أصبح التونسي عنيفا ومتوترا في محيطه العائلي ومتوترا في محيطه الاجتماعي ومتوترا وعنيفا في مواقع العمل، ملاحظة تجلب الانتباه وتثير التساؤل وتدعو للبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك العنيف الذي ينتهجه التونسي في حياته اليومية. التوتر والعصيبة أصبحت من السمات الأساسية لعدد كبير من التونسيين وخاصة منهم الرجال الذين صاروا لا يستطيعون التعامل مع الآخرين إلا على أساس العصبية والعنف والتوتر وما ينجر عن كل ذلك من سلوك عنيف ماديا ومعنويا. فهل هناك أسبابا لهذا السلوك العدواني الذي أصبح يتسم به التونسي؟ هذا السؤال طرحناه على الدكتور عماد الرقيق المختص النفسي فكانت إجابته كالآتي : يقول الدكتور عماد الرقيق : إن انتشار مظاهر العنف وتفشي السلوك العنيف بين شرائح المجتمع التونسي وخصوصا الرجال والشباب من الذكور ونسبة لا يستهان بها من الفتيات يمكن تفسيرها بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحلية والعربية الراهنة وما تتسم به من اضطرابات وعدم استقرار. لكن يبقى هذا التفسير غير كاف لأن هناك أسبابا أخرى أكثر عمقا وتأثيرا في شخصية المواطن التونسي وسلوكه. فالتونسي يحمل في ذاته العديد من التناقضات وربما تواتر الحضارات وموقع تونس بين أوروبا وافريقيا والعالم العربي هي التي جعلت من نفسية التونسي وشخصيته لها مميزاتها الخاصة التي تحتوي على الشيء ونقيضه في الآن ذاته : شخصية متناقضة هناك عدة تناقضات في شخصية التونسي ونذكر منها: أولا : الشعب التونسي مسالم وهادئ على مرّ التاريخ حيث لم تشهد حياة المجتمع التونسي اهتزازات خطيرة أو حروب طويلة. ثانيا : الشعب التونسي شعب متحفز ينتفض ويثور بسرعة وربما يعود ذلك إلى حالة الاحتقان الداخلي والتوتر الاقتصادي وضيق الحال وارتفاع نسب الفقر خاصة في السنوات الأخيرة وانسداد الأفق وكثرة البطالة والتهميش وهي كلها عوامل تجعل منه شعبا قابلا للانفجار والثورة تماما كالبركان الهائج. ثالثا : فوضى المفاهيم أو لنقل تناقض المفاهيم حيث تختلف المشاريع الاجتماعية وتتضارب المصالح السياسية والذاتية بين الفاعلين السياسيين في حين بقي المجتمع دون هدف واضح تتلاعب به مختلف التجاذبات السياسية. رابعا : تعدد مظاهر العنف المقنع وربما نتج هذا عن غياب الديمقراطية في الفكر والسلوك التونسي وغياب المواطنة التي تحترم فيها الشريك في الوطن والتي تجعل خدمة الوطن هو الهدف الأسمى بالنسبة للجميع. خامسا : الخلافات والتجاذبات السياسية التي قد تمسّ المواطن في حياته العادية في زمن أصبحت فيه السياسة شأنا عاما وليس حكرا على فئة معينة من الشعب. سادسا : الوعي الذي يتميز به التونسي ربما يجعله يتحرك وينتفض بشكل أو بآخر حيث أن السكون ليس من طبعه وربما وعيه وثقافته تجعلانه أكثر حساسية وانفعالا وبالتالي يصبح عنيفا. سابعا : رغم أن الشعب التونسي شعب متأقلم لكنه لا يقبل أن يمس في لقمة عيشه أو في كرامته وهذا مهماكان درجة وعي أو المستوى المعيشي للمواطن فهو يرفض الاهانة بكل أشكالها وينتفض مهما طال الزمن أو قصر. ثامنا : انفتاح التونسي على العالم فهو سباق في التواصل الحديثة وفي حب الاطلاع على العالم والانفتاح على مختلف الحضارات المجاورة وهذه الخصائص تجعل منه شعبا مواكبا للأحداث ولكن قد تصيبه عدوى العنف التي يشاهدها من حوله. تاسعا : الوضع الاقتصادي الذاتي الصعب وانسداد الأفق وعدم وجود حل للخروج من وضعيته الاقتصادية الصعبة. كل هذه العوامل مجتمعة تهزّ نفسية التونسي وتجعله قابلا للتحول بسرعة إلى شخص عنيف ومتسرع وفاقد للصبر والتوازن والهدوء وغير قادر على التخطيط للمستقبل. كيف نتفادى العنف؟ كيف يمكن أن نتفادى العنف ونخلص الشعب التونسي من السلوك العنيف؟ سؤال يمكن الإجابة عنه بهذه المقترحات التي يقترحها الدكتور عماد الرقيق ومنها : الحفاظ على خصائص المجتمع التونسي باعتباره مجتمعا منفتحا على الآخر ومسالما. العمل على الحفاظ على طابع الدولة المدني وعدم الانزلاق في متاهات التطرف والمغالاة في الدين. الانخراط في التطور العلمي والثقافي العالمي. العمل على إرساء دعائم اقتصادية واجتماعية متينة تقضي على ظاهرة الفقر والتهميش وخلق الفرص أمام الشباب العاطل عن العمل. وفي الختام يمكن القول إن عنف التونسي لم يأت من فراع بل نتاج لأوضاعع اجتماعية واقتصادية بالأساس ويمكن القضاء على هذه الظاهرة بتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية العامة بالبلاد ومنح الشعور بالمطأنينة لفئات الشعب ضعيفة الحال والفقيرة والمهمشة.