استفاقت تونس أول أمس على خبر فاجعة ذهب ضحيتها 12 شخصا من ضمنهم 7 عاملات في القطاع الفلاحي... واشتعلت مواقع الاتصال الاجتماعي بصورهن مخضبات بالدم في ملابس بالية قديمة ممزقة مهترئة تصف حالتهن في الحياة... وعلى عجلة من أمرها صدرت بيانات حزبية لتسجيل الحضور ول «إسقاط الواجب» أوللتملص من مسؤولية قتل جماعية. قد يقول البعض هو القضاء والقدر ولا مرد لقضاء الرحمان وقدره. وقد تدمع قلوب آخرين وتحترق لوعة على فراق نساء كادحات يكابدن ويصارعن الزمن من أجل خبزة مرة... وقد تجود قريحة البعض ليجعلهن في قائمة الشهيدات المناضلات من أجل لقمة العيش. لكن بسرعة ستنقشع الصورة من الأذهان وتضيع العبارات في أزقة الأحداث و«تسمر الحياة» لاستقبال فواجع أخرى وما أكثرها. هذه الفاجعة التي تلتها ثانية في القصرين مساء، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة مادمنا قد طبعنا مع مثل هذه الكوارث. ف «شاحنات الموت» باتت خبزا يوميا يتصدر عناوين الأخبار وحديثا يلوكه البعض لإلقاء اللائمة وتحميل المسؤوليات لهذا أو ذاك. بل موضوع لقاء إعلامي للحديث عن الإجراءات والحلول عادة ما تختتم بالتأكيد على «إحداث خلية أزمة» أو مجلس وزاري لمتابعة الوضع..! ومنذ أقل من عام، بعد فاجعة مماثلة، أعلن وزير النقل عن إجراءات جديدة لتأمين نقل العاملات في القطاع الفلاحي. الإجراءات لخصها في «الإذن للولاة بالترخيص لأصحاب سيارات النقل العمومي مثل التاكسي والنقل الريفي لنقل العاملات والعاملين خارج مناطق الجولان». وأول أمس بعد الفاجعة، اقترح وزير الداخلية ذات الحلول قائلا: إن «هذه الحوادث تتكرر ولا بد من إيجاد حل جذري على غرار منح تراخيص استثنائية للنقل العرضي». «الحل الجذري» المتمثل في رخص استثنائية والمعطل أصلا هل يمكنه فعلا القضاء على ظاهرة أودت بحياة أكثر من 40 عاملة و492 جريحا خلال السنوات الأربع الأخيرة؟ الحل الجذري الذي قالت وزيرة المرأة إنه لم يفعل، هل يصد أصحاب شاحنات الموت الذين يقود بعضهم بلا رخص سياقة... هل يصد فلاحا «مستكرشا» أو عون أمن عن غض الطرف لسبب أو لآخر أو شاحنة يصدمك شكلها وحالها ومع ذلك تتمتع بشهادة في الفحص الفني بقدرة فني ضرب للفلاحات موعدا مسبقا مع عزرائيل؟ «نساء بلادي» في المناطق الريفية يمثلن ثلث مجموع النساء، ونصف السكان في الوسط الريفي، وعلى عرقهن يقوم القطاع الفلاحي الذي «يعذّب» نصف مليون امرأة تساهم ب68 بالمائة من الدخل القومي الخام وتؤمن 90 بالمائة من إنتاجنا للخضر والغلال... وربما من أجل هذا تمتعن في السنوات الأخيرة بخطة قامت على رصد 54 مليارا لتنظيم النقل والتغطية الاجتماعية ل500 ألف امرأة.. «نساء بلادي نساء وحزن»... حزن على كادحات لا يتمتعن بأبسط الحقوق يشحن في الصناديق الخلفية للشاحنات بعضهن ليعلن عائلات وزوجا استقال... حزن على 64 بالمائة منهن لا يتمتعن بالتغطية الاجتماعية و30 بالمائة منهن أميات... حزن على قرار سياسي يتأخر من الجالسين على الأرائك والكراسي الفاخرة، ويصدرون البيانات ويحدثون للفواجع خلايا إنصات لا تستمع الى الشامخات الشاهقات رغم الفواجع والعذابات.