وهكذا تكون الكتابة عند محمد الطاهر السعيدي في هذا القسم بحثا متواصلا في كميائها وروحها بشعور متصوف يحترق بحلمه وينشد التحرر من المدى وجاذبية القول الشعري القديم في فضاءات رحبة تلامس بعضا من صفات الخالق. أما القسم الثاني والذي سنهتمّ بتحليله في هذه المقالة: هو حديث الحب ّ. وهو قسم يحتوي عشرين قصيدة سأذكر منها فقط ما يتصل بموضوعة الحب لفظا أو ما يحيل إلى معنى من معانية وهي: يطير الحبقلب واحد سيد العاشقين قمر للحب نهر الحب حب خالد . كما نجد قصائد أخرى تحيل معانيها إلى الحب وإن لم تتسم بلفظ الحب مباشرة. وقد جلب اهتمامي هذ المحور انطلاقا من أغراض الشعر. فنحن نعرف أن أغراض الشعر العربي المأخوذة من القصيدة الجاهلية المؤسسة للشعر العربي هي: الهجاء 1 والاعتذار 2 والفخر 3 والمدح 4 ووالرثاء5 والغزل 6. وهنا لب المسألة : كيف تناول محمد الطاهر السعيدي موضوع الحب في قصائده في هذا الربع الأوّل من القرن 21 ؟ فالحب عام والغزل خاص يتعلق بالمرأة وقد عرفته حضارتنا العربية بوجهيه: وجه مادي إباحي يتعلق بوصف جسد المرأة والتغني بقوامها ووجهها وخديها وعينيها وأهدابها وخصرها وشعرها وأصابعها وجيدها وابتسامتها وردفيها وصدرها وشفتيها ورضابها. ووجه معنوي أو عذري والذي ظهر كما يذكر الدارسون للشعر العربي في العهد الأموي في الصحراء كرد فعل تجاه عنف السياسة و بداية تأثير التمدن والاستقرار في الإنسان العربي أو نزوع الحضارة العربية نحو المادية . كيف عالج محمد الطّاهر موضوع الحبّ في هذه القصائد ؟ يبدو محمد الطّاهر السعيدي مطلعا، واعيا بقاموس الحب والغزل في المدونة الشعرية العربية. ولكنه لم يوظفها توظيفا آليا. أولا لابتعاده عن تلك العهود وثانيا لاستفادته من الأفكار الكبرى في دراسة الحب. أي لتوسع ثقافته الشعرية وغناها. إذ لم تبق ذائقته الشعرية عربية خالصة وإنما وقع إثراؤها بروافد من الفلسفات المختلفة. كفلسفة التصوف والفلسفات الهندية واليونانية والفارسية، ثم الفلسفات الغربية الحديثة.وهي ناتجة عن توسع ثقافة الشاعر وقراءاته الواعية بصيرورة الشعر الفنية وموضوعاته . فقد اشتغل مثلا على ماهيتي الحب والجسد تجريدا دون أن يقع في الابتذال والتكرار .وكان تناولهما تناولا بحثيا، فلسفيا، فنيا، مبتكرا. (يطير الحب بجَناحيْن / وفي يديه قوسه وسهامه / يخطئ السّهمُ الهدفَ / يصيبُ سمكةً / يمتلِئُ البحرُ حبًّا / يفيضُ البحرُ ) ص 29. فالحب عنده شعور جميل وجوهر فرد، وسمو فكرة وشرف هدف يتعلق بسمو طالب ومطلوب. لا يتأتى لطالبه قبل أن يتهيأ له. هو ثانيا استعداد نفسي للتلقي وكأن الشّاعر نبيّ يتهيأ لتلقي الوحي فكأن الحب مادة مطهرة وفعل إحياء وإنبات. وهو أيضا رباط روحي مقدس لا يمكن أن نقصيه من حياتنا. كالروح للجسد. كل يحن إلى قرينه . وفي انعدام الحب موت الجسد واحتراقه إذ في الحب ماء الوجود وشهقة الجسد. الحب جرعة ماء وبعث لجسد ميت وقد يتلاشى وبلي فإذا مسّ الجسم امتلأ لحما ودما ونبض القلب وشعر، وأينع كما يينع النبات بعد الجفاف . الحب طاقة مولدة .طاقة خلق وإحياء ( لِمَ النور والأنوار ؟ / لِمَ تضيء الشمس؟ / وتسطع الأقمار؟ / لِمَ نجوم الليل؟ / لِمَ ضوء النهار؟ / وبين يديّ وجه حبيتي ؟ ) ص 36.