ولعل ما تمارسه القوات الأمريكية في العراق، وخاصة في الفلوجة من إرهاب، بل ومن أقصى درجات الإرهاب، ما يسقط نهائيا تشدّق هذه الإدارة، ليلا نهارا بعدائها للإرهاب والإرهابيين. فزيادة على قتلها المتعمد، وأمام شاشات تلفزيون العالم، للمدنيين، وقصفها للمناطق السكنية، تمنع إدارة بوش من امداد الضحايا بالغذاء والدواء، وتمنع وصول الجرحى للمستشفيات حتى ينزفون إلى الموت، بل وتستبق حملاتها، في مناطق أخرى من العراق، على غرار مدينة النجف حيث احتلّت مؤسساتها الاستشفائية، حتى لا تترك مؤسسة واحدة تستقبل ضحاياها القادمين! وبعد كل هذه الأعمال الشنيعة، التي لا يقبلها أي عرف إنساني، والتي تبلغ من الوحشية ما يذكّر بالقرون الوسطى، يتضح للكون كله، أن المصدر الأساسي للإرهاب هو هذه الإدارة الأمريكية، وأنّ وسائلها فيه تتجاوز كلّ خيال، ولا تقف عند حدّ، ولا يبلغ اليها تصوّر. والحقيقة أن كلّ ذلك لم يكن ليخف على كل من له ذرّة عقل، وعلى كل من راقب سلوك هذه الإدارة منذ صعدت لحكم الولاياتالمتحدةالأمريكية. وها هو الآن لم يعد يخف على بشر في الكرة الأرضية كلها. فقد جاء ارهابها هذه المرة مفضوحا. وأطل بلا أقنعة، وطلع على العراقيين وعلى العالم بوجهه السّافر القبيح، وبوحشيته التي بقدر ما تحتوي على بطش، تحتوي أيضا على جبن دلالاته قتل الشيوخ والأطفال والنساء، وقصف المدنيين والمناطق السكنية الآهلة، ومنع كل إغاثة لهم، فهل بعد هذه الجرائم، جريمة أخرى، وهل بعد هذا الإرهاب إرهاب آخر، وهل بعد هذا العنف عنف؟ إن عملية الإبادة الشاملة التي تتعرض لها مدن العراق، وخصوصا منها الفلوجة تسقط نهائيا التعريف الذي وضعه المزاج الأمريكي للإرهاب. فهذه دولة تحتل بلدانا أخرى، وترهب سكانها وتهيمن على ثرواتهم، وتنتظر أن يقابلها الناس بالاعتراف والتسليم والثناء. وليس هذا بغريب على دولة مقامة أساسا على مقابر «مليونيّة» لشعب هو المستوطن الحقيقي للقارة الأمريكية، لم تبده ماديا فقط، ولكنها أبادته حتى في ذكراه. وليس هذا بغريب أيضا على دولة قتلت 4 مليون فيتامنيا، وأبادت قرى بكاملها، وقصفت الغابات والحقول هناك بقنابل لن تنبت بعدها شجرة واحدة إلا بعد 50 سنة على الأقل، واستعملت أرقى أسلحة الدمار الشامل، وليس بالعهد من قدم. في اليابان، قتلت في لحظة أكثر من 300 ألف مواطن أعزل وتآمرت على القضية الفلسطينية، فساندت كل من ذبحها، وكل من مسها بسوء، وكل من قطّعها إربا إربا، وتواصل شرّها إلى جاراتها في أمريكا اللاتينية، فقتلت زعماء منتخبين من شعوبهم ، وشجعت انقلابات فاشية فيها، وذهبت خيراتها! إن دولة مثل هذه لا يمكن أن يصدقها أحد وهي تتشدق بالديمقراطية، وتسعى الى الهيمنة على العالم كله تحت عناوين كاذبة، وتزايد بالحرية المقامة على تاريخ كامل من البطش والتنكيل والعنف وتفتعل تقديم الدروس للغير حول هذه الكلمة بالذات! ولأن الزمن فضاح كما يقال، ها هو عيد «تحرير العراق» كما كانوا يزعمون، يتحوّل إلى مأتم رهيب، ترمى فيه القنابل عوض الزهور، ويبرز فيه الموت عوض الحياة، ويظلم فيه النهار قبل الليل، ها هي ديمقراطية أمريكا تبرز بأنيابها، ومخالبها، وقبحها، وها هي حريتها تتجلى ببطشها وحقدها وانتقامها من أناس مدنيين عُزل زعمت أنها أتت لتفكّ أسرهم وتقطع أغلالهم، وتمسح دموعهم.... ها هو العراق كله يتحوّل إلى مقبرة جماعية، وها هو شعب بأسره يتمّ صيده، وسط وجوم عالمي كامل لا أحد يعرف هل هو نتيجة لهول الصدمة، أم هو ترديد للعجز أمام مستبدّ لا يحترم أحدا... إن الذي يجري في العراق، هو جريمة إبادة معلنة، شاهدها العالم كله مباشرة، ورآها الناس وتابعوها لحظة بلحظة، فهي لا تحتاج إلى دليل، ولا إلى تحقيق، ولا إلى بحث. مقترفها واضح، وضحاياها أوضح وأركانها ثابتة بيّنة، وحكمها جاهز حاضر فمتى تقوم في الإنسانية بقايا ضمير، ومتى يدان المجرم على ما فعل، ومتى يتخلى العالم عن صمته، وسلبيته، ليسمي الأمور بمسمياتها، ويدافع عن الإنسانية عبر الدفاع عن العراقيين، الذين شاء لهم الزمن أن يكونوا قربانا لشهوة الدم لدى بعض الأمريكيين، وأن يكونوا حطب هذه المحرقة الأمريكية المتواصلة منذ عقود، والمشتعلة في كل مرة في منطقة ما من هذا العالم! إن الدفاع عن شعب العراق، إنما هو دفاع عن الإنسانية كلها، وإن الوقوف معه انما هو وقوف لكل ضمير مع نفسه، وإن من يمد له طوق النجاة، لا يمدها في الأخير إلا لذاته!