أخصائي نفساني ل«الصّباح»: الآباء يلهثون وراء المادّة وينشغلون عن تربية أبنائهم... والنتيجة خسارة لا تعوّض تونس-الصباح ظاهرة محيرة أصبحت تبعث على القلق وتسيل حبر المختصين في علم النفس في تونس وهي تتعلق بالعنف الذي يطبع سلوك الكثير من الشباب التونسي ويعتبره المختصون في علم النفس سلوكا انحرافيا.. حتى أن الكثير منهم أكدوا في دراساتهم الآكاديمية أن انحراف الشباب وحتى الكهول هو حصيلة تربية السنوات الخمس الأولى من العمر.. وشددوا على أن هذه السنوات هي القاعدة الأساسية في تربية الفرد.. فإذا كانت أسس هذه القاعدة غير متماسكة وغير صلبة فإن الفرد ينشأ على التذبذب وتكون شخصيته خلال مرحلة المراهقة والشباب والكهولة غير متزنة وهناك امكانية كبيرة لكي يشب على الانحراف. وعن أسباب الانحراف لدى فئة الشباب وعوارضه وطرق الوقاية منه استفسرنا الأخصائي في علم النفس الدكتور عماد الرقيق فأفادنا أن التونسي بصفة عامة أصبح يعيش ضغوطات نفسية كبيرة وهي ضغوطات ناجمة عن الصعوبات المادية التي يمر بها بين الحين والآخر من ناحية ومن ناحية أخرى هي ضغوطات ناجمة عن الإظطرابات العائلية والمشاكل بين الأزواج والتشنجات الأسرية وتربية الأطفال وما يرافقها من صعوبات كبيرة.. وأضاف محدثنا أن هذه الوضعيات الضاغطة تجعل الشبان لا ينعمون بالراحة الحقيقية ولا يشعرون بالأمان.. وتراهم يفضلون قضاء أوقات فراغهم في الشارع على البقاء في المنزل أو ينغلقون على أنفسهم ولا يسمحون للآخر بالتواصل معهم.. وقال الدكتور الرقيق أن الشباب التونسي تواق إلى توفير ظروف عيش ممتازة وهو يحلم بالثروة والكسب السريع والمكانة المرموقة في المجتمع ويريد الوصول إلى مبتغاه دون مراعاة القدرات الشرائية لأبويه.. ودون ادراك منه أنه يطلب أشياء لا قدرة لهم على توفيرها.. وبين أن الظاهرة المزعجة التي أصبحت تميز الشباب التونسي وحتى الكهول منهم هي ظاهرة تقليد الغير.. فإذا كان الجار أو ابنه على سبيل المثال مترفا وقادرا على توفير الكثير من الكماليات فإن جاره يجهد نفسه للنسج على منواله وذلك حتى لا يكون خارج السرب. وشدد محدثنا على ظاهرة التقليد هي سبب البلاء الأكبر وهي التي جعلت التونسي غير مرتاح ويشعر بكثير من الظغوطات النفسية وقال إن العائلة مدعوة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى التحاور وإلى أن يستمع أفرادها إلى بعضهم البعض وأن تكون الرابطة العاطفية بينهم قوية جدا حتى يراعوا ظروف بعضهم البعض وحتى يتعاونوا على تصريف شؤونهم وعلى التصرف في نفقات الأسرة بما يستوجبه الأمر من اعتدال ووسطية.. التخطيط المحكم لميزانية العائلة قال الدكتور الرقيق إن الأسرة المتماسكة هي التي تخطط لنفقاتها على نحو جيد ومدروس بعيدا عن العشوائية وهي التي تربي الناشئة على القناعة.. وهي التي تتحكم في أوقات فراغ أفرادها وتبرمج مسبقا لكل المناسبات العائلية حتى تترك الأمور للصدفة. ولاحظ الدكتور عماد الرقيق أن المعضلة الكبيرة التي تحول دون تحقيق التوازن داخل الأسرة التونسية هي نقص الحوار أو غيابه كليا فكل منشغل عن غيره بأموره الخاصة.. وبين أن الآباء يقضون طيلة اليوم جريا وراء لقمة العيش أو تراهم منشغلون بالترقيات المهنية وبتحسين رواتبهم دون إيلاء تربية أبنائهم ما تستحقه من وقت وجهد.. وأضاف أن الشباب التونسي أصبح أكثر نرجسية مما كان عليه في السابق.. ولاحظ أن هذه الأنانية هي سلوك مرضي فالشاب يفكر فقط في نفسه ويفكر فقط في تلبية رغبباته دون مراعاة قدرات عائلته الشرائية ولكن هذا السلوك لا ينشأ في مرحلة الشباب بل ينمو معه منذ مرحلة الطفولة الأولى .. وذكر أن النرجسية تولّد التوتر لأن الفرد النرجسي هو الذي يستعمل شتى الأساليب للوصول إلى مبتغاه حتى وإن كان بواسطة العنف.. وبين أن الكثير إن لم نقل السواد الأعظم من الشباب التونسي نرجسي.. كما أنهم لا يتنازلون عن مطالبهم بسهولة.. وبين أنه في علم النفس نتحدث في هذه الحالة عن الشخصية التي تريد كل شيء لها.. "الكل لي" وهي الشخصية التي لا تتنازل ولا تؤمن بالحوار.. وهي بالتالي الشخصية المختلة.. وأضاف محدثنا أن غياب القدوة داخل العائلة وغياب المثال وخاصة الأب - كمثال وقدوة- أو الأم - كمثال وقدوة- إضافة إلى تفشي ظاهرة العنف الأسري هي العوامل التي ساهمت في انحراف الكثير من الشبان وهي التي جعلتهم عنيفين.. ونظرا لأن مشاكل العنف تعالج خلال الخمس سنوات الأولى من عمر الطفل يرى الدكتور عماد الرقيق أنه يجب التركيز على مرحلة ما قبل المدرسة أي على دور الأسرة ورياض الأطفال خلال هذه الفترة الحساسة والمهمة جدا في عمر الانسان.. فمن يشب على العنف يشيب عليه. ومن ينشأ في وسط يعامل الأفراد فيه بعضهم بعضا بعنف ينشأ عنيفا ومحبا للسلوك العنيف وردود الفعل المتشنجة منذ نعومة أظافره. ومن مظاهر الانحراف الخطير لدى فئة قليلة من الشباب التونسي نجد الادمان على الكحول والمخدرات والاغتصاب واتيان سلوكات عنيفة والسطو على متاع الغير بالقوة..