أقوال الصحف التونسية    صوت الشارع:هل تعتبر أنّه تم تحييد الخطاب الديني في المساجد؟    خلال 10 أشهر الأولى لهذه السنة :تطور في نسبة تغطية الميزان التجاري للمواد الغذائية    “بنك الجهات”..مشروع الحكومة لتحقيق التنمية الجهوية    في الصالون المتوسطي للفلاحة والصناعات الغذائية بسوسة:الفلاّحون والصناعيون يعرضون منتوجاتهم وشواغلهم    كاس امم افريقيا: تصفيات المجموعة 10/ مصر/ تونس 2/3: تصريحات    دوري الأمم الأوروبية: برنامج مباريات السبت    دورة فرنسا الدولية للتايكواندو : محمد قرامي يحرز الميدالية الفضية    محامي سليم الرياحي ل"الصباح نيوز" : هيئة الإفريقي تفاعلت ايجابيا مع مقترحاتنا ..وسنحسم الأمور في جلسة الثلاثاء    في مباراة ودية فاز فيها على امريكا:روني يودّع منتخب انقلترا بالدموع    بعد اعتداء انصاره عليه:روما يدفع 150 ألف أورو لأحد مشجعي ليفربول    صدمة في ريال مدريد بعد إصابة راموس    تونس: انخفاض في درجات الحرارة..هكذا سيكون الطقس نهاية الاسبوع..    مواعيد آخر الأسبوع    محمد الحبيب السلامي يسأل : محمد رشاد الحمزاوي    التعرف على احدث التطورات الطبية في مجال تحاليل الدم محور اليوم الثاني للبيولوجيا السريرية بدوز    مزيل العرق يتسبب بوفاة مدمن مخدرات!    خبيرالشروق :الكوانزيم ك10 هذا المكمّل الأساسي والمظلوم(11):(coenzymeQ10    رويترز: “CIA” تتهم محمد بن سلمان بالتورط في مقتل خاشقجي    صفاقس:أنشأ صفحة فايسبوكية على انه طبيبة للتحيل على المراهقات    قفصة:شاحنة لنقل الفسفاط تتسبب في وفاة امرأة    القيروان:الوحدات الامنية تنجح في استرجاع شاحنة وقطيع أغنام مسروقة    العثور على الغواصة الأرجنتينية المفقودة بعد عام على اختفائها    الاحتلال يعترف:حماس ستصبح بقوة حزب الله في غضون عام واحد    حاتم بالرابح في ذمة الله:وداعا نجم «الخطاب على الباب»    لطيفة تقدّم برنامج تلفزي ضخم    الجامعة التونسية تفقد أحد أعمدتها:الدكتور محمد رشاد الحمزاوي ....وداعا    هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم السبت 17 نوفمبر 2018    لسعد اليعقوبي: لا تراجع عن قرار مقاطعة الإمتحانات دون التوصل إلى إتفاق    المهدية:رفع 672 مخالفة اقتصادية    مبادرة من خلية أحباء النادي الافريقي بباريس لحل أزمة الفريق المادية    فنان شهير يعلن تخلّيه عن الدين الإسلامي...    كندا تستقبل أكبر عدد من طلبات اللجوء في 30 عاما    قفصة .. اليوم الاعلان عن نتائج مناظرة الشركة التونسية لنقل المواد المنجمية    اضراب عام ب3 أيام بمؤسسة الإذاعة التونسية    ماهي حركة "السترات الصفراء" التي تهدد بشل حركة فرنسا؟    العاصمة.. إيقافات وحجز في حملة أمنيّة    تحيين من المعهد الوطني للرصد الجوي    كرشيد يصرح بمكاسبه بعد نهاية أعماله في وزارة املاك الدولة و الشؤون العقارية    رئيس الوزراء الروسي: الاقتصاد العالمي تعافى بعد أزمة 2008 ولكن الانتعاش بطيء للغاية    لصحتك : القهوة تحميك من الإصابة بالسكري    بعد تناوله لحماً مغطى بالذهب.. أصالة تهاجم فناناً كويتياً    قفصة/ القبض على شخصين بحوزتهما كمية من مخدّر "الزطلة"    رضا شلغوم: انطلاق استعمال أجهزة تسجيل عمليات الإستهلاك خلال النصف الاول من 2019    ارتفاع حصيلة ضحايا حرائق كاليفورنيا إلى 71 شخصا    علماء يحددون المدة الأفضل لقيلولة منتصف اليوم    هيئة الإفتاء الجزائرية: الاحتفال بالمولد النبوي غير جائز شرعا    طقس السبت 17 نوفمبر: ضباب في الصباح ثم أمطار متفرقة والحرارة في انخفاض    تظاهرة “النجم الذهبي” تكريم خاص للزميلين حافظ كسكاس وريم عبد العزيز    فوزي اللومي: المؤتمر القادم للنداء هو "الرصاصة الاخيرة "        الصريح تحتفل بمولده (6) : قراءة في الحوار الذي دار بين هرقل وأبي سفيان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم    وزير الصناعة: هناك 5400 مؤسسة صناعات معملية بتونس...ونعمل على تحقيق هذه المحاور    "الستاغ" قطعت الكهرباء على 800 ألف حريف    وزارة الصحة: التحاليل المخبرية تثبت سلامة مادة الصنوبر الحلبي ''الزقوقو'' المعروضة بالسوق    نتائج الحملة الوطنية المشتركة بمناسبة المولد النبوي الشريف    تعزية ومواساة    اشراقات:هذا أنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التقاه خالد الحداد : الدكتور جمال الدين دراويل في منتدى الاثنين
نشر في الشروق يوم 03 - 12 - 2012

المنتدى : «المنتدى» فضاء للتواصل مع قراء الشروق بصيغة جديدة ترتكز على معرفة وجهات نظر الجامعيين والأكاديميين والمثقفين حيال مختلف القضايا والملفات ووفق معالجات نظريّة فكريّة وفلسفيّة وعلميّة تبتعد عن الالتصاق بجزئيات الحياة اليوميّة وتفاصيل الراهن كثيرة التبدّل والتغيّر ، تبتعد عن ذلك إلى ما هو أبعد وأعمق حيث التصورات والبدائل العميقة إثراء للمسار الجديد الّذي دخلته بلادنا منذ 14 جانفي 2011.

اليوم يستضيف «المنتدى» الدكتور جمال الدين دراويل أستاذ الحضارة الحديثة وتاريخ الأفكار بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان ورئيس منتدى الثقافة والحوار ورئيس تحرير مجلة الحياة الثقافية.

وقد سبق للمنتدى أن استضاف كلا من السادة حمادي بن جاب الله وحمادي صمّود والمنصف بن عبد الجليل ورضوان المصمودي والعجمي الوريمي ولطفي بن عيسى ومحمّد العزيز ابن عاشور ومحمد صالح بن عيسى وتوفيق المديني وعبد الجليل سالم ومحسن التليلي ومحمود الذوادي ونبيل خلدون قريسة وأحمد الطويلي ومحمد ضيف الله والمفكر العربي الافريقي رشاد أحمد فارح وإعلية العلاني وجمال بن طاهر الّذين قدموا قراءات فكريّة وفلسفيّة وسياسيّة معمّقة للأوضاع في بلادنا والمنطقة وما شهدته العلاقات الدولية والمجتمعات من تغيّرات وتحوّلات.

وبإمكان السادة القراء العودة إلى هذه الحوارات عبر الموقع الإلكتروني لصحيفتنا www.alchourouk.com والتفاعل مع مختلف المضامين والأفكار الواردة بها.
إنّ «المنتدى» هو فضاء للجدل وطرح القضايا والأفكار في شموليتها واستنادا إلى رؤى متطوّرة وأكثر عمقا ممّا دأبت على تقديمه مختلف الوسائط الإعلاميّة اليوم، إنّها «مبادرة» تستهدف الاستفادة من «تدافع الأفكار» و«صراع النخب» و«جدل المفكرين» و«تباين قراءات الجامعيين والأكاديميين من مختلف الاختصاصات ومقارباتهم للتحوّلات والمستجدّات التي تعيشها تونس وشعبها والإنسانيّة عموما اليوم واستشرافهم لآفاق المستقبل.

وسيتداول على هذا الفضاء عدد من كبار المثقفين والجامعيين من تونس وخارجها ، كما أنّ المجال سيكون مفتوحا أيضا لتفاعلات القراء حول ما سيتمّ طرحه من مسائل فكريّة في مختلف الأحاديث (على أن تكون المساهمات دقيقة وموجزة في حدود 400 كلمة) وبإمكان السادة القراء موافاتنا بنصوصهم التفاعليّة مع ما يُنشر في المنتدى من حوارات على البريد الالكتروني التالي:
[email protected]
هل تعيش بلادنا فعلا مسارا ثوريا؟

تعيش بلادنا مسارا ثوريا متعثّرا من ناحية ومخذولا من ناحية أخرى...لا الطبقة السياسية ولا النخب المثقفة ولا الشعب كانوا في مستوى استحقاقات السياق الثوري ومقتضياته...لم يخترق الوعي الثوري والثقافة الثورية أذهاننا...لم نوطّن أنفسنا على ممارسة جديدة نابعة من هذا الوعي وهذه الثقافة...تعاطينا مع فترة ما بعد « الثّورة» بقدر عال من الاعتباط والأنانية والأثرة...الثورة عمل دؤوب ونظر بعيد وعطاء كبير لنحت مستقبل أفضل...الثورة التي ترتفع بعدها المطلبية إلى أعلى درجاتها وينزل فيها العطاء إلى أسفل درجاته...الثورة التي يتعامل معها الناس باعتبارها فرصة للغنم وذريعة للفوضى....ثورة مخذولة...الثورة التي لا يكون المفكّرون والمثقفون قي صفوفها الأولى ثورة بلا بوصلة ولا خارطة طريق....وهذه إلى حدّ بعيد حالنا.

لكن هناك تواصل للحديث عن قوى للثورة المضادة ؟ بل هناك مقترحات تشريعية لتحصين الثورة سياسيا ؟ في تقديركم كيف يمكن تحصين الثورة ؟

يتمّ تحصين الثورة بثقافة الثورة وبأن تخترق مبادئها وقيمها العقل الجمعي ...ذلك عماد تشكّل الإرادة الثورية العامة التي لا تنجح الثورة إلاّ بها...مقدّمة الثورات التي نجحت تاريخيا في تغيير المجتمعات إلى الأفضل فكرجديد وثقافة جديدة وجوهرها علم ومعرفة وابتكار ونهاية مطافها سياسة وحكم...ثورتنا بلا مقدّمة ولا جوهر...وتلك أخطر معضلاتها . نزلنا إلى بحر السياسة الخضمّ...نسبح فيه سباحة حرّة واستغرقت السياسة كلّ اهتماماتنا ...نسينا أنّ امتلاك القدرة على التغيير نحو الأفضل مهمّة الثقافة والمعرفة...السياسة تدبير والثقافة والمعرفة نظر وتفكير...ولا تدبير بلا نظر وتفكير إلاّ لدى من لا يفقهون حديثا.

بحساب الزمن كم يمكن ان يدوم مسار انتقال ديمقراطي او مسار ثورة ما ؟

مسار الثورات والانتقال الديمقراطي طويل طويل ...وأوّل خطواته تربية وثقافة...أو بمعنى آخر بناء الذهنية الجديدة وتهيئة الأرضية المواتية للوعي الجديد الذي يغيّر نظرة الإنسان لنفسه وللآخر الذي يشاركه العيش في المجتمع وللسلطة السياسية وللطبيعة والعالم وللذات العلية الالهية على النّحو الذي يولّد لديه استعدادات جديدة للفهم والفعل الإيجابيين...وهنا يأتي دور المؤسسة التربوية والإعلامية والثقافية ...وهذا ليس بالأمر الهيّن...الثورة هي أوّلا بالضرورة بعث جديد في الوعي والتفكير والممارسة.

ما يحصل في التجربة التونسيّة والعربية أنّنا نتعاطى مع سياقات ثورية بوعي وثقافة متخلّفين عن هذه السياقات و مُربكين للمسار الثوري... ولا بدّ من الانتباه إلى خلل فظيع في سيرورة تجربتنا الثورية متمثّلا في أنّ التونسيين طلبوا من ثورتهم ولادة بلا حمل ولا مخاض...أرادوا من الثورة ثمارا وجنيا طيّبا وهم لم يحرثوا لها أرضا ولا أزالوا الطفيليّ من أعشابها ولا بذروا لها بذرا ولا سقوها ولا رووها.

والمؤسف أنّ خمائر جيّدة ظهرت في الأيام الأولى للثّورة بدت مبشّرة بميلاد روح جديدة وإرادة جماعية واعدة سرعان ما تلاشت ...هنا أقول إنّ المؤلم في تاريخ الأفكار بمجتمعاتنا العربية الإسلامية وكذا تاريخها الاجتماعي أنّه تاريخ ارتكاسي تراجعي...يتقدّم حينا وينتكس أحيانا...والسبب في تقديري هو أنّنا لم نعقلن تفكيرنا ولم نعقلن حياتنا.لم نتعلّم من أخطائنا ولم نستفد من تجارب غيرنا...ومن افتقد هاتين الميزنين فقد القدرة على الذهاب إلى الأحسن.

لكن النخب تكاد تكون مغيبة عن مسار التحولات الجارية حاليا في بلادنا ؟ هذه النخب أتنخرط في رؤية سياسية او حزبية أم هي تبقى على الربوة دون تأثير يذكر ؟

يحيلنا ما تقدّم عن دور النخبة في القيام بمسؤولياتها المعرفية والأخلاقية والتاريخية والوطنية...وفي هذا السياق ،لا أتردّد في القول إنّ النخبة التونسية من علماء وجامعيين وباحثين وفنّانين جنحوا منذ عقود إلى إيثار الخلاص الفردي...ولم يمنحوا الجماعة وهم مدينون لها شاؤوا أم أبوا حقّها باعتبارهم صفوة ما أنجبت ويفترض أن يكونوا تبعا لذلك سندها الأساسي ، والصّف الأول من عدّتها البشرية... في كلّ سياق تاريخي وفي المنعطفات الحاسمة كالتي نمرّ بها حاليا على وجه الخصوص ...وعلينا أن نقرّ أنّ النخبة لا تستحقّ أصلا هذه «التسمية» ولا تكون جديرة بالاحترام والتوقير الحقيقيين إلاّ إذا نهضت بهذا الدّور ...وهو من أجلّ أدوارها وأعظم وظائفها.

وبالنّظر إلى سيرورة الأحداث والوقائع في ما بعد الثورة ، نلاحظ أنّ النّخب مازالت متأخّرة ومترددة...بل منها من انخرط بحكم العمى الايديولوجي في تنشيط الفتنة الداخلية التي لن تؤدّي إلا إلى تحويل طاقات المجتمع إلى عوامل تآكل داخليّ بدل أن تكون عوامل بناء وإعمار ونماء ... ولا مراء في أنّ هذا التصرّف شدّ إلى الخلق ، فيما الثّورة توثّب إلى الأمام نقطة ارتكازه الأساسية إرادة جماعية واتفاق عامّ على مبادىء جامعة وقيم بانية منبثقة من أهداف الثورة ومقاصدها القريبة والبعيدة.

الحرية زمن الثورة ، هل لها حدود وضوابط ؟

الحرّية محفوفة في كلّ وقت بعوامل الجنوح والانزلاق...ويكون ذلك أكثر في السياقات الثورية باعتبارها سياقات انتقالية تعرف بالضرورة قدرا قلّ أو كثر من عدم الاستقرار... والخطير أن يغلب جنوح الحرّية على أصلها وجوهرها...فتتحوّل إلى عامل هدم للبناء الاجتماعي وتفتّت للإرادة العامة، فيما هي في الصميم بناء للذات الفردية وللإرادة الجماعية وهما قوام إنجاز الأعمال الكبيرة والمشاريع الجليلة لكلّ ثورة...علينا أن نتعلّم أن لا وجود لحرية مطلقة في الواقع ...فلا معنى للحرية إلاّ بالآخر ومع الآخر...لا معنى للحرية خارج الدولة...وهاتان الحقيقتان تفرضان أن تكون الحرية محاطة بضوابط الجماعة والدّولة ...لذلك تطرح قضية الحرّية في الفكر الفلسفي والسياسي الحديث جنبا إلى جنب مع المسؤولية كما تطرح مسألة الحقوق جنبا إلى جنب مع الواجبات فهما يشتغلان في نطاق الإمكان النظري وفي نطاق التحقّق في الواقع ضمن نسق تكامليّ ، وفكّ ارتباط أحدهما عن الآخر مضيّع لهما معا ...وكم ارتكبت وترتكب باسم الحرية من جرائم يقوم بها الإنسان تجاه الآخر بل تجاه نفسه. الحرّية لا تكون إلاّ بنّاءة وكلّ ما يرتكب باسم الحرية من مفاسد هو نتيجة المنزلقات الحافّة بها وليس من أصل الحرّية.

هل لحرية التعبير نواميس حضارية وثقافية ام هي غير مقيدة؟

عطفا على ما تقدم أقول إنّ حرية التعبير تقترن دائما بنواميس ثقافية وحضارية ...مع ضرورة الانتباه إلى حاجة كل ّ ثورة إلى عملية نقد ثقافي عميق يخلّص الثقافة الخاصّة من تلك الحواجز العالية التي وضعت باطلا أمام حرية التعبير من خلال توسيع دائرة المقدّس بإقحام ما ليس مقدّسا في دائرة التقديس. وأنا أعترف أن ثقافتنا العربية الإسلامية تنطوي على قدر غير قليل من المسائل أحيطت بهالة من القدسية الموهومة...وهي عند التحقيق لا تدخل في نطاق ما هو مقدّس...

لقد انبت الحداثة على الحرية والعقلانية... وأنا أشتغل مند سنوات على بيان أن الحرية مبدأ إسلاميّ عتيد وأن العقلانية أصل من أصول الرسالة الإسلامية أصيل ...مع اختلاف بين الطرحين.. الحداثي الذي أطلق العنان للحرية والعقلانية بما تسبب في فقدانها لطابعها الإيجابي البنّاء من جهة والإسلامي الذي يحرص من خلال منظومته القيمية الأخلاقية على حماية هذا الطابع الإيجابي والمثمر للحرية والعقلانية من جهة ثانية.

كيف تعاطت النخبة التونسية بالأمس واليوم مع مسألة الحرية ؟

يعدّ الثلث الأوّل من القرن العشرين في البلاد التونسية...منطقة خصب نظري وعملي...فيها نقد ثقافي عميق وجريء وإنتاج معرفي ثريّ حول قضايا الحريات والحقوق ومدنية السلطة السياسية ...وفيها حراك سياسي واجتماعي وفكري نابع من الوعي بحيوية واستراتيجية الحرية باعتبارها قضية مركزية من قضايا الانسان المعاصر والمجتمع الحديث...وقد أنجزتُ عملين أكاديميين في هذا (ماجستير ودكتورا) وأبحاث ودراسات عديدة في هذا المجال ...وتبيّن لي أنّ المعالجة النظرية لقضايا الحريات تراجعت إلى حدّ بعيد وكذا الشأن بالنسبة إلى الجانب العملي والإجرائي لها ...ولهذا الأمر أسبابه التي حللتها في أبحاثي...ولا أرى أنّ النخبة التّونسية في الوقت الراهن متشبّعة نظرا وعملا بما يقيم الدليل على وعيها العميق بأن الحرية ملفّ لا يغلق نظريا وعمليّا...وهذه معضلة أخرى من معضلات مجتمعنا وثورتنا...
إنّ القاع العميق لتفكير نخبنا الفكرية والسياسية... علمانية وإسلامية مازال يشتغل بآليات ثقافة الفرقة النّاجية... بآليات الهوى والمزاج وربّما الغريزة... وهذا ما لا تقبله ثقافة الحرية والمعقولية.

ومن ثمّ غابت معاني التسامح والتنوير إذ التسامح والتنوير متولّدان عن التعقّل والتحرّر.

لماذا تغيب كثيرا معاني التنوير والتسامح في الفكر العربي ؟ هل يعني ذلك ضرورة القيام بجهد إضافي لتجديد هذا الفكر ؟ ما هي مرتكزات هذا التجديد ؟

إنّنا في أمسّ الحاجة إلى الفريضة الغائبة... وهي الثورة الفكرية على المناويل والأنساق التقليديه التي انبنت على أساسها ثقافتنا التقليدية في العقيدة والكلام في التصوف والمرويات... في الفقه وأصول الفقه ...هذه المناويل التي كانت وراء شيوع ذهنية الوثوق في القديم والاعتقاد أنّه الأفضل والأطهر ومن ثمّ التعصّب له وتدنيس المخالف...وهذا ما أخرج الثقافة العربية الإسلامية عن دائرة الإسهام في تغذية الفكر البشري نتيجة السّنة التي انتهى إليها الفكر الإسلامي على خلفية الوهم الخادع أنّ الأوائل ما تركزا للأوائل شيئا وأنّ السلامة في الاتباع لا في الابتداع. بناء على ذلك آثر المجتمع الإسلامي المسكنة الحضارية على من منطلق أنّ التقليد واسترجاع مقولات السابقين أصبح سنّة ماضية وعادة سارية فغابت ذهنية الاجتهاد والابتكار واستكشاف العالم وتطويره وترك المسلمون زمام المبادرة لغيرهم الذي سبقهم سبقا بعيدا ففرض عليهم إيقاعه ولزّهم إلى التعويل عليه في الصّغير من الحاجات والكبير...والحاجة ضرب من العبودية...

من الدروس العالية التي لا خير فينا إن لم نتعلمها من الثّورة أن نؤمن بإمكانياتنا ونتخلّص من مناطق الإعاقة في ثقافتنا ونستفيد من مبتكرات الآخر ومنجزاته و تجاربه كما استفاد هو منّا يوما..حتى يتسنّى لنا ان ندخل العصر بثقة وتبصّر ونبني تجربتنا الحضارية الجديدة علي بصيرة من أمرنا ونساهم جنبا إلى جنب مع غيرنا في بناء العالم ورفع معاني الإنسانية وأعمدة المدنية فيه .

هناك تخوف من فشل ثورات الربيع العربي وعودة الهيمنة والأنظمة الدكتاتورية ، برأيكم كيف يمكن تامين عدم العودة الى الخلف ؟ هل مجتمعاتنا العربية مؤهلة لخوض تجربة سياسية ديمقراطية ؟

في هذا السياق أقول إنّ مجتمعاتنا العربية الإسلامية تمتلك القدرة على نحت تجربتها الديمقراطية...والثورة الثقافية والفكرية ممرّ إجباري لذلك ولا حرج ولا غضاضة أن نستفيد من غيرنا وأن نتّعظ بتجاربه...فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أولى بها لا يعنيه من أيّ وعاء خرجت...لا سيما أنّنا نمنا نوما طويلا...وغابت عنّا حقيقة أنّ من نام لم تنتظره الحياة.

لا بدّ أن نغذّيَ إرادة الحياة التي انبثقت من الثورات الراهنة...إذ بها وحدها تفتح الحياة الكريمة العزيزة أجنحتها لنا من جديد...وهذا ما يفرض على الثقافة والفكر الحضور بقوّة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ بلدنا وأمتنا ...هذه المرحلة مرحلة تأسيسية والتأسيس فعل ثقافي وفكريّ المقام الأوّل... إن أردنا لكي نعطي للحظة الثورية امتداداتها الحقيقية فالثقافة أوّلا والثقافة دائما ثمّ السياسة....والمؤسف أنّنا لا نرى الحراك الثقافي المستحقّ بل سمعنا من يقول إنّ الفترة الحالية فترة سياسية بامتياز...وهذا في تقديري سوء تقدير متأتّ من قصر النّظر أو من نزوع براغماتي لا يلتفت أصحابه إلى ما سوى يومهم ...وليعلم من يفكّر على هذا النّحو أنّ السياسة التي لا تستند إلى تنظير فكري وبرنامج ثقافي... سياسة شريدة لا بوصلة لها ولا امتداد في النسيج الاجتماعي لها.... فهل من مدّكر ؟

درستم المغايرة وحقّ الاختلاف في تفكير الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ، ما خلاصة هذا المبحث ؟

أدرك ابن عاشور أنّ الحضارة العربية الإسلامية تشكّلت وازدهرت على أساس الانفتاح والتواصل مع الآخر، بعيدا عن وهم الاستعلاء والاستئثار بالحقائق واحتكار الفضائل.

وانطلق من الحقيقة التاريخية والاجتماعية التي أفادت أن حالة الجمود الفكري والانغلاق الثقافي دليل على البدائية والتوحّش فقد «كانت أحوال الجماعات البشريّة في أول عهود الحضارة، حالات عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة...ولم يكن لإحدى الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى، فضلا عن التفكير في اقتباس إحداها ممّا يجري لدى غيرها... وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقّة التواصل، وما يعرض في ذلك من الأخطار، حائلا عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض، وشعور بعضها بأخلاق بعض» .

وأمكن كما بيّن ابن عاشور للمجتمعات الإنسانية منذ القرن الرابع الميلادي أن «تتقابس وتتمازح في الأخلاق والعوائد والنظم، لسببين اضطراري واختياري.
أمّا الاضطراري فذلك أنّه قد ترامت الأمم بعضها على بعض، واتجه أهل الشرق إلى الغرب وأهل الغرب إلى الشرق... وأمّا الاختياري فهو ما أبقاه ذلك التمازج من مشاهدة أخلاق وعوائد حسُنت في أعين رائيها فاقتبسوها، وأشياء قبُحت في أعينهم فحذروها، وفي كلتا الحالتين نشأت يقظة جديدة وتأسست مدنيات متفنّنة، وتهيأت الأفكار إلى قبول التغيّرات القويّة، فتهيأت جميع الأمم إلى قبول التعاليم الغريبة عن عوائدها وأحوالها».

ولم يغبْ عن ابن عاشور أنّ التقدم العلمي والتطوّر الصناعي الذي حقّقه العلم الحديث في مجال النقل والاتصال، حوّل العالم الذي كان مترامي الأطراف في الوعي القديم، إلى ما يشبه القطر الواحد في العصر الحديث، وهو ما جعل مصالح الأمم والشعوب تتداخل وتتشابك، ومجال التمازج والتقابس يتسع ويتضاعف، على نحو جعل التواصل والتثاقف وتبادل المصالح من الضرورات، فقال في هذا الإطار «نحن اليوم في عصر صار فيه المجتمع الإنساني بمنزلة ما كان لقطر خاصّ، وتغلغلت حاجات الأمم ومصالحها بعضها في بعض، فأصبح تقارب الثقافة ضربة لازب، وصار ما كان يعدّ تكملة في عداد الواجب».

وكذا يتبيّن أن التحاور مع الآخر المختلف، والتثاقف معه سُنّة حضارية ماضية وأنّ الإنصات للمخالفين والأخذ منهم دليل على الثقة في النفس وعلى الرغبة في الاستزادة من العلم والحكمة والمنفعة وليس دليل نقص في العقل أو ضعف في الدّين، كما صوّرت ذلك بعض التيّارات في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، توهّما منها أنّ الانكفاء على الذات وغلق سبل التواصل مع الآخر هما «قارب النجاة» على قاعدة أن اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم.

ويعكس موقف ابن عاشور إدراكه أنّ إعمار الأرض وبناء العالم وإعلاء صرح الحضارة الإنسانيّة مسؤولية مشتركة وإنجاز جماعيّ، كما يعبّر عن إحساس حادّ بأن الوعي التاريخي يستوجب من المسلمين أن يدخلوا في معترك العصر دونما قطيعة أو صراع مع الآخر الديني والثقافي فتحا لبوّابات المستقبل الواعد أمام المجتمعات العربية الإسلامية لا عودة بها إلى الماضي.

بحثتم منزلة الإنسان في الثقافة العربيّة الاسلامية من خلال كتابي «الذريعة إلى مكارم الشريعة» و»تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين» للراغب الإصفهاني ، إلى ماذا توصلتم في هذه الدراسة؟

غيّبت كتب العقيدة والكلام وأصول الفقه الإنسان الذي كرّمه الله وأناط به خلافته في الأرض والقيام بإعمارها وإثمارها، من مباحثها، حتى أنّ الباحث في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية لا يكاد يظفر إلا بالقليل القليل من المؤلّفات التي خصّت الإنسان بكتب مفردة، عالجت القضايا المتّصلة به وجودا وقيمة ودورا.

وازداد هذا المجال ضيقا خلال التاريخ العربي الإسلامي الوسيط الذي عرف أسبابا مختلفة، متعلّقة بالصراعات المذهبية والسياسية، وبالتحدّيات الخارجية، هزّت وحدة الدولة والثقافة في المجتمعات العربية الإسلامية هزّا عنيفا وأنتجت خطابا دينيا رفّع من قيمة «رأسمال النص» وغلّب الدفاع عن « الثوابت» في مقابل تقليص دور العقل وإيكال شؤون الحياة إلى مسؤولية ما أنتجه القدامى . واستولى على التفكير هاجس الدفاع عن « صفاء العقيدة والشريعة» من «مدنّسات أهل البدع والأهواء»، وأُغفل - تبعا لذلك – الانتباه إلى حقائق التاريخ ومقتضيات تطور المعارف والذهنيات، وتبدّل نحلة المعاش.

ولم يجد هذا الاتجاه من سبيل للتعبير عن نفسه إلا من خلال إعادة إنتاج أفكار المتقدمين و « رسكلة « وعي السابقين، بدل التفكير والتدبّر والتواصل مع الآخر الثقافي لاجتراح رؤى وتصّورات جديدة وحلول تشريعية، مناسبة لما يحدث في حياة الناس من عوارض التغيير والتطور والتحوّل، ومحفزة للتقدّم نحو الأفضل.

وأضحى الإنسان ضمن هذا التوجّه مجرّد متقبّل ومفعول به في الفكر والمجتمع والسياسة، وأمست المدّونات التي أنتجها القدامى في العقيدة والأصول والفقه الملجأ والملاذ والمنقذ من الضلال وأصبحت الحياة في المجتمعات العربية الإسلامية على مدى قرون متعاقبة أشبه بالأرض الموات.

ولم يمنع هذا» الخواء» الفكري الذي اتّسمت به قرون الجمود والتقليد في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، من وجود متون كانت بمثابة»الطفرة» و»الاستثناء»في سياق التاريخ الفكري العام، من ذلك ما كتبه الشاطببي وابن خلدون من مؤلّفات مثّلت منطقة»الخصب» في أرض غلب عليها»الجدب» و»القحط».

ويندرج كتابا أبي القاسم بن محمد بن المفضل الشهير بالراغب الإصفهاني ت502ه»الذريعة إلى مكارم الشريعة»و»تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين « اللذان تركّزت مسائلهما على بيان وظائف الاستخلاف والإعمار ووسائلهما، ضمن هذه المؤلفات التي انتبهت إلى أنّ الإنسان وجودا وقيمة ودورًا جدير بأن يفرد بمباحث قائمة بذاتها.
لقد أمكن للراغب الإصفهاني أن يُساهم في سدّ ثغرة «خطيرة» في الثقافة العربية الإسلامية، تتمثّل في الضمور اللاّفت للمباحث والكتب التي تعالج ما يتعلّق بالإنسان وجودا وقيمة ودورا من قضايا، وتسنّى له من خلال كتابيْه «الذريعة إلى مكارم الشريعة»و»تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين» أن يضع خمائر منهج إنسي، يؤمن بالإنسان منطلقا للفعل الحضاري وغاية، ويثق في قدرة عقله على فهم العالم الذي يعيش فيه ودفعه بإطراد إلى الأفضل، في إطار الاهتداء بنبراس الإيمان بالله، والاستنارة بالقيم الأخلاقية التي تحفظ للحياة الإنسانية توازنها وعافيتها، وتعطي للنشاط الإنساني في بناء العالم مسارًا إيجابيًّا.

ولاشكّ في أنّ المباحث التي عالجها الراغب في مُؤلّفيه تحتاج إلى أن تُوضع تحت محكّ البحث والمساءلة والتطوير في ضوء ما توّفر ويتوفّر في العلوم الإنسانية والفلسفية من تحليلات وتصوّرات، حتى يستعيد هذا»المبحث» وما يتفرّع عنه من إشكاليات وقضايا كالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية المكانة المستحقّة في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة أملا في أن يستأنف الإنسان في المجتمعات العربية الإسلامية القيام بدوره في تنشيط الحركة الحضارية، بمسؤولية وتبّصر.

الاجتماع الإنساني وقانون الاختلاف داخل المنظومة العربية الإسلاميّة كيف تنظرون إليها؟

انبنت المنظومة الثقافية التقليدية على مدى قرون من الجمود على وحدة المعرفة والتوجس من الاختلاف والتنوّع، واعتبارهما عنوان الافتراق والنزاع وذهاب الريح.
وكذا احتلّت مقالة «الفرقة الناجية» حيّزا واسعا في كتب الفرق، وصارت كل فرقة تدّعي استئثارها بالحقيقة، وترى الفرق الأخرى سابحة في متاهات الضلالة.(4)
وكان التعصّب والصراع بين المذاهب الفقهية والفرق الكلامية إحدى السمات البارزة لقرون الانحطاط، بلغ ذلك مناقشة مشروعيّة زواج الشافعي بالمالكية وصلاة الحنبلى وراء الحنفي.

وعدّ أهل السنة الشيعة جسما غريبا داخل المجتمع الإسلامي وناصبت الشيعة العداء لأهل السنة، وعمّقت الصراعات السياسية والقبليّة حول الخلافة هذا الوضع الذي انتهى إلى شيوع لغة التفسيق والتكفير ليبلغ تخوم الصراع العسكري أحيانا ويتجاوز هذه التخوم إلى القتال الفعلي أحيانا أخرى.

واستحال الاختلاف عاملا من عوامل الصراع الداخلي بدل أن يكون مصدر قوّة وثراء، وانصرف العقل العربي الإسلامي في هذا الخضّم عن أداء دوره الأساسي باعتباره مصدر توليد المعرفة وتطويرها وآلة إعمار الأرض وإثمارها.

كانت هذه الحقيقة الأليمة، وما ترتب عنها من آثار مدمّرة على الحياة الفكرية والحركة الحضارية للمجتمع العربي الإسلامي من ناحية، وما عرفه المجتمع الأوروبي الحديث من ازدهار معرفي وتقدم اقتصادي وعمراني وقوة عسكرية من ناحية أخرى، وراء كتابة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور عن الاختلاف و» احترام الأفكار « منذ 1904.

فالاختلاف في نظره أصل من أصول الاجتماع الإنساني وعامل من عوامل ثراء الفكر البشري الذي يبقى على الدّوام موزعا على أفراد الجماعة الإنسانية، وعلى أجيالها المتعاقبة، وثقافاتها المتنوّعة. ومن ثمّ فهو ظاهرة دائمة «لأنّه من مقتضى ما جبلت عليه العقول، وأنّ حكمه الله اقتضت هذا النظام (الاختلاف والتنوع) في العقل الإنساني لأنّ ذلك أوفى بإقامة مراد الله في مساعي البشر في هذه الدنيا». فهو على ذلك ضرورة من ضرورات انتظام سير العمران البشري وتطوره.

فنموّ المعرفة وتراكمها وتطوّر العلوم وتفرعها، وازدهار العمران البشري في شتى مجالاته يعتمدان على وجود الاختلاف وتنوّع الآراء وتعدد الأطروحات وتزايد المقاربات. ذلك أنّ « الاختلاف ضروري في جبلّة البشر وأنّه من طبع اختلاف المدارك وتفاوت العقول. وهذا المبدأ (أصالة الاختلاف) إذا تخلّق به المرء أصبح ينظر إلى الاختلاف نظره إلى تفكير جبلّي تتفاوت فيه المدارك إصابة وخطأ، لا نظره إلى الأمر العدواني المثير للغضب».

على هذا الأساس يكون الحوار الفكري بتبادل الآراء وإقامة الحجة والدّليل والنقد البناء قوام الحياة الفكرية، فيتأسّس في المجتمع أكبر عامل من عوامل التقدم والازدهار ب « أن يشبّ أفراده على احترام الآراء وقبول الرأي المخالف».

وفي المقابل، بيّن ابن عاشور أنّ الحجر على الرأي وتكميم الأفواه والتوجس من خلاف المخالفين وجدل المجادلين دليل على ضعف الأفكار وعلى قصور في إقامة الحق وأنّ شيوع ذلك بين أفراد المجتمع وداخل مؤسّساته منذر بسوء مصير الأمة وأنّه إذا خالطها كان سقوطها أسرع من هويّ الحجر الصلد.

فالمعارف لا تولد مكتملة في المنشإ وإنّما تكتمل ضمن مسار تصاعدّي متصل بزيادة قدرة الإنسان من جيل إلى جيل ومن ثقافة إلى ثقافة ومن تجربة حضاريّة إلى تجربة، على البحث والنظر والكشف، كما أنّ نهضة الفكر البشري لا تتحقّق إلا بتلاحق الأفكار وبأن يسهم فيها أوّل فثان فثالث وهذا دواليك.

واستقرار المجتمع الإنساني قرين شيوع قيم الحريّة والتسامح بين أفراده وداخل مؤسساته لتصبح حرّية الاعتقاد والتفكير حالة جماعية لا يستأثر بها فرد دون فرد ولا فئة دون فئة ولا مذهب دون مذهب ولا دين دون دين « فالحريّة إنما ينالها المرء بعد شعوره بوجوب مساواته مع غيره فيها «.

فلا معنى للحرية إلا بالآخر ومع الآخر، وصولا إلى أن تكون الحرية وعيا وسلوكا أسّ العمل الفكري وعماد العمل السياسي، القائم على المعقولية والمداولة، فيتأسّس بذلك الاعتراف بالآخر المخالف، باعتباره ركيزة الحياة الديمقراطية في الثقافة والاجتماع والسياسة.

فمن مبتكرات كلّ عقل، ومن خصوصيّة كلّ ثقافة، ومن تفرّد كلّ تجربة حضاريّة، يبرز التنوّع، وينشأ الاختلاف، باعتبارهما من آيات ثراء المنتج الإنساني، ومن قوادح الإقبال الدائم على إعمار الحياة، إذ أنّ أبواب المساهمة في بنائها مفتوحة أمام الجميع كلّ حسب فهمه وتفهّمه، حسب وعيه بذاته وبالآخر، حسب بلائه وقدرته.

من هو الدكتور جمال الدين دراويل؟
أستاذ الحضارة الحديثة وتاريخ الأفكار بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان.
رئيس منتدى الثقافة والحوار
رئيس تحرير مجلة الحياة الثقافية
المؤلفات:
مسألة الحرية في مدونة الشيخ محمد الطاهربنة عاشور لبنان 2006.
النخبة والحرية تونس 2010.
التنوير والتسامح وتجديد الفكر العربي بالاشتراك تونس 2005.
- تحقيق كتاب «شفاء القلب الجريح في شرح بردة المديح» بالاشتراك.
تونس 2008
ومؤلفات جماعية أخرى :
نشر أبحاثا علمية في مجال اختصاصه :حوليات الجامعة التونسية/ الكراسات التونسية/ المجلة التاريخية
المغاربية :
شارك في ندوات علمية بتونس والخارج


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.