لم يكن تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دافوس بأن «الصين مرحب بها في أوروبا» مجرد جملة دبلوماسية عابرة، كما أن تحركات المستشار الألماني فريدريش ميرتس نحو بكين، وزيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للصين والموافقة على إنشاء أكبر سفارة صينية في العالم في لندن، لا يمكن قراءتها كوقائع منفصلة أو تفاصيل تقنية في أجندات العلاقات الدولية. فلا شكّ أننا اليوم أمام مشهد سياسي جديد يعكس تحولا عميقا في بنية التحالفات العالمية، ويكشف عن تصدع غير مسبوق في قلب التحالف الأوروبي الأمريكي الذي شكّل لعقود العمود الفقري للنظام الغربي. التحالف بين أوروبا والولاياتالمتحدة لم يكن مجرد شراكة مصالح، بل كان تعبيرا عن رؤية مشتركة للعالم قائمة على اقتصاد ليبرالي، أمن جماعي، وقيم سياسية متقاربة، غير أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أعاد تعريف هذه المعادلة من جذورها. فسياساته تجاه أوروبا، سواء عبر الحروب التجارية، أو التشكيك في جدوى حلف «الناتو»، أو فرض منطق «أمريكا أولا» بطريقة صدامية، جعلت الحلفاء الأوروبيين يشعرون لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأن واشنطن لم تعد شريكا يمكن الوثوق فيه بالكامل. فأوروبا اليوم لا «تنقلب» على أمريكا بدافع العاطفة، بل تتحرك بدافع الضرورة، إذ عندما يكتشف الحليف أن مظلته الأمنية والسياسية أصبحت مشروطة ومؤقتة، فإنه يبدأ تلقائيا في البحث عن بدائل، وهنا تدخل الصين على الخط، ليس لأن أوروبا ترى في بكين بديلا قيميا أو أيديولوجيا، بل لأنها أصبحت رقما صعبا لا يمكن تجاهله في معادلة القوة العالمية، اقتصاديا وتكنولوجيا واستراتيجيا. ومن الثابت أن ترامب، الذي انتُخب تحت شعار استعادة الهيبة الأمريكية، انتهى عمليا إلى تفكيك أهم أدوات هذه الهيبة وهي شبكة التحالفات، فالقوة الأمريكية لم تكن قائمة فقط على التفوق العسكري، بل على قدرتها على قيادة منظومة من الحلفاء يشتركون معها في الرؤية والمصالح، وحين تتحول هذه القيادة إلى ابتزاز، وهذه الشراكة إلى عبء، فإن النتيجة الطبيعية هي اهتزاز البنيان كله. وفي هذا السياق، يصبح التقارب الأوروبي مع الصين مفهوما، فأوروبا تدرك أن الاعتماد المطلق على الولاياتالمتحدة لم يعد خيارا آمنا، وأن العالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية، فالصين، التي راكمت قوتها بصمت على مدى عقود، تجد اليوم نفسها أمام فرصة ذهبية للتغلغل في الفضاء الأوروبي، ليس عبر المواجهة، بل عبر الشراكات الاقتصادية والاستثمارية والدبلوماسية الهادئة. والمفارقة أن ترامب، الذي أراد كبح صعود الصين، ساهم عمليا في تسريعه، فعندما تدفع حلفاءك التاريخيين إلى البحث عن بدائل، فإنك تفتح الباب أمام خصمك الاستراتيجي ليتحول إلى شريك محتمل لهم، وهنا تتغير موازين القوى ليس عبر الحروب أو الصدامات، بل عبر إعادة تشكيل شبكة التحالفات. فنحن إذن أمام عالم جديد يتشكل، تسعى فيه أمريكا لإعادة التموضع لتقليل التكاليف، وتبحث فيه أوروبا عن استقلالية استراتيجية، فيما تستثمر الصين في الفراغ الجيوسياسي بهدوء وذكاء، والنتيجة هي انتقال متسارع من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث لم تعد واشنطن مركز الثقل الوحيد، ولم تعد أوروبا مجرد تابع سياسي، ولم تعد الصين قوة صاعدة تنتظر الاعتراف. وانهيار التحالف الأوروبي الأمريكي بصيغته التقليدية لا يعني بالضرورة نهاية الغرب، لكنه يعني نهاية «الغرب الواحد» المتماسك كما عرفناه، فنحن ندخل مرحلة السيولة الجيوسياسية، حيث تتغير التحالفات وفق المصالح لا وفق التاريخ، وتُبنى الشراكات على البراغماتية لا على الولاءات القديمة. هاشم بوعزيز