قفصة.. تخصيص 8 م- د لتهيئة وانجاز عدد من المؤسسات التربوية    صلاحيات رئيس الجمهورية القادم    مباشرة من فرنسا/ المازري الحداد يكشف فحوى اتصاله بالرئيس السابق بن علي...حقيقة مرضه وأهداف الإشاعة    الناطق الرسمي باسم الهيئة الفرعية المستقلّة للانتخابات بسوسة : رؤساء مراكز الاقتراع أصبحوا يتمتعون بصلاحيات الضابطة العدلية    مدرب سيرك روسي يساعد الأطفال لإبعادهم عن عالم الجريمة    الجامعة تراسل الفيفا للتراجع عن سحب النقاط من الافريقي..تطورات جديدة    اعترافات قريب عضو بإدارة التحكيم في التحقيقات حول المراهنة ب100 ألف دينار على مباراة اتحاد بن قردان…التفاصيل    حالة الطقس ليوم الأحد 15 سبتمبر 2019    الفنان عاصي الحلاني في حالة حرجة!    القبض على 6 أشخاص بكل من صفاقس والمنستير كانوا يعتزمون اجتياز الحدود البحرية خلسة    تخربيشة : لاتطلب الحياة ستوهب لك الموت    نسبة التصويت الجملية في الخارج بلغت 3ر9 بالمائة إلى حدود السادسة من مساء السبت بتوقيت تونس    كرة اليد: تتويج تونس ببطولة إفريقيا للأمم للوسطيات    في الدورة الثانية لصالون الرياضة بسوسة: تجهيزات رياضية ومسابقات، واتفاقية شراكة مع النجم    وزارة الداخلية: تسخير 70 ألف أمني ليوم الإقتراع للرئاسية    باب بحر: القبض على شخص مورط في سلسلة من عمليات التحيل    ترامب يؤكد مقتل حمزة نجل أسامة بن لادن    تونس : النجم الساحلي ينهي تحضيراته لمواجهة أشانتي كوتوكو الغاني…التشكيلة المنتظرة للفريق    هوية الفنانة المتهمة ب«التجسس» على لطيفة لمدة 20 سنة (متابعة)    اكتشاف خلايا غامضة خطرة في جسم الإنسان    مبنى وزارة الخارجية في حالة كارثية    إيطاليا تسمح لسفينة إنقاذ بإنزال 82 مهاجرا على أراضيها    ذهاب الدور الثاني لكأس الكاف: اتحاد بن قردان ينهزم امام بندري الكيني    الولايات المتحدة: قتلى وجرحى بإطلاق نار في محطة قطارات    قبلي: انتعاشة سياحية وارتفاع في عدد الوافدين    معتصم النهار ونادين نسيب نجيم أفضل ممثلين في مهرجان الفضائيات العربية    الانتاج السعودي من النفط يتوقف    الكبارية..القبض على شخص من أجل السلب تحت طائلة التهديد    اليوم الصمت الانتخابي.. أكبر هاجس يؤرق الناخبين ألا يختار الصندوق الأفضل من بين المترشحين    أفغانستان : شرطيان يقتلان 11 من زملائهما    بنزرت.. بطاقتا إيداع بالسجن ضد منحرفين افتكا فتاة من صديقها    كيفية التعامل مع الطفل الذي يحب التملّك    نباتات الزينة: ورق الصالون....Aspidistra    مقاومة حشرات الخريف : طريقة طرد الخنافس السوداء الطائرة من المنزل    شاب ينتحل صفة عون مراقبة اقتصاديّة للتحيّل .. وهذه التفاصيل    عادات من الجهات...«الرحى الحجرية» مهنة جدّاتنا لاحضار الفطور والعشاء    صالح عبد الحي ... ليه يا بنفسج    دوري أبطال افريقيا.. الترجي في مواجهة بطل التشاد ومهمة محفوفة بالمخاطر للنجم    شان 2020 : قائمة اللاعبين المدعوين لتربص المنتخب الوطني للاعبين المحليين    مع ابن جبير في رحلته المتوسّطيّة (2)    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    من دائرة الحضارة التونسيّة...المكتبة العتيقة بالقيروان    إشراقات..متشائل    سميرة سعيد تكشف موعد عرض الموسم الخامس من ذا فويس    محمد الحبيب السلامي ينبه ويحذر : إياكم وشهادة الزور    قبل ذهابهم الى مدارسهم : حضروا هذه الأطعمة لأطفالكم    سيدي حسين .. زطلة وكوكايين ومسدس    مرتجى محجوب يكتب لكم : في يوم الصمت الإنتخابي..هنيئا لتونس    جبل الجلود.. الاطاحة بمروج كبير المخدرات    القضاء الفرنسي يتهم مؤسس "الجبهة الوطنية" بالاختلاس    برنامج أبرز مباريات اليوم السبت و النقل التلفزي    ٍلماذا ينصح بالامتناع عن تناول الموز كوجبة إفطار؟    ترامب في انتظار لقاء مع السيسي : "أين دكتاتوري المفضل"؟    حجم صادرات تونس يتراجع بنسبة 4 بالمائة مع موفي اوت 2019 مدفوعا بتقلص اداء اغلب القطاعات    حجز 75 طن من “البطاطا” غير صالحة للاستهلاك    العودة المدرسية على الابواب.. نصائح في النظام الغذائي للطفل    تكذيب رسمي وقاطع : منع السياح الجزائريين من دخول تونس تهريج «فيسبوكي»    هذه حصيلة نشاط الشرطة البلدية في يوم واحد: حجز طن من الفرينة المدعمة ومواد أخرى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تعليم اللغة العربية في الغرب بين الاختصاص والسمسرة(فرنسا نموذجا)
نشر في الفجر نيوز يوم 24 - 07 - 2009


إعداد عبد الحفيظ الخميري الفجرنيوز
في مكالمة هاتفية بيني وبين الدكتور ماهر المنجد دار الحديث مطولا حول تدريس اللغة العربية وقد حمل فيه أستاذنا بكثرة على كثير من المشرفين على هذا التعليم واتهم بعضهم بالجهل وإن وجدتُ من يشاركه في أن اللغة العربية هي اليوم بضاعة رائجة مهما كان عارضها سواء من أهل الاختصاص أو أهل السمسرة فإن هناك ممن يرى أن الساحة الفرنسية عرفت ميلاد بعض المؤسسات التي انبرت لتدريس العربية عن وعي وعن خبرة وإن كانت دائما المادة هي العائق أمام تطور هذه الجمعيات والمدارس والمعاهد بسرعة.. من هنا جاء هذا التحقيق ليرصد ظاهرة تدريس العربية لغير الناطقين بها على التراب الفرنسي..
يذهب بعض الدارسين إلى أن تدريس اللغة العربية ليس مسألة جديدة في الغرب وذلك لأن بدايات تدريسها يعود إلى أيام المسلمين في الأندلس حيث كانت فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية في ذلك الوقت تستقدم منهم معلمين لتدريس العربية وبقية العلوم والفنون الأخرى التي كانت الحضارة العربية في الأندلس قد عرفت فيها الريادة مثل الفلسفة والفيزيا والرياضيات والموسيقى وغيرها حيث كانت مدارس قرطبة تستقطب الوافدين من الغرب والشرق.
إن أول من دعا إلى تعلم العربية في فرنسا وتعليمها هو ملكهم فرنسوا الأول في القرن السادس عشر، بعد ذلك واصل المستشرقون اهتمامهم باللغة العربية مثل شارل بلا وغيره ممن اهتموا بكتاب كليلة ودمنة وكتب الجاحظ ورسائله وقصص ألف ليلة وليلة ومع بداية استقرار العرب والمسلمين في الغرب وولادة الجيل الثاني والثالث من أبنائهم ودخول الآلاف من الغربيين في الإسلام بدأ الواقع الغربي يشهد ولادة عدد هائل من المدارس لتعليم اللغة العربية وبدأ العالم الغربي يهتم بالحضارة العربية الإسلامية ليس من باب الفضول في معرفة الأخر هذه المرة بل لأن الحضارة العربية والإسلامية قد أصبحت أحد مكونات شخصية الآلاف من مواطنيه إن لم نقل الملايين. ورغم التعامل الحذر الذي تبديه المؤسسات الرسمية الغربية تجاه اللغة العربية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر أخذت العربية تشق طريقها في هذه المجتمعات الجديدة عليها رغم المخاوف وكثرة الصعوبات والعراقيل.
انتشر تعليم العربية سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا أو دول أخرى كالصين واستراليا وغيرها من الدول ففي أمريكا مثلا وفي السنوات الأخيرة شهدت اهتماما عجيبا بالحضارة العربية واللغة العربية وكما يقول يحيى عبد المبدي محمد:{{ شهدت السنوات الأخيرة آلاف المقالات والتغطيات الإعلامية التي تتناول شؤون العرب المقيمين في الولايات المتحدة رغم ما في هذه التغطيات من جوانب سلبية هذه التغطيات قد سلطت الضوء بقوة على وجود الجالية وأشعرت أفرادها بحقيقة وجودهم وألهمتهم معنى أنهم يمثلون كيانا وجزءا مهما من مكونات وأطياف المجتمع الأميركي. واللغة العربية أتاحت المزيد من فرص العمل لأبناء الجالية العربية في أمريكا... وبات الإعلان عن وجود وظيفة لمن يتقن العربية للعمل في مؤسسات تعليمية أو أمنية أو عسكرية أو استخباراتية أو إعلامية أمرا شبه يومي في مواقع التوظيف الإلكترونية أو الجرائد. ويكفي أن تضغط في طابعة حاسوبك على حروف كلمة اللغة العربية أو العرب لتجد عشرات من إعلانات التوظيف يوميا... ومن جهة أخرى تزايد إقبال الأميركيين على تعلم اللغة والثقافة العربية فأعداد الطلاب الذين يرغبون في دراسة اللغة والثقافة العربية شهدت زيادة مطردة. فقد تضاعف عدد طلاب اللغة العربية في جامعة جورج واشنطن في السنوات الأخيرة من بضعة عشرات إلى ما يقرب من 300 طالب... وينسحب نفس الشيء على كافة أقسام تدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية في الجامعات الأميركية. كما تشهد المؤسسات التعليمية ظاهرة جديدة تعبر عن حاجة ورغبة المجتمع الأمريكي في سبر أغوار الثقافة العربية من خلال رصد بعض المؤسسات الحكومية والخاصة لميزانيات ضخمة لتنظيم برامج وتقديم منح سنوية مكثفة لمجموعة منتقاه من الطلاب لدراسة اللغة العربية مثل برنامج فلاغ شب Flagship وكبا CAPAوغيرهما من البرامج*}}.
أما في فرنسا فلم يعد تعليم اللغة العربية في الغرب مقتصرا على بعض المؤسسات الرسمية القليلة مثل معهد الدراسات الشرقية الذي أسس في البداية لتعليم اللغات العربية والفارسية والتركية ( وهو اليوم يدرس قرابة المائتي لغة شرقية ) ولا على أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات العريقة ككليات العلوم الإنسانية التابعة لجامعة باريس ( السربون ) أو جامعات باريس ثمانية وليل وأكس بروفانس و معهد العالم العربي ومدارس العربية التي أسستها بعض الدول العربية التابعة لسفارات بلدانها على التراب الفرنسي بل لقد انتشرت المعاهد الخاصة والجمعيات والمساجد انتشارا عجيبا لتدريس اللغة العربية وهذا الانتشار يفسر بكثرة الإقبال على هذه اللغة من مختلف الأجيال العربية والمسلمة التي ولدت في الغرب بل تعداها إلى الغربيين أنفسهم الذين أقبلوا على تعلم هذه اللغة، لغة الجمال والشعر والخط ومثال على هذا الاهتمام تأتي اللغة العربية الثانية المتحدث بها في باريس وضواحيها.هذا الإقبال على اللغة العربية جعل منها ظاهرة تدرس في المجتمعات الغربية سواء في الإعلام أو مراكز البحوث والدراسات أو الجامعات فكم من أعمال جامعية ألفت في هذا الشأن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر جامعة باريس الثامنة فرع علوم التربية ورغم أن التعليم لم يعد غريبا على المجتمعات الغربية إلا أنه هناك الكثير من ينكر أهمية هذه اللغة وما قدمته للإنسانية ويتجاهل جمالياتها ويظل يقرنها بالإرهاب والتطرف. غير أن هناك مفكرين وعلماء لغويين غربيين وهم قليلون أنصفوا العربية التي يقول عنهاHitti,P.K. : { إنني أشهد من خبرتي الذاتية، أنه ليس ثمَّة من بين اللغات التي أعرفها وهي تسع لغات لغة تكاد تقترب من العربية سواء في طاقتها البيانية أم في قدرتها على أن تخترق مستويات الفهم والإدراك، وأن تنفِّذ وبشكل مباشر إلى المشاعر والأحاسيس، تاركة أعمق الأثر فيها، وفي هذا الصدد فليس للعربية أن تقارن إلا بالموسيقى }. Hitti.P.K. History of the Arabs.londres.1914 وهذا الاهتمام بالعربية وحضارتها جعل المخرج الفرنسي ميشال أوسلو يخصص لها مساحة كبيرة في فيلمه "أزور وأسمر" حيث أن المشاهد المعبر عنها باللغة العربية تناهز النصف لم يقم المخرج بالترجمة وكأنه بطريقة غير مباشرة يدعو الفرنسيين إلى فهم العربية وتعلمها. فمن لم يتعلم لغة قوم لن يعرف شيئا عن حضارتهم وإسهاماتهم في إثراء الحضارة الإنسانية.. كما نجد هذا الاهتمام في جملة من الكتب المدرسية التي ألفها مستشرقون غربيون عن اللغة العربية..
ويسعى " هذا العمل " من خلال هذا التحقيق إلى دراسة هذه الظاهرة: أسبابها ومناهج التعليم المعتمدة في تدريس هذه اللغة ثم ما هي الصعوبات التي تواجه تدريس هذه اللغة ؟ وكيف تتفاعل الأوساط الفرنسية الرسمية منها والخاصة مع تدريس هذه اللغة على ترابها ؟ ثم من خلال هذه الأجوبة نحاول أن نستقرأ مستقبل تدريس اللغة العربية في الغرب. ثم نأتي في الجزء الثاني من التحقيق لتقديم جملة من المؤسسات التعليمية الناشطة على التراب الفرنسي التي خاضت تجارب نسبيا ناجحة في تدريس العربية.
وللإجابة عن هذه الأسئلة توجهنا إلى أهل الاختصاص من أساتذة وأصحاب مناهج ومدراء مدارس لكي يفسروا لنا هذه الظاهرة ويشرحوا أسبابها ومناهجها ثم ما هي الصعوبات التي تواجه تدريس العربية في الغرب عامة وفي فرنسا خاصة ؟ كما زرنا مجموعة من المؤسسات والمعاهد والجمعيات التي تدرس هذه اللغة والغاية من هذا التحقيق هو حرصنا على تقديم الصورة الواقعية لهذا التعليم مع البحث عن البدائل المستقبلية وتذليل الصعوبات قصد إيجاد التوازن المطلوب في حياة أجيالنا التي ولدت في الغرب وصارت جزء لا يتجزأ منه.
1 أسباب الإقبال على تعلم اللغة العربية:
يذهب الكثير إلى أن الإقبال على هذه اللغة يعود إلى أن وجود الجالية العربية والإسلامية في الغرب لم يعد ظرفيا أو هامشيا بل إن هذا الوجود غدا اليوم ظاهرة دائمة وواقعا حيا تلمسه وأنت تزور بعض الأحياء في دول أوروبا وخاصة فرنسا. إن العرب المسلمين وغيرهم قد صاروا جزء من مجتمعاتهم الجديدة غير أن اندماجهم شابته حواجز كثيرة. ولعل أبرز المشاكل التي تعيشها هذه الجالية ما يتعرض له أطفالها من الصعوبات اللغوية التي تشكل عائقا هاما في حياتهم المدرسية، مما جعلهم ممزقين بين ثقافتين:
- فلا هم نجحوا في التأقلم والاندماج الطبيعي والواعي مع محيطهم
- ولا هم عمقوا جذور التواصل مع حضارتهم وهويتهم
وفي إطار العناية بهذا الجيل ومحاولة تخليصه من حالة التأرجح التي يعيشها وسعيا وراء تحسس مشاكله والعوائق والصعوبات التي تحول دون دمجه الدمج الصحيح في بيئته الجديدة دون فصله عن حضارة آبائه وأجداده وتعميق هويته بدأ تدريس العربية يشق طريقه هنا في الفضاء الفرنسي وفي كثير من البلدان الأوربية متجاوزا البدايات المحتشمة التي كانت مقصورة على بعض الطلاب في بعض الجامعات ليشمل كل الأعمار بدء بالروضة وانتهاء إلى الجامعات. وفي هذا تقول المدرسة سيدة قدسي التي قضت عشرين سنة في تدريس العربية: سبع سنوات في تونس وثلاث عشرة سنة في فرنسا عن أسباب العودة إلى تعلم العربية:{{ إن الجيل الأول كان وحيدا في الغرب وبوعي هذا الجيل بضرورة وجود عائلته معه جاء الوعي بضرورة تعليم أبنائه اللغة العربية خوفا من الذوبان في نسق الحياة الغربية. يساند هذا الرأي ويزيد عليه أسبابا أخرى الدكتور الحبيب العفاس صاحب منهج {{ أحب اللغة العربية }} وقبلها منهج {{ أتعلم العربية }} حين سألناه: {{ إن الإقبال على تعلم العربية في ازدياد سنة بعد سنة فنحن الآن في سنة 2007 وقبل عشر سنوات من هذا التاريخ لو تأملنا لوجدنا أن عدد المقبلين على عربية قد ازداد بكثرة }} و يكفي اليوم أن نذكر أن عدد تلاميذ مدرسة النجاح مثلا يقترب من الثمانية مائة تلميذ بينما كان في سنتها الأولى ستين تلميذا كان هذا قبل ثلاث عشرة سنة أو مثلا معهد اللسان اليوم يحتضن ما يقرب على المائتي تلميذ وهو في سنته الأولى. ويواصل الدكتور العفاس:{{ مع كل سنة هناك إحساس متنام بأهمية العربية فربط الآباء أبناءهم بهذه اللغة هو ربطهم بدينهم وحضارتهم وهذا أمر أساسي له أسبابه فجل العائلات لها تواصل يومي مع الفضائيات العربية كقناة الجزيرة والقناة المغربية والجزائرية وغيرها كثير أو مع الإذاعات المحلية مثل إذاعة الشرق وغيرها. وهذا مما يجعل الحديث عن اللغة العربية أو وبها هاجس الآباء }}.
وأما ما يلفت الانتباه حقيقة وهو حري بالدراسة والتحليل هو هذه الموجة من الجيل الثاني ممن ولودوا وتربوا في الغرب فقد وجدنا عندهم اهتماما بالغا بالعربية جعل الكثير منهم يسافر إلى بعض الدول العربية كمصر وسوريا واليمن لدراسة العربية وإتقانها وفي هذا يقول العفاس:{{ إن الكثير من هذا الجيل يفكر وابنه لم يتجاوز العامين كيف سيوفر له تربية إسلامية وليس هناك مدخل لهذه التربية غير اللغة العربية. وهذا حقيقة ما يعطي قوة لهذا التعليم رغم أنه لا يعطى في مؤسسات رسمية. وقد لمسنا هذا حتى من خارج العائلات المثقفة أو الملتزمة }}. إن بعض المدارس والمعاهد والمساجد تعرف يوم الأربعاء والسبت والأحد حركة وحيوية حيث يتوافد عليها المئات من الآباء أو الأمهات يتكبدون زحمة المواصلات وتعب الطريق أسبوعيا من أجل أن حمل أبنائهم وبناتهم إلى مدرسة العربية.
وعن الأسباب الموضوعية التي كانت وراء هذه العودة هي مسألة البحث عن الهوية وانتشار العنصرية والتفرقة والتمييز بين الأعراق يقول العفاس:{{ هناك اليوم فكل المجتمعات الأوروبية تبحث عن هويتها فالفرنسيون يبحثون عن هويتهم وكيف يدعموها وهذا البحث جعل الجاليات الأخرى هي بدورها تبحث عن هويتها بعد أن كانت سابقا قد ذابت داخل الثقافة الفرنسية حتى أن الكثير من المهاجرين قد غير اسمه وانقطع تماما عن أصوله وكان لهذا سلبيات كثيرة نرى نتائجها الآن في الضواحي الباريسية . هذا البحث عن الهوية والشعور اليومي بالعنصرية في المدارس والمعاهد والجامعات أو خارجها ذهب بهذا الجيل للبحث عن معاقل تحميه وتحمي أطفاله فقاد إلى تعلم العربية قصد أن يبني الطفل هويته على أسس مرتكزة ومتوازنة تصله بثقافته الأصلية التي ستعينه على بناء شخصيته على أساس صلب تميزه عن الآخر وفي نفس الوقت تجعله منفتحا عليه لأن الإنسان لا يستطيع أن ينفتح على مجتمع ويندمج فيه إذا كان ممسوخ الهوية. وهذا نجده حتى لدى العائلات التي ليس لها أي علاقة بالدين وطلبة معهد العالم العربي أكبر شاهد على ذلك }}.
أما بالنسبة لغير المسلمين فهناك أربع عوامل أو أكثر وراء الإقبال على تعلم العربية هي:
1 التبادل التجاري: إن وجود عقود عمل اليوم مع العالم العربي وخاصة التعامل المتزايد مع دول الخليج شجع على تعلم العربية فالدكتور العفاس يجد أن : {{ إمارة دبي مثلا اليوم واحدة من العواصم التي بات الغربيون بما فيهم الفرنسيون يقصدونها }}. لقد أقبل هؤلاء الأجانب على تعلم العربية لأنها صارت ضرورية في حياتهم فتعلمها أصبح يسهل لهم سبل التواصل والتعامل المباشر مع المجتمعات الخليجية سواء كان ذلك على مستوى أفراد أو على مستوى مؤسسات.
2 السياحة: إن طبيعة العالم العربي المتميزة تستقطب كل سنة آلاف السياح واحتكاك هؤلاء بالعالم العربي جعلهم يحبون العربية هذا أولا وأما ثانيا فإن ما يروج اليوم عن العالم العربي من مغالطات جعلت قطاعا لا باس به من الغربيين يبحث بوسائله الخاصة عن الحقيقة بعيدا عما تتداوله وسائل الإعلام فقام هؤلاء بزيارات للمغرب ومصر وسوريا واليمن... فوجدوا كما يقول الدكتور العفاس : {{ عناصر في الثقافة العربية قد استهوتهم مثل الخط العربي والموسيقى وحسن الضيافة...}} وعندما رجع هؤلاء إلى بلدانهم أقبلوا على تعلم اللغة العربية.
3 الزواج المختلط: اختلطت الشعوب بعضها ببعض فقد كان الزواج سببا في تعلم اللغة العربية. فالفرنسية التي تزوجت عربيا حتى تفهمه لا بد أن تفهم ثقافته وحضارته. والفرنسي الذي تزوج فرنسية ذات أصل عربي لا بد أن يتواصل مع ثقافة زوجته التي مازالت تحتفظ برواسبها العربية. فميشال أوسلو في فيلمه {{ أزور وأسمر }} الذي ركز على اللغة العربية يجد الزواج بين اللغات وبين الثقافات والأديان سبيلا للتعايش والتسامح.
4 الصحافة: إن الأحداث المشتعلة في الشرق الأوسط سواء في فلسطين أو في العراق جعلت مراسلي القنوات الغربية يقبلون على تعلم العربية لكي يتفاعلوا مع الأحداث مباشرة دون الاستعانة بمترجمين. فمجلة لموند دبلوماتيك ستصدر مستقبلا ملحقا لها باللغة العربية وقناة فرنسا 24 ستخصص ست ساعات بث يوميا بالعربية في الأيام المقبلة.
وفي اتصال هاتفي طريف مع الدكتور ماهر المنجّد كان له رأي آخر حيث قال:{{هناك إقبال نسبي على تعلُّم اللغة العربية، ولكن لا نستطيع أن نسميه هائلاً فاللغة العربية في فرنسا هي لغة أجنبية كغيرها من اللغات الأجنبية، والحكم على شدة الإقبال على تعلم العربية يستدعي دراسة مقارنة بين الإقبال على اللغات الأجنبية الأخرى في فرنسا بالنسبة للعربية، فننظر مثلاً إلى نسبة التلاميذ الذين يختارون العربية من بين اللغات الأجنبية في المدارس الفرنسية، وننظر كذلك إلى عدد المعاهد اللغوية التي تُدَرِّس تلك اللغات بالموازنة مع عدد المؤسسات والمعاهد المهتمّة بتدريس العربية في فرنسا}}.
ولما سألته ألا يعني هذا أن العربية تشهد إقبالا لا بأس قال : {{ أرى أن الإقبال على تعلم العربية هو نسبي حسب الزاوية التي ننظر منها، ولكنه إقبال يزداد باستمرار، والحكم بازدياده نابع من المقارنة الزمنية بين واقع تعلم العربية حالياً والواقع الذي كانت فيه منذ عشر سنوات فأكثر، وهنا نستطيع أن نقول بثقة إن ثمة ارتفاعاً مهماً في نسبة الإقبال على تعلم العربية في فرنسا، ويمكن تعليل هذا التطور بعدة أسباب منها ما يعود إلى تغيرات داخلية ومنها ما يتعلق بعوامل خارجية}}.
ويواصل الدكتور ماهر سرد بعض الأسباب وراء هذا الإقبال وإن كان بعضها قد ذُكر من قبل: {{ فعلى الصعيد الداخلي يمكننا التحدث عن عامل ازدياد الوعي لدى فئات المجتمع الفرنسي التي هي من أصول عربية مسلمة حيث بدأتْ تعي ذاتها، وأبعاد وجودها، وضرورة البحث عن هويتها وأصولها الثقافية والحضارية. يضاف إلى ذلك كثيرٌ من الفرنسيين الذي بدؤوا يهتمون بتعلّم العربية للاطلاع على الثقافة والحضارة العربية على نحو شخصي بعيداً عما تقوله أجهزة الإعلام التي فقدت مصداقيتها عند جزء كبير من الفرنسيين نتيجة لِتسَيُّسِها وانحيازها ومبالغاتها وأحياناً لتضليلها الرأيَ العام}}.
أما بالنسبة للعوامل الخارجية فيرى {{ أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر، لا شك وتطور قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والحرب الأمريكية على العراق وما أنتجَته من خراب ومجازر مستمرة في العراق، وردود أفعال المتطرفين... كلُّ ذلك يدفع الكثيرَ من المثقفين الفرنسيين أن يفهموا حقيقة ما يجري بعمق في الواقع النازف، وأن يطلعوا على حقيقة الثقافة العربية من خلال بوابتها اللغوية. وقد لمستُ ذلك من خلال تجربتي الخاصة، فكان من طلابي نماذج مثيرة للاهتمام حقاً، إذ كان فيهم أطباء ومهندسون ومحامون ومتخصصون في البيولوجيا والكيمياء وعلم الاجتماع والمعلوماتية والعلوم السياسية... وكنت أهتم دائماً بفهم سر إقبالهم على العربية }}.
وهكذا وبمقارنة آراء من استجوبناهم لاحظنا أنهم يكادون يلتقون جميعا حول أسباب الإقبال على العربية وإن اختلفوا في تحديد نسبة المقبلين على هذه اللغة. والحديث عن الأسباب يقودنا إلى الحديث عن المناهج وكيف تفاعل المشرفون على التدريس مع هؤلاء العائدين؟
2 المناهج المعتمدة في تدريس اللغة العربية:
هناك تجارب قيّمة في تعليم العربية وتحتاج إلى التوجيه أكثر و ينقصها مناهج تحترم نفسية التلميذ وطبيعة الفضاء الغربي الذي تدرس فيه العربية إذن كان لا بد من التنسيق والتفاعل بين المدارس وأصحاب المناهج في تبادل الآراء حول طرق التدريس وحول الصعوبات وتشجيع التواصل بين تلاميذ هذه المدارس حتى تتوسع دائرة المعارف والعلاقات ويتأكد التلميذ أنه ليس وحده من يدرس العربية وهذا حتما سيسهل عليه كثيرا من الصعوبات ويكسر الحاجز النفسي ويشعره بهويته. وكذلك وجوب التواصل والتنسيق مع المدارس الفرنسية وضرورة الاطلاع على مناهجها وخططها في التدريس للاستفادة أكثر لأن اللغات تنمو وتتطور في التقائها واحتكاكها فيما بينها. ونجد اليوم مناهج اعتمدت على اللغة الوسيطة الفرنسية في تدريس العربية مثل تلك التي ألفها مستشرقون وهناك مناهج أخرى اعتمدت على اللغة العربية فقط مع تبسيطها مثلما فعل الدكتور الحبيب العفاس في منهجه الذي تطبقه الكثير من المدارس والجمعيات وهناك مجهود جيد تمثل في منهج معهد الأمل كتب مدرسة الأمل وأما المدارس العربية التابعة لدولها مثل المدرسة العراقية والليبية والسعودية فقد اعتمدت على مناهجها القطرية مما يحد من إشعاعها ويعزلها عن التفاعل مع محيطها الفرنسي.
وعليه فرغم بعض الجهود الحثيثة في هذا المجال إلا أنه إلى حد الآن لم تتبلور إلى الساحة مناهج يمكن لها حقيقة أن تغطي احتياجات هذا الإقبال الشديد من الراغبين في تعلم اللغة العربية بمختلف صوره وأشكاله وفي هذا تقول السيدة قدسي: {{ إن طرق تدريس اللغة العربية في الغرب يختلف تماما عن تعليم اللغة العربية في الدول العربية فعلى المدرس القادم من هذه الدول لتعليم هذه اللغة للفرنسيين من ذوي أصول عربية أن يندمج هو أولا في مجتمعه الجديد ليتمكن من طريقة التعامل مع هؤلاء الطلاب لكي يعرف ماذا يقدمه لهم؟ وكيف يقدمه؟ ولهذا لا بد من مناهج خاصة تحترم اهتمامات الطفل واستيعابه للغة أجداده وتحبيبه وترغيبه فيها. وإلى حد الآن ورغم المحاولات الجادة إلا أنها مازالت لم تصل إلى المرغوب في حياة أبنائنا بالغرب}}. ويتفق معها الدكتور ماهر المنجّد فيما ذهبت إليه :{{ لا شك أن أمام هذا الإقبال النسبي على اللغة العربية يجب أن يكون ثمة مناهجُ متطورةٌ في تعليم العربية، فيمكنني التحدث هنا عمّا هو في الواقع التطبيقي مستشهداً بتجربتي الخاصة ومحللاً ما هو شائع في الساحة الاستهلاكية عموماً. لا غرو أن ظروف الحياة الفرنسية وطبيعة إيقاعها اليومي ينبغي أخذها بعين الاعتبار في طُرُقِ التدريس وفي مناهجَ تتأقلم مع الواقع من ناحية وتستفيد من التكنولوجيا المعاصرة من ناحية أخرى...}} قاطعته مستوضحا وأنت أستاذ ماهر بوصفك أستاذ جامعي ولك خبرتك الطويلة في تدريس هذه المادة ماذا أضفت إلى هذه المناهج من جديد؟ فقال {{ قد قمتُ بتطوير أساليب ومناهج تستفيد من ميدان المعلوماتية وتستخدم وسائل متعددة سمعية مرئية أطبقها في التعليم، وهي تعطي نتائج جيدة. فمثلاً كل النصوص اللغوية التي هي موضوع التدريس سجّلتها على ملفات الكترونية يمكن وضعها في جهاز "MP3" ليذاكرها الطالب أثناء تنقله في المواصلات، وكذلك أستخدم في التدريس شاشة عرض كبيرة تعرض المنهاج المدرّس وبعض الأفلام التربوية. كما كنتُ شاركتُ في تطوير برنامج معلوماتي ضخم لتدريس العربية وهو من ثمانية أقراص أنتجته شركة "Auralog" المتخصصة في صنع برامج تعليم اللغات، وكان هذا البرنامج بطلبٍ من جامعة أميركية تُدرّس العربية}}.
وعن سؤال أنتم كأهل اختصاص وتجربة وعلاقة حميمية باللغة العربية كيف تسمحون لغير أهل الاختصاص أن يحشروا أنفسهم في مجال تدريس اللغة العربية؟ فقال {{ ما من شك أن عقلية المدرس الجامعي الذي يؤهل أساتذة المستقبل حيث درّستُ موادَّ النحو والصرف والبلاغة لطلاب كلية الآداب في الجامعة السورية قد أفادتني كثيرا ًفي طرق تعليم العربية وأصول تدريسها. وقد كنتُ أتعاون مع بعض المعاهد في باريس واضعاً خبرتي في خدمتهم، ولكن المشكلة أن أكثر تلك المعاهد يتولى فيها تدريسَ العربيةِ أناسٌ غيرُ متخصصين، فكان التعامل معهم صعباً وغير مُثمر، ولا سيما عندما تأخذهم العزة بالجهل، فيفرضون رأيهم الخاطئ، ويرفضون الاعتراف بأنهم ليسوا من أهل الاختصاص، وينسون أنهم غير مؤهلين أصلاً للتدريس فما بالك عندما ينبرون لتأليف مناهج لتعليم العربية؟ والإناء بما فيه ينضح، وفاقد الشيء لا يعطيه! }}.
كثير من الجمعيات والمدارس وحتى تدريس العربية في المساجد يشرف عليه أناس لا علاقة لهم بالتربية ولا علاقة لهم بعلوم العربية ومناهجها كل ما في الأمر أن هؤلاء استغلوا إقبال الجيل الثاني والثالث على العربية ففتحوا حوانيت لبيعها مثلما تباع الخضر والفواكه طالما أن العربية بضاعة مطلوبة وسوقها رائجة..وعلى هذا يعلق الأستاذ ماهر {{ كان من نتائج سيطرة غير المتخصصين على تدريس العربية أننا نجد أن معظم المناهج المنشورة في فرنسا تعجّ بالأخطاء النحوية والصرفية واللغوية وحتى الإملائية والتربوية. ولا أبالغ إذا قلتُ إنها جريمة كبرى أن ندرّس الخطأ لأطفالنا، وهذه خيانة للعربية وثقافتها، وتشويه لها، واعتداء عليها، وتخريب لبنيانها! }}
وفي كل اللقاءات التي عُقدت حول العربية ترتفع بعض الأصوات مطالبة بتوحيد الجهود وتبادل الخبرات ومنع السماسرة من التجارة باللغة العربية وتدريسها فقال ماهر: {{ إني أنادي بتشكيل هيئة علمية لغوية، تجمع فريقاً من أهل الاختصاص حصراً، ومن ذوي الكفاءات العلمية العالية، لتكون مرجعاً أكاديمياً لعلوم اللغة العربية وآدابها وأصول تدريسها في فرنسا، أي ما يشبه مجمعاً لغوياً مصغّراً. وهذا يتطلّب مؤسسةً وإمكانياتٍ، فهل هناك يا تُرى مَن يسمع النداء؟}}.
وهكذا فإن تعليم العربية يتقدم ولكن رويدا رويدا ومما يعطل عملية السير هذه دخول عير المتخصصين إلى هذا الحقل معتبرين تدريس العربية سوق مثل غيرها من الأسواق مثل الحج والعمرة والأضاحي والمرطبات وغيرها مما يقلل من مصداقية دراسة هذه اللغة ورغم بعض الأصوات الفردية التي ظلت تنادي بتوحيد الصفوف في الأداء والمنهجية ووضع مناهج تستجيب حقيقة لطبيعة هذه العودة نلاحظ بوضوح غياب الإرادة الجماعية رغم تميز بعض التجارب الفردية مثل تجربة "معهد منارة " في مقاطعة بوندي التي تشرف عليها السيدة ليلى ازريق التي مارست التدريس لسنوات ثم تولت الإشراف البيداغوجي بعدها فأهل مكة أدرى بشعابها كما يقال..

3 الصعوبات والعوائق والمستقبل
لا شك اليوم أن اللغة العربية قد وجدت مكانا لها في الغرب ولكنه مكان غير آمن لأنه هناك من لا يزال يتحامل عليها ولكن رغم ذلك تبقى إرادة الآباء سواء القادمين من الدول العربية أو ممن ولدوا هنا صامدة في تدريس أبنائهم وبناتهم هذه اللغة حتى ولو كان ذلك بأشكال متواضعة ما زالت لم ترق للهدف المنشود إلا أنها تجني ثمارها من سنة إلى أخرى. فمثلا نجد أن الذين يدرسون اليوم في مدرسة الشيخ أيوب هم التلاميذ الذين كانوا يدرسون بها بالأمس. وعليه فمع ازدياد المقبلين على تعلمها تزداد التحديات أكثر أمام الآباء والمدرسين وواضعي المناهج وفي هذا تقول السيدة قدسي:{{ لا ننتظر من الآخر القبول أو الرفض لتعليم اللغة العربية بل على الآباء والمدرسين والمسؤولين فرض ذلك واليوم نجد أن حاجة التلميذ إلى اللغة العربية جعلته يرغب في دراستها رغم أنه في مراهقته كان رافضا لتعلم العربية متعللا دائما بكثرة دروسه في المدرسة الفرنسية ولكن بمرور السنوات عاد من تلقاء نفسه إلى تعلم العربية لأنها أولا مثلت أحد المواد الممتحن فيها ودراسته لها تمكنه من الإحراز على عدد جيد يساعده في معدله وثانيا لان تعلم هذه اللغة من شأنه أن يفتح آفاقا للعمل داخل فرنسا وخارجها وثالثا لأنه بتقدم عمره وازدياد وعيه وجد أن هذه اللغة تمثل مكونا من مكونات شخصيته }}. ويدعم رأيها ما يقوله الدكتور الحبيب العفاس:{{ يجب على المؤسسات والجمعيات التي تدرس العربية هنا في فرنسا أن تكون لها رؤية واضحة واستراتجية دقيقة لكي تأخذ هده اللغة مكانها إلى جانب اللغات الأخرى وهذا يكون من خلال دق الأبواب على المؤسسات الحكومية الفرنسية للتأكيد على أهميتها الحضارية والجمالية والموسيقية ، فمن واجبنا اليوم فتح الجسور مع أصحاب القرار ومحاوراتهم حتى تدخل العربية بطريقة طبيعية إلى جانب تعليم اللغات الأخرى}} وهدا ما نراه مثلا في ثانوية بلزاك التي فتحت منذ أربع سنوات وهي تضم الآن حوالي سبعين طالبا يدرسون اللغة العربية كلغة حية مثل غيرها كالانجليزية والاسبانية والألمانية والبرتغالية وقد انطلقت في بدايتها بخمسة طلاب. ويواصل العفاس:{{ وأنا كخبير عندما أستدعى للكلام حول اللغة العربية ومكانتها في فرنسا أقول:{{ إن تعلم العربية اليوم اختيار عائلي فأنا كعائلة أبحث عن تدريسها لأبنائي فلا أجد ذلك إلا في الإطار الجمعياتي وفي اليوم الذي تُدرج فيه العربية في المدارس الحكومية الفرنسية سأكون أول من يضع أبنائي فيها، لأني أعلم أن تعليمها عندما يكون في إطار حكومي وتحت إشراف وزارة التربية سيكون له فوائد ونتائج هامة وستعطى له إمكانيات أكثر وسيحظى بوضع المناهج اللازمة مما سيعيد الاعتبار للتلاميذ من ذوي الأصول العربية. إن التلميذ ساعتها سيدرس العربية في إطار إيجابي وطبيعي مثل غيرها من اللغات وهذا سيساهم في رفع كثير من الالتباسات والمغالطات التي يحيكها البعض عن العربية ومن واجب الحكومة الفرنسية اليوم أن تأتي بالحلول لأنها هي المسؤول الأول في هذه البلاد ولأن الحلول في إطار الجمعيات موجودة رغم الصعوبات الموجودة في الكراء وتسديد رواتب المعلمين ووضع المناهج.
4 الخلاصات من التحقيق:
في ضوء ما قيل نجد أن الأسباب كثيرة ومتنوعة تلك التي تقف وراء إقبال الفرنسيين من أصول عربية أو غير عربية مسلمة أو غير مسلمة، صغار أو كبارا، مؤسسات أو أفراد على تعلم العربية التي تأتي في خامس لغة في فرنسا من حيث التّعليم العالي ومن حيث العددُ بعد الإيطاليّة وقبل الصّينيّة. ولا بد من الإشارة أيضا أن بدأ تعليم اللّغة العربيّة قديم في هده الربوع وتبريز اللّغة العربيّة من أقدم ما يوجد في فرنسا.
وقد بلغ عدد الطلاب الذين يدرسونها في المؤسسات الرسمية الفرنسية مدارس ومعاهد وجامعات ما بين 6000 إلى 8000 بين طالب وتلميذ، بما فيه Le CNED والتّعليم الخاصّ. وخارج الإطار الرسمي هناك حوالي عشرة آلاف طالب يدرسون العربية اليوم وعليه فالاهتمام باللغة العربية اليوم أمر بديهي ولكن المشكلة تكمن في ترجمته على أرض الواقع في ظل تصاعد التخويف من العرب ولغتهم. ولقد وجدنا أن من أكبر مشكلات اللّغة العربيّة هي: الفصحى والعامّيّات، ممّا يحدث مشكلا بيداغوجيّا. وما ينشر في هذا الميدان لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبار اللّغتين، لا سيّما فيما يتعلّق بالحكاية والأدب الشّعبيّ. وتعلم العربية اليوم وامتلاكها هو تطوير للقدرات الإبداعية للأطفال ولنشاطاتهم الفكرية والاجتماعية قصد تكوين المواطن الصالح المبدع المتقن لأكثر من لغة. ولدلك من الضروري دراسة المشاكل النفسية والثقافية والاجتماعية والبداغوجية التي يعيشها أبناء المهاجرين بحكم أنهم يشكلون الأغلبية من القطاعات المقبلة على تعلم اللغة العربية دراسة علمية من طرف القائمين على التعليم وهذا خاصة بعدما لمسنا إقبالا حقيقيا من الآباء على تعليم أبنائهم اللغة العربية بوصف كل لغة هي التي تشكل هوية الطفل النفسية والاجتماعية والثقافية والتي من داخلها يتمكن الطفل من تأكيد ذاته وفي نفس الوقت يتمكن من لغة البيئة التي يعيش فيها باعتبارها لغته الأم.
ضرورة دفع التلميذ بتبني التنسيق مع الجهات الرسمية من بلديات ودور رعاية الشباب ووزارة الثقافة وضرورة المطالبة بحقوقه حتى يأتي اليوم الذي نرى فيها اللغة العربية مبرمجة مثل غيرها من اللغات الحية في كل المدارس والثانويات والجامعات الفرنسية. وبداية الغيث قطرة كما يقال نجد اليوم حولي ألف تلميذ يدرسون العربية في المستوى الابتدائي في إطار ما يسمى l'enseignement d'initiation de langue étrangère في المدارس الحكومية الفرنسية.
أما الطريف الذي نختم به هذا التحقيق هو إقبال الأجانب على تعلم العربية لغة الخط والشعر والموسيقى ولغة حضارة أعطت للإنسانية علوما وفنونا وآدابا وحافظت على تراث الأمم السابقة لما قامت بترجمته وزادت عليه وهدا يمكن أن يكون موضوع تحقيق آخر.
· يحيى عبد المبدي محمد {{ في الذكرى الرابعة لهجمات سبتمبر: الأزمة لم تكن للعرب الأميركيين شرا مطلقا}} . المصدر: الموقع الالكتروني : تقرير واشطن http://www.taqrir.org/index.cfm
· السيدة سيدة القدسي مدرسة في مدرسة النجاح.
· الدكتور الحبيب العفاس دكتور في علوم التربية سنة 1994. وصاحب منهج {{ أحب اللغة العربية }} وقبلها منهج {{ أتعلم العربية }} وله كتابات أخرى وهو صاحب مكتبة الأندلس
· الدكتور ماهر المنجّد عضو هيئة تعليمية في جامعة دمشق – كلية الآداب دكتوراه في الأدب المقارَن والتبادلات الثقافية والألسنية من جامعة السوربون باحث في مركز البحوث حول الأدب العام والمقارن في جامعة السوربون مدرس مادة التفسير وعلوم القرآن في المعهد العالي للعلوم الإسلامية في باريس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.