في 12 أفريل 2018 جاءتنا الدكتورة راضيكا سوبرامانيام الأستاذة بمعهد نيويورك ذات الأصول الهنديّة متتبّعة خطى الفيل الشهير «أبو العبّاس» الذي جلبه هارون الرشيد من بلادها وأهداه لشارلمان سنة 185 ه / 800 م تعبيرا عن موّدة متبادلة بين ذلك الخليفة العباسي وملك الإفرنج هذا ، وقد تقاربا في السلطان والشهرة و المجد و العزّة . وبدعوة من الجمعيّة التونسيّة للمعالم و المواقع و رغبة شخصيّة من رئيسها الدكتور عبد العزيز الدولاتلي ألقت هذه الباحثة بكلّ فخر محاضرة ، و بالأحرى قرأت بحثا طويلا ، عن قصّة الفيل المشوّقة ، وما أدراك ما الفيل خاصّة إذا كان هديّة في أعلى مستوى ! وذهب بنا الظنّ جميعا إلى حدّ اليقين فتصوّرناه فيلا حقيقيّا بلوازمه ومرافقيه في موكب يسير من بغداد إلى فرنسا عبر السهول والفيافي ، لا الجبال ، و ربّما عبر تونس زمن حكم الأغالبة في القيروان عاصمة البلاد في ذلك العهد المجيد . وهاهو كتاب يصدر حديثا في طبعته الأولى (تونس 2019) للدكتور عبد الحميد سلامة بعنوان « قصّة العرب مع الشطرنج « فتلفت نظرنا منه الصفحتان 120 و 121 بصورة الهديّة قبالة فقرة توضيحيّة حسب مرجعين هامّين ، هما « موسوعة لاروس العامة « ( بالفرنسية ) وكتاب « الشطرنج في التراث العربي « لزهير أحمد القيسي . قال مؤلّفنا التونسي في خاتمة فصل حول صناعة الشطرنجات : « و لا بدّ أن أشير في هذا السياق إلى تلك الهديّة الودّية الرمزيّة التي ميّز بها الخليفة هارون الرشيد ملك الإفرنج شارلمان (Charlemagne) ( 742 – 814 م ) . و تتجسّم في قطعة جميلة من العاج بارتفاع 16 صم في شكل فيل يحمل هودجا يجلس عليه ملك، وحول الهودج ثمانية جنود، و الفيل يضرب بخرطومه فارسا ، بينما تعلّق بجبهة الفيل فارس آخر . وقد كتب على هذه التحفة بالخطّ الكوفي اسم صانعها يوسف الباهلي. وهي محفوظة بدار الكتب الوطنية بباريس». فأعظم بها هديّة من قطعة شطرنج تسمّى الدّابة في المصطلح لأنّها في شكل حيوان يدبّ على الرقعة، لا على الأرض، وصولا إلى الالتباس بين الحيّ و الجامد ! بتلك الفقرة أراحنا المؤلّف مشكورا من حيرة التساؤلات و الشكوك حول رحلة شبه مستحيلة في ذلك الوقت لفيل من دم و لحم يعبر القارّات و المناخات ويجتاز المصاعب والمخاطر ليصل و الوفد المرافق له سليما معافى يسرّ الناظرين و يدهش المعجبين تحقيقا لرغبة خليفة المسلمين ، خلّد التاريخ ذكره. وقد خلّد تاريخنا ذكر حكّامنا بما أهدوه من تراثنا ورموزنا لمتاحف أوروبا و لملك المغرب ، من تحف قرطاج في عهد البايات إلى قلادة بورقيبة في عهد الرئيس السابق . وما خفي كان أعظم .