عاجل/ ستيني يحاول الانتحار حرقا..    "تجليات الحلفاوين" 2026 تحتفي بالتراث الموسيقي التونسي في خامس سهراتها    عاجل/ بشرى سارة لهؤلاء..المصادقة على هذا القانون..    عاجل/ استهداف سفارة الإمارات في هذه الدولة بطائرة مسيرة..    التمور التونسية تحقق أرقامًا قياسية: 404 آلاف طن إنتاجًا و650 مليون دينار عائدات تصديرية    20 سنة سجنا لأم تزعمت شبكة لترويج المخدرات بالعاصمة... وابنتها ضمن المحكوم عليهم    دور محوري للشرطة العدلية بالقرجاني... التلفزيون الإيطالي يكشف تفاصيل جرائم "المافيوزي" الذي تم القبض عليه أخيرا في تونس    القطب القضائي المالي: بطاقة ايداع بالسجن في حق رئيس غرفة القصابين    بعد أزمته الصحية : هذا شنوا قالت وزيرة الثقافة المصرية على هاني شاكر    عاجل : نهاية صادمة ...و هذا موعد الحلقة الأخيرة لمسلسل ''المطبعة ''    تعرف على موعد الإفطار اليوم الثلاثاء 20 رمضان 2026    بطولة القسم الوطني "ا" للكرة الطائرة(مرحلة السوبر بلاي اوف): اعادة مباراة النجم الساحلي و الترجي الرياضي دون حضور الجمهور يوم السبت القادم بقاعة مساكن    "إيران تنتظركن بأذرع مفتوحة".. طهران تعلق على أزمة فريق كرة القدم النسائي الإيراني    غبار قاتل يضرب شمال إفريقيا ويهدد هذه المناطق    استقالة الهيئة التسييرية لأولمبيك سيدي بوزيد...علاش؟    عاجل: مسارات بديلة لمستعملي الطريق 457 في اتجاه مقرين    جوائز "نوبل للحماقة" تنتقل من أمريكا إلى أوروبا لأول مرة بسبب ترامب!    مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية تونس وعمان علاش؟    عاجل-قضية تهز المهدية: شبهة تعرّض رضيع لتسمّم ''بمادّة مخدّرة'' واتهامات تطال والديه    عاجل/ ارتفاع حصيلة ضحايا الحادث المروع بقابس..    بشرى سارة بخصوص مطاري النفيضة وتونس قرطاج..#خبر_عاجل    وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تفتح باب الترشح للجائزة الوطنية للبحث العلمي والتكنولوجيا لسنة 2025    عاجل/ سفارة تونس بأبوظبي تعلن عن جملة من الإجراءات لتسهيل مغادرة المواطنين التونسيين..    بالأرقام: كميات الأمطار المسجلة خلال 24 ساعة الماضية..#خبر_عاجل    تلقيح الماشية 2026: إجراءات وطنية لتطويق الأمراض العابرة للحدود..    أبطال إفريقيا: بلاغ هام لجماهير الترجي الرياضي قبل مواجهة الأهلي المصري    أبوظبي: حريق بمجمع صناعي إثر استهدافه بمسيّرات    ثلاثة أفلام تونسية في مسابقات الدورة 16 لمهرجان مالمو للسينما العربية بالسويد    الروحية: العثور على جثة المفقود في وادي الحطب وإنقاذ 3 أشخاص    جماهير الأهلي المصري تهاجم اللاعبين قبل مواجهة الترجي الرياضي    الشيخ محمد بن حمودة يوضّح أسرار الدعاء وأوقات الإستجابة    مع البريد التونسي: عبور سلس وسريع لكل مستعملي الطريق السيارة    السلاطة المشوية مهمّة برشا في شهر رمضان...هاو علاش؟    الإصابة تهدد آمال نيمار في العودة لمنتخب البرازيل    الدورة الخامسة للمهرجان الدولي للفنون التشكيلية "ربيع المارينا " من 26 الى 30 مارس 2026    إضراب وطني لأساتذة التعليم الثانوي يوم 7 أفريل    يوم الابواب المفتوحة تحت شعار " من أجل صحة كلى افضل للجميع " يوم 12 مارس 2026 بالمستشفى الجامعي ببن عروس    وفد مهني تونسي يشارك في فعاليات معرض" ليبيا"للغذاء " من 29 افريل الى غرة ماي 2026    هام-سوسة: القبض على أحد أخطر قادة ''م.ا.ف.يا لا.ك.ام.و.را'' الإيطالية    صادم: كعبة كرام ديسار فيها 6 مغارف سكّر !    البرلمان: إدراج نقطتين حول تداعيات الحرب وسجن أحمد السعيداني    خطان دوليان جديدان يربطان تونس والجزائر.. وهذه تفاصيل السفرات    عيد الرعاة 2026: ماستر كلاس فريدة تبني الإيكودوم وتحيي عمارة الأرض    مصر ترفع أسعار الوقود    ترامب يتوعد إيران بضربات "أقسى 20 مرة" إذا أغلقت مضيق هرمز    مرصد سلامة المرور يدعو مستعملي الطريق إلى توخي أقصى درجات الحذر    سفارة تونس بأبوظبي تدعو التونسيين الراغبين في العودة عبر السعودية إلى تقديم مطالب عبور    كأس تونس: برنامج مباريات الدور السادس عشر    بين دفء الربيع ونسمات الشتاء الأخيرة: اليوم دخول فترة الحسوم..وهذه أبرز مميزاتها..    مفزع/ أعمارهم بين 13 و15 سنة: هذه نسبة الأطفال المدخنين في تونس..    ''بعد الحسوم بأربعين يوم نحي كساك وعوم''... شنوّة حكاية الأيام هاذي؟    آية باللاغة: دور ''يامنة'' في ''خطيفة'' تعّبني برشا خاصة باللّهجة الريفية    منصف مشارك مدربا جديدا للترجي الجرجيسي    دعاء 20 رمضان... كلمات بسيطة تنجم تبدل نهارك وتفتحلك أبواب الرحمة    ترامب: قضينا على القدرات النووية لإيران    الطاهر بن عاشور... عقل الإصلاح ضمير الزيتونة ... من تعليم المرأة إلى تجديد الفقه وإشعاع الفكر    أعلام من تونس ..محمد الشاذلي بن القاضي (من أعلام الزيتونة) 1901م 1978 م    اختتام الدورة 24 لمهرجان الأغنية التونسية: نجوى عمر تحصد الجائزة الأولى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأستاذ الهادي دحمان الخبير في الضمان الاجتماعي يكتب ل«الشروق»:مشروع الحكومة لتعديل جرايات التقاعد ... مخالف للدستور!
نشر في الشروق يوم 12 - 08 - 2018

القانون الجديد سيعمق الشرخ بين الأجيال وفيه مَسّ بمكاسب المتقاعدين
ملاحظات حول مشروع الحكومة المتعلق بمراجعة القانون عدد 12 لسنة 1985 المؤرّخ في 5 مارس 1985 الخاص بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد وللباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي.
عرفت المرجعية القانونية لأنظمة التقاعد بالقطاع العمومي تَواتُرًا لعديد التّعديلات والمراجعات لعلّ أهمّها القانون 85/12 المؤرّخ في 5 مارس 1985 . ورغم ما أثاره هذا القانون من جدلٍ يتعلّق بظروف استصداره فقد ترتّبت عن مراجعة القانون 5918 مكاسِبُ وحُقوقٌ تكرّست مبادئها بقيم الدستور والاتفاقيات الدّوّلية .
وتعود سلسلة المراجعات والتعديلات التي عرفها القانون عدد 12 لسنة 1985 إلى أسبابٍ ماليّةٍ بالأساس ناتجةٍ عن انخرام التّوازنات المحاسبيّة والماليّة للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، وهي حسب تقديري أسبابٌ هيكليّة تتعلّق بنظام الجرايات نفسِه ولا علاقة لها بما يتمّ تداولُه من زعم حول سخاء أنظمة الجرايات بالقطاع العمومي.
ولقد نصّت وثيقة شرح الأسباب التي تقدّمت بها الحكومة أخيرا على أسباب العجز الهيكلي الذي ما انفكّ يتفاقم لاسيما أن البوادر الأولى لاختلال التوازن المالي بدأت في الظهور منذ سنة 1992 تحديدا، وأرجعت وثيقةُ شرح الأسباب عواملَ العجز المالي إلى التحوّلات العميقة على المستويين الدّيمغرافي والاقتصادي التي عرِفتْها التّركيبة العُمريّة للمنخرطين المباشرين واتجاهها نحو التهرّم وتزايد نسبة المحالين على التقاعد سنويا.
كما أشارت الوثيقة إلى تراجع المؤشر الدّيمغرافي الذي يهمّ نسبة النشيطين مقارنة مع نسبة المنتفعين بجراية والذي تراجع من ٪6 سنة 1985 إلى 2.5 سنة 2016 بالإضافة إلى عامل تحسّن مؤمّل الحياة عند الولادة الذي بلغ 75 سنة وكذلك العديد من العوامل والإجراءات التي ساهمت في رسم ملامح الأزمة الهيكليّة لنظام الجرايات بالقطاع العمومي. ولئنْ برّرت وثيقة شرح الأسباب ما يعيشه القطاع فإنّ تناولها للخصائص الفنية لأنظمة التقاعد لم يكن موضوعيا بل تعلّق بأهمّ خصائص النظام التّوزيعي التي أقرّها القانون عدد12 لسنة 1985 في محاولةٍ جديدةٍ للتّراجع عن الأبعاد المجتمعية للحقوق المكتسبة التي يتمتّع بها حوالي 350 ألفَا من اصحابِ جراية بالقطاع العمومي.
وتهمّ الخصائص الفنية حسب نص الوثيقة :
1) احتساب الجراية على أساسِ آخرِ أجْرٍ أو أعلى أجرٍ تقاضاه المنخرط خلال حياته المهنية لمدّة سنتين متتاليتين.
2) اعتماد طريقة التّعديل الآلي للجرايات التي تتمثّل في مراجعة الجراية كلّما أُقِرّتْ زِيادةٌ في الأجور للمنخرط النشيط .
3) إمكانية بلوغ مبلغ الجراية 90 % من الأجر المعتمد لاحتسابها.
4) التّنفيل المسند إلى بعض الأصناف المهنية.
5) التمتّع الفوري بالجراية في سنّ مبكرة خاصة للعسكريين.
وفي مقابل هذه المؤشّرات لم تشملْ المراجعةُ المقترحة إلا بعض الفصول المتعلقة أساسا بنسبة المساهمات وسن الإحالة على التقاعد وقواعد مراجعة الجراية المتمثلة في التعديل الآلي للجرايات الذي حدّدته الوثيقة في عبارة «اعتماد طريقة التعديل الآلي للجرايات» في حين أن هذه الآلية تعتبر من أهمّ قواعد النظام التّعديلي والتّوزيعي للقانون عدد 12 لسنة 1985 على معنى أحكام الفصل 37 من القانون المذكور وليس طريقة معتمدة إداريا.
وتجدر الإشارة في هذا الباب إلى أنّ القانون عدد 12 لسنة 1985 عرف العديد من التعديلات والإجراءات التي تعلّقت أساسا بسنّ الإحالة على التقاعد والتعديل الآلي للجرايات ونسب المساهمات ويكوّن المشروع المقدّم حلقة جديدة ولا يرتقي إلى منزلة «إصلاح « الأنظمة والمبادرة بإستراتيجية إصلاح الصناديق الاجتماعية .
وحيث إن الإجراءات المقترحة تعدّ كلاسيكية وتمّ اعتمادها سابقا ولم تكن لها الجدوى المرتقبة في إصلاح نظام الجرايات، وحيث أن مردود الإجراءات المقترحة لن يمكن من ضمان التوازن المالي لأنظمة الجرايات بالقطاع العمومي سوى لفترة لا تتجاوز 24 شهرا على أقصى تقدير، وبدون معالجة الوضعية المالية العامة للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية خاصة فيما يتعلق بالدّيون المتخلّدة واحتساب ما تمّ تخصيصه من اعتمادات ظرفية خلال السنوات الفارطة، ونظرا لانتفاء صفة الإصلاح في المراجعات المقترحة والتي لا تتجاوز التعديلات الجزئية التي تهمّ أساسا دفع نسق التراجع في الحقوق الأساسية لأصحاب الجرايات فإنه تمكن الإشارة إلى ما يلي :
1) اتّسام موقف الحكومة بالتذبذب إلى حدّ التناقض بخصوص مراجعة سن الإحالة على التقاعد ففي حين تمثلت المقترحات الأخيرة في تأخير سنّ التمتع بالجراية والإحالة على التقاعد جاءت العديد من التشريعات في الاتجاه المعاكس وشجّعت على طلب الإحالة على التقاعد قبل بلوغ السن القانونية وأذكر منها القانون عدد 51 لسنة 2017 المؤرخ في 28 جوان 2017 المتعلق بضبط أحكام استثنائية للإحالة على التقاعد قبل بلوغ السن القانونية في قطاع الوظيفة العمومية وكذلك القانون عدد 5 لسنة 2018 المؤرخ في 23 جانفي 2018 المتعلق بالمغادرة الاختيارية للأعوان العموميين. ويتجلى بذلك غياب البعد الاستراتيجي للإصلاح كما يترجم هذا التناقضُ والتذبذبُ افتقادَ إرادةٍ واضحةٍ تشرك أهل الاختصاص وأصحاب المهن في مجال الجرايات والتقاعد بالقطاع العمومي، علاوة على أن هذا التوجه يتضارب مع الأهداف المرسومة والمتعلقة بتسقيف الكتلة الجملية للأجور بالوظيفة العمومية وخفضها إلى نسبة تقارب 17 % حسب مؤشرات الدّوائر الدوّلية والتي سوف تترجم في انحسار الانتدابات والتحكم في الزيادات في الأجور .
2) التّرفيع في نسب المساهمات بعنوان التقاعد بما قدره ٪3 (٪1 على كاهل العون و٪2 على كاهل المشغّل ) هو إجراء اعتمدته الدولة، لم يمكّنْ سوى من إثقال كاهل العون والدّولة باعتبارها مشغّلا ولم يخول في المقابل من معالجة أصل الاختلال في التوازن المالي، كما أن هذا الترفيع غالبا ما اقترن مع إجراءات أخرى تهمّ سنّ التقاعد والتّعديل الآلي للجرايات على غرار القانون عدد 43 لسنة 2007 المؤرخ في 25 جوان 2007
كما تجدر الإشارة إلى أن الدولة اتخذت العديد من الإجراءات بهدف الحد من العجز المالي لأنظمة الجرايات في حين غيّبت وثيقة شرح الأسباب تداعياتها على المضمون الاجتماعي وانعكاسها على التوازنات المالية للصندوق. وتهم هذه الإجراءات أساسا إحداث المساهمة الاجتماعية التضامنية في شكل ضريبة جديدة توظف لفائدة أنظمة الجرايات ضمن فصل قانون المالية الجديد ولم تحدّد إلى هذا اليوم مساهمة هذه الضريبة التي تم توظيفها على حساب المضمون الاجتماعي أساسا في تمويل أنظمة الضمان الاجتماعي باعتبارها من الإجراءات الظرفية الواجب مراجعتها أو إقرارها عند إصلاح أنظمة التقاعد .
3) مراجعة التعديل الآلي للجرايات إذ أقرّ الفصل 37 من القانون عدد 12 لسنة 1985 حق صاحب الجراية في التعديل الآلي للجراية عند كل ترفيع في أي عنصر من العناصر القارة للمرتب الموافق للرتبة أو للوظيفة التي تمت على أساسها تصفية الجراية، كما يتم التعديل الآلي للجراية عند إحداث أي منحة قارة تتعلق بالرتبة أو بالوظيفة التي تمت على أساسها تصفية الجراية ويخضع التعديل الآلي للجراية إلى أحكام الفصول 9 و10 و11 و13 و36 من القانون المذكور .
أما من الناحية التاريخية فقد عرف هذا الفصل مراجعات متتالية لعلّ أهمها سنة 2002 والمراجعة الجذرية سنة 2007 بمقتضى القانون عدد 43 لسنة 2007 المؤرخ في 5 جوان 2007 وتهم المراجعات تحمل المنخرط والمشغل لقسط من المساهمات والتي جاءت على النحو التالي :
1985 : المساهمات المحمولة على المشغل والمنخرط لمدة 36 شهرا، أي أن صاحب الجراية أو المنخرط يتكفّل بدفع المساهمات بعنوان أي ترفيع أو تعديل لمدة 36 شهرا ويتكفل المشغل قياسا على ذلك بدفع مساهمته بنفس العنوان لمدة 36 شهرا كذلك .
2002 : المساهمات المحمولة على المنخرط طيلة مدة صرف الجراية على أن يتكفّل المشغّل بدفع 36 شهرا بعنوان مساهمات المشغل .
2007: أصبح المشغل يتكفل بدفع 36 شهرا في حين يتكفّل المنخرط بدفع المساهمات المحمولة عليه طيلة مدّة صرف الجراية ويتحمّل كذلك مساهمات المشغل بعد انقضاء فترة 36 شهرا .
ويعتبر بذلك القانون 43 لسنة 2007 بداية التراجع الفعلي عن المبدإ التوزيعي في نظام الجرايات حيث يتم تحميل المنخرط الأعباء المحمولة أصلا على المشغل ويترتّب عن هذا التعديل الحدّ من الانعكاس المالي بعنوان التعديل الآلي للجرايات لفائدة لصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
كما ترتّب عن تطبيق هذا القانون تراجع فائدة التعديل الآلي للجرايات لفائدة صاحب الجراية بل وصل الأمر إلى حد تسجيل مفعول سلبي للتعديل الآلي للجراية خاصة بعد الشهر 36 اي منذ تحمل المنخرط الأعباء المحمولة عليه وعلى المشغل في الآن نفسه.
أما من الناحية العملية فان التعديل الآلي للجرايات لا يمثل سوى نسبة صغيرة مقارنة مع الحجم الجملي للجرايات بالقطاع العمومي والمقدرة سنويا بحوالي 3500 مليون دينار حيث لا يتجاوز مقدار التعديل الآلي للجرايات 190 مليون دينار أي 5% من الكتلة الجملية للجرايات بعنوان سنة 2017 وذلك دون احتساب مردود دفع الأعباء المحمولة على المنخرط والمشغل والتي سوف يتكبّدها المنخرط كما أشرت سابقا.
كما تجدر الإشارة إلى أن نسق مراجعة الأجور بالقطاع العمومي وخاصة على مستوى المنشآت والمؤسسات العمومية قد عرف نسقا تصاعديا وتعديلات متتالية ومتواترة وذات انعكاسات مالية هامة، جعلت مصالح الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية غير قادرة على مواكبة نسق الزيادات في جانبيها المالي والترتيبي بما يستوجب تحيين المرجعيات والنصوص. يضاف إلى هذا العنصر العجز الذي تعرفه بعض القطاعات المنخرطة بالصندوق على غرار شركات النقل بأصنافها مما حال دون دفع مستحقات الصندوق الذي يحتاج إلى سيولة مالية تمكّنه من تعديل جرايات المؤسسات المعنية في الإبان وانعكس ذلك سلبا على مصداقية الصندوق وتزايد العرائض والنزاعات القانونية باعتبارها مؤشرا سلبيا سواء من حيث دفع مستحقا ت المضمون الاجتماعي أو كذلك في علاقة المواطن بالإدارة والمرفق العام عموما .
وتبرز من خلال العناصر الآنفة الذكر الحاجةُ إلى مراجعة قانون الجرايات بالقطاع العام في اتجاه تعصيره ومسايرته للتركيبة الاجتماعية الجديدة والحاجيات المستجدّة ومن أجل إضفاء مقاييس تجانس المرجعية القانونية وتجميعها في نص موحّد يضمن مبدأ حوكمة التصرف ومبادئ الشفافية
وحيث أن مقترح الحكومة لا يرتقي إلى هذه الدرجة ولا يخدم الأهداف المذكورة ولا ينصهر ضمن إستراتيجية الإصلاح للأزمة الهيكلية التي يعيشها القطاع بما يهدّد حقوق المضمون الاجتماعي ولا يكفل ديمومة الأنظمة وتوازناتها المالية. سوف يؤدي هذا المقترح إلى المس من الحقوق المكتسبة وخلق شرخ قانوني بين الأجيال والفئات الاجتماعية والمهنية ولا يكفل حقوق الأجيال القادمة حيث سينتج عنه تفاوت في الجرايات وعدم تجانس في الحقوق.
كما أن بعض الإجراءات عمقت وضعية الغموض وعدم التجانس في الحقوق على غرار الاعتماد الجبائي الذي تم إسناده إلى أعوان الوظيفة العمومية وعدم قابليته للتعديل الآلي للجرايات بما يتسبّب في تظلم أصحاب الجرايات وتسجيل خسارة في موازنة الصندوق حيث لا يمكن إخضاع هذا الاعتماد للاقتطاع والمساهمات بعنوان التقاعد زيادة على العجز في الضريبة والأداءات بالنسبة إلى المالية العمومية.
أما من الناحية الإجرائية فإن مقترح الحكومة لا يستند إلى مقاييس ومؤشرات موضوعية يمكن للصندوق اعتمادها آليا وبصفة مباشرة ذلك أن الفصل 37 جديد يرجع تعديل الجرايات إلى صبغتها الدّورية في إطار المفاوضات المتعلقة بالأجور في القطاع العمومي بالاستناد إلى النسب السنوية للنمو الاقتصادي والزيادة في الأجور في القطاع العمومي والتضخم على أن تضبط صيغ وإجراءات تعديل الجرايات بمقتضى أمر حكومي
وجلي أن هذا المقترح لا يستند إلى مؤشرات موضوعية ولم يحدد الجهة التي ستتكفل بتوفير هذه النّسب ومدى التوافق حولها بين الأطراف الاجتماعية.
وعليه، فان القانون عدد 12 لسنة 85 يحتاج الى مراجعة شاملة تكون موضوع تفاوض معمق يتأسس على معطيات واضحة ونظرة استشرافية تعتمد الدراسات الأكتوارية بتشريك كفاءات القطاع وذوي الاختصاص. أما الزيادة في نسب المساهمات أو مراجعة سن الإحالة على التقاعد فإنها لا تتجاوز أفق تهوئة المنظومة ولا ترتقي الى درجة الإصلاحات الهيكلية .
ويبقى الفصل 37 جديد حجر الزاوية في المراجعة المقترحة بتمرير التراجع عن المكاسب دون ضمان حقوق كل الأطراف والأجيال بما يفضي إلى الاعتراض على الصيغة المقدمة وتحديد مقاييس وشروط موضوعية تكفل ديمومة الأنظمة في إطار دعم الحماية الاجتماعية وحسن توظيف التحويلات الاجتماعية وفق المبادئ الكونية للضمان الاجتماعي. أما بالنسبة إلى بقية الفصول المقترحة على أهميتها فإنها تبقى من باب الإجراءات العملية التي تتطلب نصوصا ترتيبية خاصة خارج قانون الجرايات إذ أن التبادل الآلي للمعطيات أو برنامج الحسابات الفردية ومواكبة الحياة المهنية يبقى رهين اعتماد خطة إصلاح إداري بمراجعة المنظومات المعلوماتية وتكوين الأعوان وإرساء مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة بما يدعم آليات المراقبة والاستخلاص. وتتعلّق هذه الملاحظة بمضمون العنوان الثاني (ثالثا) في باب مواكبة الحياة المهنية ومسك الحسابات الفردية حسب الفصل 71 خامسا والفصل 71 سادسا من مقترح الحوكمة.
وخلاصة القول إن المشروع الذي تمت إحالته إلى مجلس نواب الشعب قصد استصداره في شكل نص قانوني خارج أطر الحوار الاجتماعي يعتبر تراجعا جليا عن أحد أهم الفصول القانونية التي مكّنت أصحاب الجرايات من مواكبة منظومة الاختيارات الاقتصادية القائمة على الترابط بين مؤشرات الأسعار وتطور الأجور من أجل المحافظة على المقدرة الشرائية من ناحية وضمان التوازن المجتمعي لشريحة الأجراء وأصحاب الدخل من الفئات المتوسطة من ناحية أخرى.
كما يتجلى تضارب توجه المراجعة المطروحة مع مبادئ الدستور وقيمه التي تأسست على المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية بين مكونات المجتمع في إطار الحوار الاجتماعي والمفاوضات خاصة أمام ما تعرفه فئة المتقاعدين وأصحاب الجرايات من تطور عددي يتطلب أخذها بعين الاعتبار في كل التشريعات ومخططات التنمية.
* الهادي دحمان مدير مركزي سابق للجرايات بالصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية وخبير في مادة الضمان الاجتماعي والعلاقات المهنية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.