم أصبحت بين عشية وضحاها سوقاً مفتوحة لكل الأفكار والأحزاب، وما كان مستحيلاً تخيله في المرحلة السابقة، أصبح ممكناً مثل محاورة أعضاء حزب التحرير في الاذاعات أو في القنوات التلفزيونية، وهو ما جعل هذا الحزب يعلن بصراحة بأنه اذا ما وصل الى السلطة في تونس، أنه سيلغي كل الأحزاب غير الاسلامية، مؤكداً أن الديمقراطية بضاعة غربية، وهو ما جعل وزارة الداخلية ترفض تنفيعه بالحق القانوني، هذه مجرد عينة تبين حق التغيير الكبير الذي حصل في البلاد، وفي الآن نفسه حجم الاختلاف في التصور وفي الرؤية لبناء الدولة الجديدة، المهم أن الساحة الاسلامية في تونس في حالة حراك ولا تملك تعبيراً واحداً، حيث بلغت الأحزاب ذات المرجعية الاسلامية المعلنة وغير المعلنة أكثر من خمسة أحزاب، وفي رأيي هذه ظاهرة صحية وليست سلبية، لأنه عملياً وتاريخياً لا توجد قراءة واحدة للنص الديني، وانما قراءات، أي أن هناك أكثر من مشروع، بمعنى آخر التعدد يحد من مجال الاحتكار وحسن ارادة هذا التنوع سيفتح المجال لحداثة تحدث المصالحة بين الهوية والحرية.
٭ هل هناك علمانية أم علمانيات؟
العلمانيون التونسيون مدعوون هم أيضاً الى أن يراجعوا قراءاتهم للتاريخ الأوروبي والغربي من جهة، خاصة تاريخ تونس وأنساقها الثقافية، لأن الأنموذج الفرنسي للعلمانية ( اللائيكية ) ليس النموذج الوحيد، ولا هو الأفضل لاعادة ترتيب العلمانية بين الدين والسياسة، العلمانية في الغرب علمانيات، فهي في بريطانيا مختلفة عما هي في فرنسا أو في أمريكا أو في ألمانيا أو اسبانيا، هذا يعني أننا في تونس ونحن نعيش سياقاً ثقافياً وسياسياً مختلفاً، مدعوون الى بناء علمانية مختلفة لا ترفض الدين أو تعاديه أو تنظر اليه كقوة معنوية كابحة للتحرر والنهوض، نحن في حاجة الى نوع من الفكر الابداعي لخلق المزاوجة بين حقوق الانسان وبين الانتماء إلى تاريخ وثقافة لها آلياتها الخاصة في خلق المعنى وبناء الروابط وصناعة التاريخ.
٭ كنت ولمدة طويلة ملاحقاً من طرف السلطة؟
السلطة التونسية من خلال تجربتها الأمنية سيطرت عليها فكرة سطحية مفادها أن من ليس منا فهو ضدنا ويسعى الى اسقاط النظام، وبالتالي فأن تكون مستقلاً في رأيك فأنت تشكل خطراً على الأمن السياسي لبن علي وجماعته، واشتدت هذه النزعة ضد الاسلاميين بحجة أن جميعهم متطرفون وارهابيون ضمنياً، بل ان المعتدل منهم ان وجد فهو أشد خطورة، وهذا ما عانيت منه شخصياً طيلة 22 عاماً، باستثناء السنة الأولى من حكم بن علي حيث كانت الساحة مفتوحة نسبياً،كذلك حاولت هذه الأجهزة أن تجرني وتجر أصدقائي الذين شاركوا في تأسيس تيار الاسلاميين التقدميين، نحو معركة لم نخترها ولم نؤيدها، وهي معركة السلطة ضد حركة النهضة، صحيح أننا اختلفنا مع هذه الحركة ولا نزال، لكن كنا ولا نزال أيضاً نعتقد أن الخلاف الفكري أو السياسي لا يمكن أن يتم في حالة حرب أو قمع، بل ان ما حصل في فترة التسعينات كانت آثاره مدمرة للساحة السياسية التونسية والمجتمع، والدليل على ذلك أنه في الوقت الذي تراجعت فيه حركة النهضة، لم يملك الساحة العلمانيون أو مناصرو الحزب الحاكم، وانما ملأه السلفيون في خطاب ستظهر تداعياته في المرحلة القادمة، وملاحقتي من قبل النظام السابق كانت دليلاً على الطابع الشمولي لنظام حكم بن علي، رغم أنني كنت أحاول أن أكون موضوعياً الى حد ما في الكتابة عن الشأن التونسي، وكنت دائماً أبحث عن نقطة ضوء ولو ضعيفة جداً، حتى لا تكون اللوحة التي أرسمها في مقالاتي غارقة في السواد.
٭ كيف تمكنت أن تعبر بمنتدى الجاحظ و لقاءاته المتميزة نحو شاطئ الأمان؟
تجدر الاشارة إلى أن منتدى الجاحظ رغم المضايقات وانحصار حرية التعبير والعمل الجمعياتي، تمكن من ادارة حوارات استثنائية أعطت فرصة لمثقفين من التونسيين فرصة التعبير عن قضايا كانت في المرحلة السابقة تعتبر تابوهات لا يجب الاقتراب منها، كما ساعد هذا المنتدى في تأطير وتوجيه مئات الشبان والشابات حتى يكتسبوا جرعة من الوعي وقدرة على تفكيك الأفكار، ما أتمناه أن يتمكن المنتدى بعد الثورة وقد ازدحم المقبلون على نشاطه بالمئات رغم ضيق مقره، أن يتمكن هذا المنتدى بأن يكون في مستوى التطلعات الفكرية لجماهيره، وأن يساعد على الارتقاء بالوعي الديمقراطي في اتجاه بناء تونس جديدة، تونس ترفض التحنيط الفكري، وتقديس الأشخاص، واعطاء العصمة على الأفكار.
الأستاذ صلاح الدين الجورشي ل«الشروق»
هناك فجوة بين بناء الديمقراطية...
والرغبة في بنائها
صلاح الدين الجورشي، من أبرز الاعلاميين على الساحة التونسية، ابن عائلة موريسكية، والموريسكيون هم المسلمون الأندلسيون الذين استمروا في اسبانيا بعد سقوط الأندلس، واضطروا خوفاً من التصفية أن يخفوا دينهم حيث كانوا يمارسون شعائرهم الدينية في سرية مطلقة، لكن ذلك لم يعفهم من القمع والملاحقة لفترة استمرت أكثر من قرن، وهو ما اضطر الآلاف منهم الى الهجرة، فاستقر بعضهم في المغرب وآخرون في الجزائر، لكن جزءاً كبيراً منهم بما في ذلك عائلة الجورشي وجدت في تونس المكان الآمن، فانصهرت في المجتمع وأصبحت تونسية لحماً ودماً وتاريخاً وفكراً. وربما بقيت جينات عائلة الجورشي سبباً في القمع وملاحقته للحفيد الاعلامي.
ما يثير الاهتمام هو تلك الطاقة الهائلة من الهدوء والاتزان والخطاب العقلاني عند مناضل تحمل من القمع والاضطهاد ما يكفي ليجعل منه ثائراً متمرداً. ساقته أقداره أن يكون شاهداً على مراحل حاسمة من عمر هذا البلد، ناضل بقلمه وحبره وفكره من أجل الحفاظ على مكسب عظيم يستحيل التنازل عن اسمه «الوطن» تصدى للعديد من المتآمرين عن طريق العمل الصحفي والكتابة والرأي السديد فقط، وما زال اليوم يعمل ضمن لجنة تقصي الحقائق حول التجاوزات ليساعد المظلومين على واقع أخف ألماً وأكثر رحمة.
٭ حاورته: رشأ التونسي
٭ ما هو دور هيئة تقصي الحقائق حول التجاوزات ؟
هي هيئة أنتمي اليها، وهي هيئة مستقلة رغم أنها تشكلت بقرار حكومي ومرسوم رئاسي، و التي يعتبرها البعض مساساً بمهمة القضاء، وهي ليست سوى هيئة مكملة لمهمة القضاء وتسعى إلى تغطية الجوانب التي عادة لا تندرج ضمن مهام القضاء التقليدي، لأننا في العالم العربي لم نعرف بعد باستثناء المغرب، ما أصبح يسمى بالعدالة الانتقالية و الذي يقع اللجوء اليه بعد ثورات أو انتقال عنيف للسلطة، ومن الأهداف التي على الهيئة تحقيقها حماية الذاكرة الوطنية للمراحل التي سبقت تلك الثورات أو حصلت خلالها، من خلال الاستماع الى عائلات الضحايا أو المصابين بجروح، أو الذين تعرضت ممتلكاتهم للتلف والتخريب رغم قلة الضحايا نسبياً مقارنة بالثورات الأخرى، الهيئة تعمل على جمع كل القرائن والشهادات لكي تنتهي باصدار تقرير يقدم الظروف والملابسات التي أدت الى قتل العشرات واصابة المئات، وذلك بتحديد المسؤوليات وابراز الوسائل التي استعملت لارهاب التونسيين في آخر محطة من حكم الرئيس بن علي، و لن تصدر الهيئة أحكاماً على الأشخاص لأنها ليست مؤسسة قضائية، لكن يمكنها أن تحدد الهويات وتساعد على اقامة العدالة وملاحقة الجناة بعيداً عن أي نزعة انتقامية.
٭ هل يمكن أن تعتبر هذه الجرائم متعمدة ؟
من خلال عدد من الشهادات والوقائع التي جمعتها اللجنة، يمكن القول بأن جرائم متعمدة قد ارتكبت أثناء الأحداث، لأن اصابة شباب استشهدوا أثناء الثورة برصاص وجه الى صدورهم ورؤوسهم، ومن الأمام ومن الخلف من قبل قناصة، تمّ رصدهم في أحياء فقيرة ومفتوحة وليست بها مبان شاهقة، ولم يكن هؤلاء الشباب يحملون سلاحاً أو يهددون أي جهة تلاحقهم، فإن ذلك عين الجريمة القصدية التي يتحمل أصحابها مسؤولياتهم القانونية بالضرورة.
٭ كيف كان شعورك عند قيام الثورة ؟
رغم معارضتي لنظام بن علي، ورغم أني تابعت تطور هذا النظام، وكتبت قبل حدوثه بفترة وجيزة عن احتمال وصول احتقان اجتماعي شديد في بعض المناطق بطريقة ستضعف النظام وتدفعه الى تغيير سياسته مثلما حصل في العهد البورقيبي، لكن لم يرد في حساباتي أن تونس ستشهد ثورة شعبية تعيد تركيب الأوضاع رأساً على عقب، فتفكيري وثقافتي السياسية كانت دائماً تستند على المنطق الاصلاحي التراكمي الذي يعتبر أن التغيير يفرض على السلطة بشكل تدرجي وتصالحي مع النخب الديمقراطية والمعارضة، في حين أن الثورة تبدو حالة طارئة في الفكر السياسي وهو ما جعل الأحزاب في تونس وفي مصر وغيرها من البلدان العربية،تنخرط في استراتيجية التغيير تصاعدياً وليس عبر القطيعة والانتفاضة الشعبية، عندما بدأت الأحداث تتسارع حاولت أن ألاحقها في انتظار اللحظة التي ستدفع ببن علي الى مراجعة حساباته، لكن عندما بدأ يرتبك ويعيد النظر حصل عكس التوقع، المبادرة انتقلت من السلطة الى الجماهير، و أصبح المحلل السياسي غير قادر على توقع النتائج، وكانت المفاجأة الكبرى، عندما قرر جنرال في صلابة وعنجهية بن علي أن يفر بجلده في ظروف لا تزال غامضة الى حد الآن، ثم تواصلت حالة الارتباك لدي ولدى الكثيرين بعد نجاح الثورة لأن الآليات اختلفت، ومراكز التأثير والضغط تعددت، وأصبحت مثل غيري أبحث عن نسق مفاهيمي وتحليلي، يجعلني قادراً على استقراء وربط المقدمات والنتائج من مرحلة الكونية تكسر الأنساق السابقة، وتجعل المثقف في انتظار أن تهدأ وتستقر ليستعيد قدرته على ضبطها منهجياً، وان كنت أعترف أيضاً بأن الثورة قد علمتني أن أكون أكثر حذراً باصدار الأحكام، فالشعب التونسي ممكن أن يكون، و المسؤولية لدى المثقفين تفرض أن تستمع جيداً لأصوات الجماهير قبل أن تبدي أحكاماً قاطعة.
٭ ومن الناحية الوجدانية كيف كانت الثورة؟
عشت الثورة بخليط من الدهشة والفرح بزوال نظام بدا وكأنه معرض للسقوط السريع، وكذلك بنوع من الحيرة والرغبة والاستشراف، مع خوف من أن تسرق هذه الثورة، ليس فقط من قبل أعدائها من النظام السابق، ولكن أيضاً يمكن أن تسرق من الثورات في غياب الوعي بدقة اللحظة التاريخية. ومن خلال اندفاع غير محسوب لا يراعي قدرات الناس ولا مصالحهم، ولا يأخذ بعين الاعتبار الاقليمي والدولي، ويتم اسقاط هوية الثقافة والتربية الديمقراطية الضرورية، لبناء مواطنة جديدة مفعمة بروح التسامح والتعايش، وحسن ادارة التنوع والنجاح في التحكم في الصراع السياسي، من أجل بناء دولة مؤسسات، لا دولة أطراف وزعامات وأحزاب لا تستطيع أن تتجاوز أقفاصها الايديولوجية.
٭ هل تعدد الأحزاب سيساعد على بناء دولة جديدة أكثر ديمقراطية؟
هذه احد التحديات التي تواجه الثورة التونسية، كانت الأحزاب مهمشة ولم يكن هدفها سوى الضغط على السلطة لاجبارها على التنازل عن بعض المرافعات الخاصة بالحريات، أما اليوم فإن الأحزاب التونسية مطالبة ببناء دولة جديدة، وبتأطير شعب كانت تؤطره أجهزة الدولة والأمن والحزب الحاكم، وهذا يقتضي فكراً جديداً ومراجعة لأساليب العمل الحزبي، والانتقال من حالة الاحتجاج الى قوة الاقتراح، والتضامن الاستثنائي الشعبي بمكوناته أكد حاجته الملحة إلى الثقافة السياسية الديمقراطية، التي تساعده على تجاوز تناقضاته الداخلية، وتحد من جنوح بعض مكوناته نحو انجاز كل الأهداف والمطالب في نفس الآن، ودون صبر ومصابرة.
٭ هل لدينا ما يكفي من ثقافة سياسية لتأسيس ديمقراطية واعية؟
الآن توجد الرغبة وإيمانا بأن الديمقراطية هي خيارنا الوحيد، لكن بين الرغبة وبناء الديمقراطية لا تزال هناك فجوة عميقة لا يمكن ردمها الا من خلال جهد جماعي، يشمل جميع المواقع والجهات والمستويات والهياكل، الثورة ليست ازاحة سلطة مقابل أخرى.
٭ تطرح اليوم وبكثافة جدلية الدين والدولة والدين والمجتمع؟
الذي يحدث حالياً من تجاذب يطغى عليه الطابع الايديولوجي والديني، يعود الى حالة معقدة تحتاج الى تفكيك ومعالجة عقلانية، فمن جهة لم تنجح الأحزاب العلمانية في بناء نفسها بشكل يجعلها قوة قادرة على قيادة المجتمع، وفي المقابل حركة اسلامية ممثلة في حركة النهضة أضافت الى شرعيتها السياسية الشرعية النضالية، من خلال القمع الذي مورس ضد كوادرها خلال المرحلة الماضية، ورغم الضعف الذي أصاب جسم هذه الحركة نتيجة عوامل متعددة، الا أنها لا تزال تشكل صورة رئيسية، ومن هنا جاءت مخاوف منافسيها من سياسيين ونشطاء ومثقفين، من امكانية أن هذه الحركة أو الساحة الاسلامية بكل مكوناتها تنفرد بتحديد مصير الثورة وبناء الدولة الجديدة، هذا هو الخوف الكامن وراء الكلمات، والذي يجب تجاوزه في أقرب وقت من خلال الجوار، وبناء تسوية تاريخية تضع الاسلاميين وغيرهم أمام مسؤولياتهم التاريخية، بأن تونس يجب فعلاً أن تكون للجميع، التحدي جماعي والمعالجة يجب أن تكون جماعية دون إلغاء التنافس الديمقراطي، والأهم أن تنجح كل هذه الأطراف أولاً في صياغة دستور جامع لكل التونسيين، وحامياً لمقومات البلاد، وثانياً تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي حتى لا تتورط الثورة في جدل عقيم بين العلمانيين والمسلمين، أو في توريط تونس في تجارب ايديولوجية ثبت فشلها القاسي والمكلف في أحد المجالات.
٭ هل يمكن أن تشارك الأحزاب الدينية في بناء دولة حداثة؟
الأحزاب ذات المنطلقات الاسلامية تعيش حالياً في تونس حركية في اتجاهات متعددة، لأن تونس اليوم أصبحت بين عشية وضحاها سوقاً مفتوحة لكل الأفكار والأحزاب، وما كان مستحيلاً تخيله في المرحلة السابقة، أصبح ممكناً مثل محاورة أعضاء حزب التحرير في الاذاعات أو في القنوات التلفزيونية، وهو ما جعل هذا الحزب يعلن بصراحة بأنه اذا ما وصل الى السلطة في تونس، أنه سيلغي كل الأحزاب غير الاسلامية، مؤكداً أن الديمقراطية بضاعة غربية، وهو ما جعل وزارة الداخلية ترفض تنفيعه بالحق القانوني، هذه مجرد عينة تبين حق التغيير الكبير الذي حصل في البلاد، وفي الآن نفسه حجم الاختلاف في التصور وفي الرؤية لبناء الدولة الجديدة، المهم أن الساحة الاسلامية في تونس في حالة حراك ولا تملك تعبيراً واحداً، حيث بلغت الأحزاب ذات المرجعية الاسلامية المعلنة وغير المعلنة أكثر من خمسة أحزاب، وفي رأيي هذه ظاهرة صحية وليست سلبية، لأنه عملياً وتاريخياً لا توجد قراءة واحدة للنص الديني، وانما قراءات، أي أن هناك أكثر من مشروع، بمعنى آخر التعدد يحد من مجال الاحتكار وحسن ارادة هذا التنوع سيفتح المجال لحداثة تحدث المصالحة بين الهوية والحرية.
٭ هل هناك علمانية أم علمانيات؟
العلمانيون التونسيون مدعوون هم أيضاً الى أن يراجعوا قراءاتهم للتاريخ الأوروبي والغربي من جهة، خاصة تاريخ تونس وأنساقها الثقافية، لأن الأنموذج الفرنسي للعلمانية ( اللائيكية ) ليس النموذج الوحيد، ولا هو الأفضل لاعادة ترتيب العلمانية بين الدين والسياسة، العلمانية في الغرب علمانيات، فهي في بريطانيا مختلفة عما هي في فرنسا أو في أمريكا أو في ألمانيا أو اسبانيا، هذا يعني أننا في تونس ونحن نعيش سياقاً ثقافياً وسياسياً مختلفاً، مدعوون الى بناء علمانية مختلفة لا ترفض الدين أو تعاديه أو تنظر اليه كقوة معنوية كابحة للتحرر والنهوض، نحن في حاجة الى نوع من الفكر الابداعي لخلق المزاوجة بين حقوق الانسان وبين الانتماء إلى تاريخ وثقافة لها آلياتها الخاصة في خلق المعنى وبناء الروابط وصناعة التاريخ.
٭ كنت ولمدة طويلة ملاحقاً من طرف السلطة؟
السلطة التونسية من خلال تجربتها الأمنية سيطرت عليها فكرة سطحية مفادها أن من ليس منا فهو ضدنا ويسعى الى اسقاط النظام، وبالتالي فأن تكون مستقلاً في رأيك فأنت تشكل خطراً على الأمن السياسي لبن علي وجماعته، واشتدت هذه النزعة ضد الاسلاميين بحجة أن جميعهم متطرفون وارهابيون ضمنياً، بل ان المعتدل منهم ان وجد فهو أشد خطورة، وهذا ما عانيت منه شخصياً طيلة 22 عاماً، باستثناء السنة الأولى من حكم بن علي حيث كانت الساحة مفتوحة نسبياً،كذلك حاولت هذه الأجهزة أن تجرني وتجر أصدقائي الذين شاركوا في تأسيس تيار الاسلاميين التقدميين، نحو معركة لم نخترها ولم نؤيدها، وهي معركة السلطة ضد حركة النهضة، صحيح أننا اختلفنا مع هذه الحركة ولا نزال، لكن كنا ولا نزال أيضاً نعتقد أن الخلاف الفكري أو السياسي لا يمكن أن يتم في حالة حرب أو قمع، بل ان ما حصل في فترة التسعينات كانت آثاره مدمرة للساحة السياسية التونسية والمجتمع، والدليل على ذلك أنه في الوقت الذي تراجعت فيه حركة النهضة، لم يملك الساحة العلمانيون أو مناصرو الحزب الحاكم، وانما ملأه السلفيون في خطاب ستظهر تداعياته في المرحلة القادمة، وملاحقتي من قبل النظام السابق كانت دليلاً على الطابع الشمولي لنظام حكم بن علي، رغم أنني كنت أحاول أن أكون موضوعياً الى حد ما في الكتابة عن الشأن التونسي، وكنت دائماً أبحث عن نقطة ضوء ولو ضعيفة جداً، حتى لا تكون اللوحة التي أرسمها في مقالاتي غارقة في السواد.
٭ كيف تمكنت أن تعبر بمنتدى الجاحظ و لقاءاته المتميزة نحو شاطئ الأمان؟
تجدر الاشارة إلى أن منتدى الجاحظ رغم المضايقات وانحصار حرية التعبير والعمل الجمعياتي، تمكن من ادارة حوارات استثنائية أعطت فرصة لمثقفين من التونسيين فرصة التعبير عن قضايا كانت في المرحلة السابقة تعتبر تابوهات لا يجب الاقتراب منها، كما ساعد هذا المنتدى في تأطير وتوجيه مئات الشبان والشابات حتى يكتسبوا جرعة من الوعي وقدرة على تفكيك الأفكار، ما أتمناه أن يتمكن المنتدى بعد الثورة وقد ازدحم المقبلون على نشاطه بالمئات رغم ضيق مقره، أن يتمكن هذا المنتدى بأن يكون في مستوى التطلعات الفكرية لجماهيره، وأن يساعد على الارتقاء بالوعي الديمقراطي في اتجاه بناء تونس جديدة، تونس ترفض التحنيط الفكري، وتقديس الأشخاص، واعطاء العصمة على الأفكار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.