عاجل: النيابة العمومية تفتح تحقيقًا في حملة تشويه طالت الفنان لطفي بوشناق    مقاسم في حدائق قرطاج وعين زغوان تتباع بالمزاد العلني: فرصة ذهبية للاستثمار    بلدية تونس: المصادقة على تنظيم الأسواق العرضية لبيع الأضاحي    تونس وليبيا توقعان مذكرة تفاهم في مجال التكوين المهني والتشغيل وتبادل اليد العاملة    أسعار النفط ترتفع مع تصاعد مخاوف الإمداد    أيام جاية صعيبة: تقلبات، بَرَد ورياح قوية... والحذر واجب!    اختتام الأيّام التّونسيّة-الإيطاليّة للمحافظة على التّراث الأثري وتثمينه    عزيز دوقاز يتأهل لثمن نهائي دورة أبيدجان    ثورة مالية وتنظيمية في كأس العالم... هل يستفيد نسور قرطاج؟    يهم أضاحي العيد..بلدية تونس تعلن..    بنزرت: الليلة فتح الجسر المتحرك وعودة المرور كيف العادة    بهاء سلطان وشيرين عبد الوهاب يستعدان لأغنية جديدة لأول مرة منذ 21 عاما    إجراءات مرورية بمناسبة مباراة الترجي والنادي الصفاقسي    عاجل/ عملية طعن في لندن بعد هجمات إضرام نيران استهدفت مواقع يهودية..    تونس تشارك في الدورة 90 لصالون الصناعات التقليدية بإيطاليا    توريد "الفراز" من الجزائر ومصر..!!    أكثر من 10 آلاف تلميذ يشاركون في المراحل الجهوية والإقليمية والأنشطة الموازية لفعاليات القرية الوطنية للابداعات التلمذية لدورة 2026    ماهر الهمامي : نعدكم أننا لن نتنازل عن حق الفنان التونسي الكبير لطفي بوشناق    تلقيح مجاني للفتيات : وزارة الصحة توسّع حملة الوقاية من سرطان عنق الرحم    فرنسا تحثّ مواطنيها على مغادرة مالي    في معرض تونس الدولي للكتاب: وزارة التربية تستحضر 70 عاما من الباكالوريا بفيلم وثائقي    نتائج مشجّعة لمشروع الحدّ من هدر مياه الشرب بصفاقس الكبرى    الرابطة الأولى: تشكيلة النجم الساحلي في مواجهة نجم المتلوي    بايرن ميونيخ يتأهب لمهرجان تهديفي جديد أمام باريس سان جيرمان بعد ملحمة الأهداف التسعة    45 يورو للساعة... ألمانيا الأغلى في أوروبا من حيث تكلفة العمل    وزارة الصحة: توسيع حملة التلقيح ضد الورم الحليمي البشري    خطر يهمّك: تونس تفكّر تدخل تلقيح جديد يحمي من السلّ البقري    الرابطة الثانية: برنامج مباريات الجولة 25    أسطورة تغادر الملاعب إلى الأبد... قيس مراد في ذمة الله    الطماطم في سوق الجملة بألفين و500 ملّيم    جريمة مزلزلة بباب الخضراء: ذبح شاب في معركة دامية..تفاصيل صادمة وشنيعة..    هام/ ديوان قيس الأراضي والمسح العقاري ينتدب..    السجن لوفاق اجرامي متورط في تهريب البشر والخطف لطلب فدية..هذه التفاصيل..    عقوبات أمريكية جديدة تستهدف الشبكات المالية الإيرانية    الترجي يطالب بفتح تحقيق عاجل و نشر تسجيلات "الفار"    عاجل/ نسبة الزيادة المنتظرة في أجور موظفي القطاعين العام والخاص..    الملك تشارلز ينتقم لأوروبا ويرد على ترامب: لولا البريطانيون لكنتم تتكلمون الفرنسية    خبير في الطاقات المتجددة: اللزمات تخدم مصلحة تونس... التفاصيل    اعتراف إسرائيلي: ترامب هو السبب الرئيسي لعدم ضم الضفة    التوقعات الجوية لهذا اليوم..أمطار..    حرب إيران.. ترقب لمقترح جديد من طهران وترمب يخطط لحصار طويل    وزير الفلاحة يستعرض مع حاكم ولاية أمريكية آفاق التعاون الفلاحي    بودربالة.. من يحاولون التأثير على عزيمتنا قد أخطؤوا العنوان    من صوت المجتمع إلى ضجيج «الترند» .. الأغنية التونسية بين الجمالية والانحدار    طقس الليلة.. خلايا رعدية وامطار بهذه الاماكن    بين طبرقة وعين دراهم: حجز كمية كبيرة من أقراص أدوية للأمراض المزمنة وإيقاف مهرب    هام: الجمارك الليبية تتحرك...إيقاف امرأتين في قضية تهريب أقراص مخدرة باتجاه تونس    جدل تحكيمي جديد... حكم برتغالي يكشف حقيقة تدخل الVAR في ماتش الترجي وبنزرت    تسجيل أطفال سنة أولى: شنوّا تعمل إذا ما تحصّلتش على المدرسة الّي تحبّ عليها؟    الجمعية التونسية لأمراض وجراحة القلب تُعلن قرب إطلاق السجل الوطني للداء النشواني القلبي    ''نجدة'' تُنقذ التوانسة...اليوم الجلطة ماعادش تستنّى    صادم: عائلة هذا الفنان العربي المشهور تتبرأ منه بعد فيديو مسيء للدين    لطفي بوشناق يقاضي هؤلاء..وهذه التفاصيل..    هل يُحج عن من مات ولم يحج؟ الإفتاء تحسم الجدل    عاجل-مدينة العلوم: فلكيا هذا موعد عيد الأضحى في تونس    ابدأ أسبوعك بالدعاء... كلمات بسيطة تغيّر يومك بالكامل    أولا وأخيرا .. «اسمع وفلّت»    انتصار حلف المقاومة بقيادة إيران وأهمية الدائرة الثالثة/ الإسلامية لخلاص الأمتين (1/ 2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القصيدة العربية من أين تأتي وأي فاعلية ترتجى..؟
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005

الحديث عن الظاهرة الشعرية هو بالضرورة حديث عن مجالات تطوّر كتابة القصيدة العربية ومدى تمسكها بطابعها التقليدي ومواكبتها لمتطلبات العصر.
وقد يكون الكشف عن جمالية القصيدة العربية ودلالتها رهين كل فكر واع وكل قراءة معمقة ولكن لحظة الولادة الاولى رهينة خالقها فحسب فكيف هي لحظة مكاشفة الشاعر لذات الشعر؟ وما تكون علاقة الحداثة الشعرية بالتراث الشعري وفيهما تتجلى فاعلية القصيدة العربية جماليا ودلاليا؟
I لحظة مكاشفة الشاعر لذات الشعر
لعل الحديث عن النص الشعري الحديث هو حديث عن نظرة تأمل للعالم وطريقة حضور وفاعلية فيه وها هنا تبرز قيمة الشعر وتتجلى اهمية القصيدة وها هنا ايضا يولد التساؤل عن القصيدة...
«فمن أين تأتي القصيدة... ولكن من أين تأتي القصيدة» (1)؟
ان الحاح سعدي يوسف في السؤال عن مصدر القصيدة وعجزه الواضح عن حل لغزها لدليل على عذاب ومعاناة لحظة ميلاد الحدث الشعري.
فالذات الشاعرة كثيرا ما تعيش آلام لحظة المكاشفة... لحظة ولادة النص الذي لا يقنعه الا تحويل خالقه الى «شعلة نارية تتقد بين الشر» (2) فحتى بعد تجاوز خطورة هذه اللحظة والتمكن من خلق القصيدة وانتزاعها من رحاب الصمت يظل الشاعر يعاني الحيرة والقلق فهو عاجز عن شرح القصيدة وفهمها... الامر الذي جعل محمود درويش يعلن عن حيرته قائلا:
احاول شرح
القصيدة كي افهم الآن...
كنت احلمها... كنت أحلمها
والتقينا أخيرا
أحاول شرح القصيدة كي أفهم الآن ماذا حدث...
ان كل جسد لغوي ينطلق من الذات الكاتبة ليعود اليها او الى وحدة الذوات الفاعلة او اللافاعلة في الكون ولكن ليس من اليسر ان تمتثل هذه الذات لرغبتها في الكتابة وفي القول الشعري مما يجعل الشاعر يعيش مع القصيدة كوعد وحلم الى حين تجيئه بشكل مباغت» (3) وتتملكه «كيوم بلا ميعاد» (4) فهي تتأجج داخله وتمزق روحه وتجيء وتختفي كالبرق ولا احد يعلم متى تكون النهاية لتخلق البداية... متى ينتهي كل هذا العذاب لتكون القصيدة.
وليكتب الشاعر صمته ويشعل اللغة ويؤسس الحدث الشعري ويبشر بميلاد القصيدة العربية الحديثة..
لقد اقر «ارباب الاحوال» الشعراء في كل عصر ومصر عن رهبتهم وخوفهم من لحظة خلق القصيدة التي تولد الآن... ولكنها لا تصل» (5) ولكنهم في النهاية كسبوا الرهان وكتبوا النص اثر النص واحتفلوا بالقصيد تلو القصيد واعلنوا بكل ثقة انهم شعراء... اجل شعراء بتحقيقهم لإبداع باكتشافهم لكل مألوف وارتفاعهم فوقه واكسابهم الشعر ذاتيته وهويته.
وهاهو شاعر المرأة وشاعر الحب يعلن «اني شاعر قرر.. ان يشعل اللغة» اما محمود درويش فإنه يقول أنا شاعر يكتب صمته».
ان التقنية والجهد هما اللذان حققا شعرية سعدي يوسف ان يصرح ان كنت حقا شاعرا بفضل الله او الشيطان، فإنني شاعر بفضل التقنية والجهد، في حين يعلن الشابي انا شاعر وللشاعر في الحياة مذاهب تخالف قليلا او كثيرا مذاهب الناس فيها.
ليس غريبا ان يكون الشعر ديوان العرب اذ كثيرا ما ساهمت وتساهم الظاهرة الشعرية في تحريك الكون ومحاولة حل إشكالياته فالشعر بنية لغوية متميزة له دلالة وفاعلية وحضور في العالم ماضيا ومستقبلا.
ولعل هذا الدور الذي يحظى به الشعر في العالم العربي هو الذي يجيز القول بأن القصيدة العربية تعيش عصرها وتفعل فيه من اجل النهوض به ومساعدته على تجاوز مشكلاته وتحقيق تقدمه. وها هنا بالذات يولد الإشكال المتمحور حول القصيدة العربية وعلاقتها بالتراث والحداثة فهل ان الوفاء للاصل والتنكر للمعاصر هو الذي يحقق التواصل ام ان إشعاع الشعر العربي المعاصر وخلوده لم يكن الا نتيجة لإستقصاء التراث الشعري؟
II القصيدة العربية استقصاء للتراث الشعري
قد تعني كلمة تراث مرحلة شعرية معينة بالضرورة التخلي عن هذه المرحلة ونسيانها.
فصحيح اننا نعيش الحاضر وتحيط بنا الحداثة من كل جانب ولكن الاكيد انه لم يكن لتكون حداثة لو لم يكن تراثا ولان الظاهرة الشعرية في حاجة الى التراث فإن الذات الكاتبة تسعى الى تجاوز التراث الشعري لان في ذلك تطوير خلاق له فلا هو بالتقديس له ولا هو بالتجميد للنفس البشرية في حدود الماضوية فالشاعر الخلاق وكما يقول أدونيس في حديثه عن موقفه من ظاهرة التراث الشعري هو الذي يبدو في نتاجه كأنه طالع من كل نبضة حية في الماضي وكأنه في الوقت نفسه شيء يغادر كل ما عرفه هذا الماضي.
المعلوم ان القصيدة العربية المعاصرة خرجت عن السائد وغيرت في النسق الخليلي ولكنها لاتزال تكتب ضمن التفعيلة الخليلية فيكون بذلك تجاوزها للتراث الشعري ليس الا تطويرا له وبحثا عن امكانيات جديدة وحديثة للتعبير الشعري فمن حق المبدع بل من واجبه ان «يبتكر الى جانب العبقرية الخليلية آفاقا اخرى تغني اللسان العربي والموسيقى العربية» (6).
لأن الحدود قيود فإن القصيدة العربية المعاصرة حاولت ادراك الشعر من خارج بوتقة القوالب الجاهزة التي وضعها الخليليون فالأكيد انها تبدأ من التراث لتستغني عنه وتتجاوزه الى نفسها فتصبح مرجع ذاتها» (7). وهي بهذا تعلن عن امكانية خلق تراث جديد في الحاضر كفيل بتحرير العالم من حتمية الرجوع الى الموروث القديم».
ان إبداع قصيدة عربية معاصرة لا يتحقق الا بالأخذ عن التراث الشعري وتجاوزه غاية في التجديد والتحديث وخلق بنية لغوية ذات بعد جمالي وفاعلية» جمالية ولكن ليخترق الشعر الحديث الراهن ويحوله الى رمز فقط من اجل تحقيق فاعلية جمالية ام يتجاوز ذلك ليكون النص الشعري ذا فاعلية دلالية تثير المعرفة والوعي؟
III القصيدة العربية بين الفاعلية الجمالية والفاعلية الدلالية
ان الحدث سواء كان سياسيا ام ثقافيا ام اجتماعيا ليس غاية أدائه الشعر انما هو وسيلة يستخدمها الشعر من اجل الحديث عن المسكوت عليه بلغة ليست ككل اللغات. فإبداع النص الشعري هو في الوقت نفسه استقصاء للكائن بالكشف عن خفاياه وترميز للواقع.
ولقد ناضلت القصيدة العربية مع ابي القاسم الشابي ضد الاستعمار الفرنسي وتمكنت من إقناع الكل بأحقية البقاء فكان ان ردد الجميع على لسان الشابي :
سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء
أما نازك الملائكة فإنها لم تجد غير النص الشعري ليحتضن عاطفتها وألمها وتمردها فهي ليست إلا:
طفلة ترنو الى الشاطئ عبر النظرات
وترى العالم بحرا مغرقا في الظلمات
تتجلى إذن القصيدة العربية المعاصرة بما هي رؤية واقعية وصيانة شعرية فهي السعي بين الفن الجمالي والشعري الدلالي وهذا التكامل بين المجالين هو الذي جعل من الشاعر العربي عنصرا فعّالا في حركة النضال والاضافة على المستويين الذاتي الانساني والقومي العربي.
الهوامش
1 سعدي يوسف: المجموعة الكاملة
2 أبو القاسم الشابي: المذكرات
3 نزار قباني: قصتي مع الشعر
4 بدر شاكر السياب: ديوان أنشودة المطر.
5 محمود درويش: عن مجلة الكرمل
6 أدونيس: في قضايا الشعر العربي المعاصر. دراسات وشهادات.
7 محمود أمين العالم: في قضايا الشعر العربي المعاصر . دراسات وشهادات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.