٭ بقلم: عبد الخالق بوجناح (قاضي مستشار بدائرة المحاسبات) تعتبر استقلالية القرار من أسس الحوكمة الرشيدة للمؤسسات نظرا لما توفره من حماية للمتصرفين تضمن موضوعيتهم وتقيهم من كل تأثير داخلي أو خارجي يحيدهم عن القواعد الواجب اتباعها أو يخدم مصالح خاصة على حساب مصالح مؤسستهم. ولا تنحصر الاستقلالية على شخص معين (مادي أو معنوي) بل تشمل كل الذين لهم علاقة بصناعة القرار بمفهومه الواسع انطلاقا من الهياكل التي توفر المعلومة ووصولا إلى الهياكل المكلفة بالرقابة والمساءلة. فالتصرف المستقل يكون أكثر فاعلية إذا كان يخضع لرقابة أيضا مستقلة كما أن رقابة مستقلة تمثل أحسن سند للمتصرف لتفادي كل تداخل في صلاحياته. سنتطرق إلى استقلالية عنصر هام في منظومة أخذ القرار المتعلقة بالأموال العمومية ألا وهو الجهاز الأعلى المكلف برقابة التصرف فيها. وسنعرّف أولا بمفهوم استقلالية الأجهزة العليا إلى الرقابة على الأموال العمومية المعتمد من طرف المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة (الإنتوساي) ونقارنه بالمفهوم الذي اعتمده الإتحاد الدولي للمحاسبين (الأيفاك) في ما يخص المراقبين الماليين الخواص كما سنتعرض إلى الصعوبات التي تحول دون تحقيق هذه الاستقلالية وسنخصص الجزء الثاني للوسائل الكفيلة بدعمها. الجزء الأول: في استقلالية الأجهزة العليا لرقابة الأموال العمومية وصعوبة تحقيقها حددت منظمة الإنتوساي إطار استقلالية الأجهزة العليا للرقابة على الأموال العمومية وأكدت على أن الاستقلالية لا تعني حرية مطلقة وانفرادا بالقرار بل اندماجا في صلب منظومة متكاملة وتحمل مسؤولية، واستقلال الأجهزة العليا للرقابة المالية داخل الدولة لا يعني استقلالها عن الدولة، فللاستقلالية مبادئ تضبطها وتبعدها عن الانحراف عن أهدافها. التعريف بمفهوم الاستقلالية لم يعرّف القانون بمفهوم الاستقلالية، وفي مفهومها العام فهي الحالة التي يكون فيها الشخص غيرَ تابع ماديا ومعنويا وفكريا لشخص آخر، وقادرا على التصدي لكل تأثير يمكن أن يمارسه هذا الأخير عليه للنيل من حياديته. ويرى «الأيفاك» أن مصطلح الاستقلالية يكون مصدر لبس إذا ما تم اعتماده في المطلق لأنه يعني أن المهني الذي يدلي برأيه متحرر من كل روابط اقتصادية أو مالية أو غيرها، وهذا مستحيل لأن لكل فرد علاقات تربطه بالآخرين في هذا المجتمع. وعليه فإن الاستقلالية تُقيَّم حسب أهمية هذه العلاقات، ولكن كما يراها الغير وليس كما يراها المهني نفسه، والمقصود بالغير هو الخبير المطلع على كل المعلومات. ولهذا المفهوم خاصياته سواء تعلق الأمر بشخص ذاتي أو معنوي وقد ميزت المنظمات الدولية المختصة في الرقابة المالية بين استقلالية أصحاب القرار داخل الجهاز و استقلالية المراقبين و استقلالية الجهاز الرقابي نفسه. في استقلالية المراقب تمثل استقلالية المراقبين داخل الجهاز الرقابي أهم المواضيع التي تطرقت إليها الأيفاك خلال مراجعتها لميثاق أخلاقيات المهنة لسنة 2005. وعرّفت الأيفاك المراقبين بالأشخاص الذين يشاركون في العمليات الرقابية والأشخاص من غير المشاركين الذين يتمتعون بصلاحيات تمكنهم من التأثير على نتائج العمل الرقابي. وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الدولي للمحاسبين ضبط خمسة مبادئ أساسية ترتكز عليها أخلاقيات المهنة : النزاهة: أن يكون المراقب أمينا وشريفا في علاقاته المهنية الموضوعية: أن لا يترك للانحياز أو تضارب المصالح أو ضغوطات الآخرين المجال للتأثير على آرائه وأحكامه. الكفاءة المهنية والاهتمام والعناية: أن يُبقي على مستوى معين في معرفته وخبرته المهنية ويقدم للحريف والمشغل خدمات المهني المتمكن من آخر التطورات في الممارسات المهنية وفي التشريع وفي التقنيات. السرية: أن يحترم الطابع السري للمعلومات التي تحصّل عليها في نطاق علاقاته المهنية ومعاملاته وأن لا يفشي بها للآخرين بدون ترخيص، وأن لا يستعملها لمصالحه الشخصية أو لمصالح الغير. السلوك المهني: يجب على المراقب أن يتقيد بالقوانين والتراتيب المعمول بها وأن يجتنب كل تصرف من شأنه أن يُفقِدَ ثقة العموم في المهنة. ويعتبر الأيفاك أن تحقيق هذه المبادئ يتم من خلال اعتماد إطار مرجعي يمكّن من تشخيص المخاطر التي تهددها واستنباط أنجع السبل للوقاية من هذه المخاطر سواء بتجنبها أو بالتخفيف من حدتها. و تتمثل الاستقلالية بالنسبة إلى هذه المنظمة في: استقلالية العقل وهي الحالة الذهنية التي تسمح بإبداء الرأي دون التأثر بأي ضغوطات وبالتصرف بنزاهة (المبدأ الأول) وبموضوعية (المبدأ الثاني) وبمهنية (المبدآن الثالث والخامس) مظهر الاستقلالية ويتمثل في تجنب أعضاء المهمة الرقابية كل عمل أو وضعية تكون مصدر شك في نزاهتهم أو موضوعيتهم أو مهنيتهم. وتبنت المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة (الإنتوساي) جل مبادئ ميثاق أخلاقيات المهنة التي نصت عليها الأيفاك وأضافت عليها مبدأ الاستقلالية. وقد بررت الإنتوساي إضافة هذا المبدأ بأهميته بالنسبة إلى هياكل الرقابة على الأموال العمومية حيث أنها تعتبر أن درجة معقولة من الاستقلالية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية مهما كان البلد أو النظام السياسي المتبع تمثل أحد أهم الشروط الواجب توفرها لضمان حسن سير العمليات الرقابية حتى تكون النتائج التي تم التوصل إليها ذات مصداقية. وتتمثل استقلالية المراقب بالنسبة إلى الإنتوساي في تحرره من الضغوطات التي يمكن للهياكل الخاضعة للرقابة أن تمارسها عليه وفي عدم تبعيته لها وفي حياديته في كيفية معالجة المسائل المطروحة وعدم تأثره بأفكار مسبقة بخصوص الأشخاص أو المنظمات أو البرامج محل الرقابة وتتمثل كذلك في تصرفه بصورة تجعل الآخرين يعتبرونه مستقلا.