منوبة: قبول 10 اعتراضات تتعلق بتزكيات مرشحين للانتخابات الرئاسية القادمة    "كهف الملح".. سحر العلاج من الضغوط النفسية    هكذا سيكون طقس الجمعة    رفراف: خصومة تنتهي بجريمة قتل شاب    طبرقة: العوامل الطبيعية تتسبب في إلغاء سهرة الجاز الثالثة    مرتجى محجوب يكتب لكم: الصدق قبل الكاريزما    المنستير: القبض على داعشي عاد من سوريا إلى تونس متنكرا وبوثائق مزورة    طاقم تحكيم تونسي يدير لقاء جيبوتي واسواتيني لحساب تصفيات كأس العالم قطر 2022    البرلمان يصادق على تنقيح القانون الانتخابي لاختصار الآجال الدستورية للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها    الحكمة درصاف القنواطي تثير الجدل في المغرب    نابل: صرف القسط الأول من التعويضات للفلاحين المتضررين من فيضانات سبتمبر الماضي    ريفالدو: نيمار إلى جانب رونالدو في «اليوفي»…ثنائي «صاروخي»!    محسن مرزوق يدعو إلى عدم تخوين من يحمل جنسية ثانية    مخدر « الكيتامين" الخطير اوقع بشبكة ليبية خطيرة في المنازه    الفنان الراحل خميس ترنان في سجل الناخبين للرئاسية....الحقيقة    تعليقا على تزامن كلمته بحوار الزبيدي: ياسين براهيم يتهم الشاهد بالتشويش    إلغاء عرض دليلة مفتاحي بمهرجان كسرى لرفضها تقديمه في الهواء الطلق    3600 تذكرة لجماهير النجم امام حافيا كوناكري...والبنزرتي يحذر    الدورة التأسيسية لأيام قرطاج للخزف الفني : عشرون بلدا أجنبيا ومسابقات متنوعة في الموعد    صفاقس :التكفل بنسبة 40 % من معاليم استهلاك الطاقة من الدولة لفائدة العائلات المعوزة    جمهور مهرجان حلق الوادي على موعد الليلة مع عرض ننده الأسياد    مؤلم: صور مضيّفة الطيران التونسية التي توفّيت بالسعودية    نفزة..اضراب مفاجئ في مكتب البريد    بقرار من المحكمة الادارية..إعادة 4 مترشحين لسباق الانتخابات الرئاسية المبكرة    أسماء الأنهج والشوارع .. شارع المعز بن باديس بالقيروان    تخربيشة : والمريض إللي ما إسموش حمادي العقربي ..يموت ما يسالش!!    من ألحانه..الفنان محمد شاكر يطرح أغنيته الجديدة    بعد ان أعلنت اعتزال الغناء..إليسا تغرد مجدداً وتطمئن جمهورها    من دائرة الحضارة التونسيّة ..عهد الإمارات بإفريقيّة    بداية معاملات الخميس ..تراجع طفيف لتوننداكس    البريد التونسي يتحصل على شهادة « Masterpass QR » لمؤسسة MasterCard العالمية    تعيينات الجولة الأولى.. السالمي يدير دربي العاصمة “الصغير”    ساقية الزيت : حجز 3590 علبة سجائر من مختلف الأنواع    غزالة.. انقلاب شاحنة    ''بدع ومفاهيم خاطئة''...أطعمة صحّية مضرّة    الدورة الترشيحية للبطولة العربيّة:النادي البنزرتي يبحث عن التأكيد ضد فومبوني القمري    رونالدو: أنا معجب بميسي    مصر.. انتشال جثة لاعب كرة قدم من النيل    ليبيا.. هدوء حذر بمحاور قتال طرابلس غداة اشتباكات عنيفة    تزامنا مع الذكرى الثامنة لوفاة الممثل سفيان الشعري: فنانة مصرية تقوم بنحت تمثال له (صور)    المنتخب الوطني .. هذا الثلاثي مرشّح لتعويض جيراس    علاج التعرق صيفا    تخلّصي من الإسهال مع هذه الأطعمة    7 إرشادات للأكل الصحي    ''تونسية و3 جزائريين ''حرقوا'' من صفاقس وصلوا للمهدية''    مذكرة قبض دولية بحق وزير جزائري سابق    أبرز نقاط القرار المشترك لضبط قواعد تغطية الحملة الإنتخابية    غرق شاب بالميناء التجاري بسوسة    إكتشاف مذهل يحمل الأمل لعلاج الزهايمر    في الحب والمال: هذه توقعات الأبراج ليوم الخميس 22 أوت 2019    توزر..تتحكم في أسعار التمور ..«مافيا التصدير» تجني الملايين والفلاح يغرق في المديونية    القلعة الكبرى.. مسافرون يحتجون    أزمة الحليب تعود إلى الواجهة .. مجلس المنافسة يقاضي علامتين لتصنيع الحليب    عين جلولة: متحصل على 10 شهائد في المجال الفلاحي يلاقي حتفه في حادث مرور دون تحقيق حلمه    5 ملايين دولار لمن يبلغ عن "3 دواعش"    ترامب: الله اختارني لخوض الحرب ضد الصين    إيران تكشف عن نظام صاروخي تم تصنيعه محليا    متصدر جديد لقائمة "فوربس" للممثلين الأعلى أجرا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





القضية الفلسطينية:تقرير متابعة الإعلام الألماني والسويسري والنمساوي(الإصدار 31)
نشر في الفجر نيوز يوم 18 - 08 - 2010

ترجمة خاصّة لمواد منتقاة مع استعراض تحريري النصّ العربي
من إعداد فريق: "سبوت لايت أون باليستاين"، أوروبا
مدة المتابعة: الاثنين 9 آب/ أغسطس 2010 إلى الأحد 15 آب/ أغسطس 2010
المضامين:
 استعراض عام
 سفينة سويسرية تبحر قريباً إلى غزة، سويسرا صحيفة "تاغز أنتسايغر"
 المستوطنون المنسيّون من قطاع غزة جورج جبيرو، سويسرا صحيفة "نويه تسورشر تسايتونغ"
 خيانة المستوطنين من غزة سوزانا كناوْل، النمسا صحيفة "دي برسّه"
 كيف تحوّل انسحاب إسرائيل من غزة إلى كيد مرتد هانز دانه، ألمانيا صحيفة "دي فيلت"
 خمسة أسئلة عن قطاع غزة كارين لويْكفيلد، ألمانيا صحيفة "يونغه فيلت"
 الروك في رام الله سارة يوديت هوفمان، ألمانيا محطة التلفزة العامة "تست ديه إف"
 الضفة الغربية – مصنع الأحلام الصغير هانز كريستيان روسلر، ألمانيا صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ"
 نحن منتقدو إسرائيل الشرق الأوسط يتحوّل إلى منطقة لتسليط الأنظار لارس رينسمان، ألمانيا صحيفة "تاغز تسايتونغ"
 الأدب السياسي: عابرو الحدود - إسرائيليون وفلسطينيون إيغال أفيدان، ألمانيا صحيفة "تاغز شبيغل"
 قطاع غزة .. قتال دموي بين الإخوة في "حماس" أولريكه بوتس، ألمانيا مجلة "دير شبيغل"
 إسرائيل غير معنية باستقرار لبنان فريتس إيدلينغر، النمسا النشرة الإلكترونية ل"جمعية العلاقات النمساوية العربية"

استعراض عام
ركّزت وسائل الإعلام الألمانية والنمساوية والسويسرية، في ما يتعلّق بالشأن الفلسطيني وما يتصل به من أبعاد، خلال الأسبوع الممتد من التاسع وحتى الخامس عشر من آب/ أغسطس 2010، على ذكرى مرور خمس سنوات على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، مسلِّطة الأضواء على تجربة المستوطنين اليهود السابقين في القطاع وما آلو إليه عبر تلك السنوات.
وقد انصرف قسط وافر من التغطيات والتحقيقات إلى ما تبدو تحوّلات اجتماعية في الضفة الغربية، وسط احتفاء صحفي بملامح حياة جديدة فيها مغايرة لما هو مألوف في زمن الانتفاضة والمقاومة، مع إشارات إلى دور غربي داعم لهذه التحوّلات، مقابل القلق من الواقع في قطاع غزة المُحاصَر.
كما تواصل الاهتمام بأسطول الحرية والاستعدادات لانطلاق سفن أخرى صوب قطاع غزة المحاصر، علاوة على تطوّرات ما يسمّى بالتحقيق الإسرائيلي في ملف الأسطول.
وقد أثارت التوترات الحدودية بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني الأنظار إلى هشاشة الأوضاع في المنطقة، بينما تواصل رصد التطوّرات الميدانية في فلسطين بشكل عام.
واستمرّ مؤيديو الاحتلال الإسرائيلي في شنّ حملاتهم بلا هوادة ضد انتقاد الانتهاكات وجرائم الحرب الإسرائيلية، ساعين إلى تجريمها معنوياً أو حتى وصمها بمعاداة السامية.
فقد لفتت صحيفة "تاغز أنتسايغر" السويسرية، الأنظار إلى تطوّرات مشاركة سويسريين في أسطول الحرية الثاني، المقرّر أن يبحر صوب قطاع غزة في نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل. وأوضحت الصحيفة في تقرير لها كيف تنشط مؤسسة "الحقوق للجميع" في تنظيم هذه المشاركة، التي ستتمخض عن سفينة سويسرية محمّلة بآلاف الأطنان من المساعدات وبعشرات المشاركين، ومن بينهم شخصيات عامة وبرلمانية.
ويكتب جورج جبيرو في الصحيفة السويسرية البارزة "نويه تسورشر تسايتونغ" عمّا وصفها ب"معاناة" المستوطنين اليهود السابقين في مستوطنات قطاع غزة، وكيف أنّ الوعي العام الإسرائيلي تناسى "مشكلتهم" التي حملوها معهم منذ الارتحال عن منطقة فلسطينية محتلة. ويشرح الكاتب كيف أنّ السلطات الإسرائيلية تراخت في التعامل مع تلك المشكلة، حتى بقي كثيرون منهم بمعزل عن الاندماج داخل مجتمعهم الجديد بين بني جلدتهم، بعد أن رفضوا الانخراط فيه أملاً في أن يعيدوا "الأيّام الخوالي" ويقيموا تجمّعات استيطانية لهم داخل الأراضي الإسرائيلية تحمل أسماء المستوطنات ذاتها التي كانوا يعيشون فيها، في "وئام" مع جيرانهم الفلسطينيين، والذين ما زالوا على تواصل هاتفي معهم رغم الانسحاب والرحيل عن القطاع، حسب كاتب المقال.
وبشأن المستوطنين الإسرائيليين السابقين من قطاع غزة؛ كتبت سوزانا كناول في صحيفة "دي برسِّه" النمساوية المحافظة، راصدة أقوال بعضهم عن "إهمال" الحكومة الإسرائيلية لمعاناتهم في حياتهم الجديدة. وتصف الكاتبة ذلك الإهمال بأنه "خيانة" للمستوطنين السابقين، الذين عاشوا معظم حياتهم هم وأولادهم داخل مستوطنات القطاع، وكوّنوا حياة كاملة هناك، ثم اقتلعهم الانسحاب الإسرائيلي منها ليُلقي بهم في حياة البطالة والسكن المؤقت، ما نشأت معه مشكلات اجتماعية رصدها تقرير تمّ إعداده بتفويض من الحكومة الإسرائيلية، للوقوف على احتياجات هؤلاء المستوطنين.
ثمّ يرى هانز دانه في صحيفة "دي فيلت" التي تصدر في برلين والمنحاز تقليدياً للجانب الإسرائيلي، أنّ الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة منذ خمس سنوات تحوّل إلى "كيد مرتد على إسرائيل"، التي ما زالت "تعاني من مشكلات أمنية" مع القطاع بسبب تساقط الصواريخ منه على المستوطنات الجنوبية في فلسطين المحتلة، وكذلك تعاظم قوّة حركة "حماس" هناك، رغم أنّ الجانب الإسرائيلي لم يُرِد لذلك أن يحدث.
وعن معاناة القطاع المحاصر وأهله من المواطنين الفلسطينيين؛ طرحت كارين لويْكفيلد في صحيفة "يونغه فيلت" الألمانية، خمسة تساؤلات بشأن الأوضاع المعيشية والاقتصادية ونواقص قطاع غزة، على ثلاثة أطراف منخرطة في الأحداث هناك، وهي الأمم المتحدة والجانب الإسرائيلي وحركة "حماس". وخرجت الإجابات من كل الأطراف مختلفة عن نظيراتها، بينما يبرز الادعاء الإسرائيلي بأنّ القطاع لا يشهد أزمة إنسانية وأنه حتى خلال الحرب على غزة في عامي 2008 و2009 لم يكن سكان القطاع يعيشون في ضائقة حياتية.
وقد جابت سارة يوديت هوفمان، حسب التقرير المنشور في الموقع الإلكتروني لمحطة التلفزة العامة الألمانية "تست دي إف"، وهي بمثابة القناة الثانية، شوارع مدن الضفة الغربية ليلاً لترصد الحياة الصاخبة التي أصبحت برأيها معلماً من معالم الضفة؛ حيث صارت مقصدا للباحثين عن الترفيه والمتعة بعيداً عن "القضية الفلسطينية" ومعاناتها. فرام الله صارت منافساً شديداً لمدينتي تل أبيب وبيروت في حياة الليل وما تحتويه من ملاهٍ وبارات. وهي الحياة التي ترى الكاتبة أنها أقرب إلى الحياة الأوروبية مقابل "الحياة الإسلامية المتشدِّدة" التي يعيشها سكان قطاع غزة.
أمّا في مدينة جنين الواقعة شمال الضفة الغربية؛ يرصد هانز كريستيان روسلر في تحقيقه المنشور في صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" المرموقة، جانباً من التغيّر في المدينة التي كانت تنتشر صور تأبين الشهداء في شوارعها، لتحلّ محلها إعلانات تبغ أوروبية. ويأتي هذا التغيير مع افتتاح دار عرض سينمائي في مركز المدينة بمبادرة ألمانية وتعاون فلسطيني وتطوّع شبابي. ويرى الكاتب أنّ هذا التغيّر هو "بذرة حلم لحياة أفضل داخل المدينة المنهكة من الحرب والعنف"، على حد تعبيره.
وبدوره؛ يرى لارس رينسمان في مقاله المنشور في صحيفة "تاغز تسايتونغ" الألمانية، أنّ هناك "تطرّفاً في انتقاد إسرائيل، انتشرت معه صور معاداة السامية في الكتابات والرسوم الكاريكاتيرية". كما أنّ هناك بعض المنتقدين، حسب الكاتب، يكيلون الاتهامات للجانب الإسرائيلي، بينما يغضّون الطرف عن "الهتافات المعادية للسامية التي يطلقها الإسلاميّون" ليتقاربوا بذلك مع "اليمين التركي المتطرِّف"، أو ينغمسون في عبادة العنف، ويشعرون بذلك أنهم متفوِّقون أخلاقياً عندما يجلسون في القارب ذاته مع اليمين التركي المتطرِّف.
ويستعرض إيغال أفيدان في صحيفة "تاغز شبيغل" الألمانية، كتاباً تحت عنوان "عابرو الحدود - إسرائيليون وفلسطينيون"، للكاتبة ألكسندرا سينفت، والتي كانت تعمل أستاذة مساعدة في العديد من الحلقات الدراسية التي كان يديرها عالم النفس الإسرائيلي الراحل دان بر أون. وتحاول الكاتبة استعراض وجهات النظر الفلسطينية والإسرائيلية بشأن التعايش والصراع بين طرفي المعادلة الفلسطينيين والإسرائيليين. غير أنّ الكاتبة تمكّنت من التواصل بصورة أقرب مع شخصياتها الإسرائيلية؛ أكثر من الشخصيات الفلسطينية التي كانت محطّ تحليل في كتابها. وقد شغلت المؤلفة من قبل مواقع عدّة، فقد عملت مستشارة شؤون الشرق الأوسط في الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، ومراقبة للأمم المتحدة في الضفة الغربية، ومتحدثة باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" في قطاع غزة.
ومن جانبها؛ تحاول أولريكه بوتس من خلال تحقيقها المنشور في مجلة "دير شبيغل" الألمانية، أن تُظهر حركة "حماس" على أنها حزب سياسي إسلامي متشدِّد لا يقبل بأي حال أن يكون هناك منتقدون له على الساحة، حتى وإن كانوا من داخل صفوف الحركة، بل ومن قادتها البارزين. ولا تتورّع الحركة، حسب ادعاء الكاتبة، عن اللجوء إلى تصفية هؤلاء المعارضين إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.
أمّا التوتر القائم على الحدود اللبنانية الفلسطينية كان محور مقال فريتس إيدلينغر، رئيس جمعية العلاقات النمساوية العربية، في النشرة الإلكترونية الصادرة عن الجمعية. ويرى إيدلنغر في مقاله أنّ الجانب الإسرائيلي غير معنيّ بحدوث استقرار داخلي في لبنان، مستشهداً بمحطات تاريخية يثبت من خلالها أنّ القيادات الإسرائيلية على مرّ العهود نفذت مخططات تصبّ في هذا الاتجاه، لتضمن جبهة مؤيدة لها داخل الدولة المتاخمة لها، وخاصة في الجنوب اللبناني.

سفينة سويسرية تُبحِر قريباً إلى غزة
سويسرا صحيفة "تاغز أنتسايغر" اليومية
Tages-Anzeiger
الموقع الإلكتروني
9 آب/ أغسطس 2010
لفتت صحيفة "تاغز أنتسايغر" السويسرية، الأنظار إلى تطوّرات مشاركة سويسريين في أسطول الحرية الثاني، المقرّر أن يبحر صوب قطاع غزة في نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل. وأوضحت الصحيفة في تقرير لها كيف تنشط مؤسسة "الحقوق للجميع" في تنظيم هذه المشاركة، التي ستتمخض عن سفينة سويسرية محمّلة بآلاف الأطنان من المساعدات وبعشرات المشاركين، ومن بينهم شخصيات عامة وبرلمانية.
يستعد أسطول دولي جديد يريد الإبحار صوب غزة، ومن المقرّر وصوله في غضون شهور قليلة. ومن المفترض أن يتشكل الأسطول من نحو ثلاثين سفينة، ومن بينها قارب سويسري على الأقل.
قرابة أربعمائة وخمسين شخصاً من سويسرا يعتزمون المشاركة في رحلة الاحتجاج والمساعدة إلى غزة. وعلى المتن هناك النائبان في المجلس الوطني (البرلمان الاتحادي السويسري) يوزيف تسزياديس، من حزب العمل لسويسرا من كانتون فاد، وكارلو سوماروغا، من الحزب الاشتراكي من كانتون جنيف. وإجمالاً فقد حازت المشاركة السويسرية على مائتين وعشرين منظمة غير حكومية، كما قال أنور الغربي من (منظمة) "الحقوق للجميع" ردّاً على سؤال. وتنظم هذه المنظمة التي مقرّها في جنيف المشروع السويسري. وينسِّق الغربي علاوة على ذلك حملةً أوروبية.
وفي الأصل كان ينبغي على الأسطول أن ينطلق في نهاية تموز/ يوليو (2010)، لكنّ الإقبال الكبير من المنظمات والأشخاص المهتمِّين قد أرجأ البدء. ويعرب النائب في المجلس الوطني (البرلمان الاتحادي السويسري) عن جنيف، سوماروغا، عن أنّ السفر سيكون في نهاية أيلول/ سبتمبر.
احتجاج ضد الحصار الإسرائيلي
وتقدّر كلفة السفينة السويسرية ذات الأربعة آلاف طن من المساعدات وبما بين ستين وثمانين راكباً بخمسمائة ألف فرنك سويسري (نحو 400 ألف يورو). وتريد "الحقوق للجميع" أن تجمع هذا المبلغ بنفسها. وتتمثل مواد المساعدة أساساً من الأدوية والبيوت الجاهزة.
إنه من الممكن أن تبدو المساهمة السويسرية أكبر نظراً للاهتمام الكبير، كما يقول الغربي. فأوروبياً سجّل عشرة آلاف شخص حتى الآن أنفسهم. ويمكن للأسطول إجمالاً أن يضمّ ما يصل إلى ثلاثين قارباً.
ليس الهدف هو المواجهة مع إسرائيل. أكثر من ذلك يراد من هذه المبادرة التذكير بحصار قطاع غزة الذي ما زال قائماً، كما يوضِّح عضو المجلس الوطني سوماروغا هدف الرحلة. كما يُفترَض بهذا المشروع أن يساهم في شبكة دعم سويسرية لغزة.

المستوطنون المنسيّون من قطاع غزة
الكاتب/ معدّ التقرير: جورج جبيرو George Szpiro
سويسرا صحيفة "نويه تسورشر تسايتونغ" اليومية
Neue Zürcher Zeitung
الموقع الإلكتروني
13 آب/ أغسطس 2010
يكتب جورج جبيرو في الصحيفة السويسرية البارزة "نويه تسورشر تسايتونغ" عمّا وصفها ب"معاناة" المستوطنين اليهود السابقين في مستوطنات قطاع غزة، وكيف أنّ الوعي العام الإسرائيلي تناسى "مشكلتهم" التي حملوها معهم منذ الارتحال عن منطقة فلسطينية محتلة. ويشرح الكاتب كيف أنّ السلطات الإسرائيلية تراخت في التعامل مع تلك المشكلة، حتى بقي كثيرون منهم بمعزل عن الاندماج داخل مجتمعهم الجديد بين بني جلدتهم، بعد أن رفضوا الانخراط فيه أملاً في أن يعيدوا "الأيّام الخوالي" ويقيموا تجمّعات استيطانية لهم داخل الأراضي الإسرائيلية تحمل أسماء المستوطنات ذاتها التي كانوا يعيشون فيها، في "وئام" مع جيرانهم الفلسطينيين، والذين ما زالوا على تواصل هاتفي معهم رغم الانسحاب والرحيل عن القطاع، حسب كاتب المقال.
تحلّ يوم 17 آب/ أغسطس الذكرى السنوية الخامسة لإجلاء نحو ثمانية آلاف مستوطن يهودي من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل. وتبعاً للتوجّه السياسيّ وصف الإسرائيليون عملية الإجلاء بأنها فصل أو إخلاء أو اقتلاع. فنحو ألف وثمانمائة أسرة كانت تقيم في إحدى وعشرين مستوطنة أجلتهم إسرائيل خلال أيام قليلة. وقد برّر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آريئيل شارون الإخلاء بأنه ليس رغبة في إنهاء احتلال أراض فلسطينية؛ ولكن لمبرِّرات ديموغرافية. فإسرائيل لم تُرِد تحمّل مسؤولية مليون ونصف مليون فلسطيني طويلاً.
انسحاب غير مُنسّق
حتى لا يبدو الأمر وكأنّه اتفاق مع السلطة الفلسطينية؛ نفّذ شارون الإجلاء دون أي تنسيق مع الفلسطينيين. وقد اعتبر المراقبون الاستيلاء على السلطة من قبل حكومة "حماس" وعمليّات إطلاق الصواريخ على إسرائيل؛ أنه نتيجة مباشرة للانسحاب. في الفترة التي سبقت عملية الاخلاء كان سكان إسرائيل في حالة اضطراب. وقد في شارك المُخطّط (للانسحاب) الذي أعدّته هيئة الأركان للإخلاء أربعة عشر ألف جندي وضابط. وعقب الإجلاء كانت هناك أمارات من السخط، ولكن تلاشى ذلك تدريجيا، فقد اختفى السكان اليهود المُرَحّلون من قطاع غزة من الوعي العام.
لقد كان الارتحال عن المكان الذي صار وطناً لهم؛ بمثابة صدمة لكثير من المستوطنين. فقد كانوا يعتبرون أنفسهم روّاداً وليسوا محتلين لأرض غريبة، فقد تمّت دعوتهم من قبل الحكومات اليمينية واليسارية إلى العمل على التنمية الاقتصادية للأرض (المحتلة في قطاع غزة). والآن هم يشعرون أنّهم خُدِعوا مرّتين. فمن الناحية الرسمية كان يتمّ تشجيعهم منذ سنوات السبعينيات على الاستيطان في قطاع غزة. وبكثير من روح الريادة؛ حولوا قطاع غزة من صحراء إلى واحة مزدهرة، على الأقل من وجهة نظرهم. وتمّ خداعهم في المرة الثانية عندما قرّر آريئيل شارون، الأب الروحي لسياسة الاستيطان، التحوّل بين عشية وضحاها. لقد حظي المستوطنون المذعورون بتأييد من جميع قطاعات السكان في إسرائيل. وأشار قلائل إلى أنّ احتلال قطاع غزة يتناقض مع القانون الدولي.
سكن مُقفر
واكب عملية الإجلاء الكثير من الصخب، ولكن دون عنف. فلم يكن الأشخاص الذين تمّ إجلاؤهم من الشباب المحافظ المسعور، مثلما كان المسلك عند أي عملية إخلاء استيطاني في الضفة الغربية؛ بل آباء قلقين. وقد تعثّر اندماجهم في إسرائيل بسبب الإصرار على مطالب مستحيلة. فقد طالب بعضهم بأراض زراعية جديدة بالقرب من البحر، والمحافظة على التركيبة السكانية المتزايدة في مكان إعادة التوطين. وكانت النتيجة أنّ المهجرين تمّ إيوائهم لمدّة شهور في الملاجئ والفنادق. وانتقل معظمهم في نهاية المطاف إلى مساكن مؤقتة، حيث يعيشون إلى اليوم. وقد خلصت لجنة تحقيق مؤخّراً إلى استنتاج مفاده أنّ المُهجّرين تعرّضوا للإهمال من قبل السلطات. ويتمّ الآن إيجاد الحلول. لقد أقام المُهجّرون مستوطنات جديدة داخل إسرائيل. وقد استنفد كثير منهم التعويضات التي حصلوا عليها من الدولة.
انتقلت ديبي روزين في سنّ الثانية والعشرين، بعد أسبوع من زواجها، مع زوجها إلى مستوطنة في قطاع غزة. وكان يعمل محاسِباً، وعملت هي في مكتب إدارة المستوطنة، ووُلد جميع أطفالها الستة في قطاع غزة. وبعد الإخلاء أقامت لمدّة أربعة أشهر في نُزُل في القدس. ولأنها لم تجد وظيفة بدأت في مواصلة الدراسة وكانت تحصل على أعمال مختلفة. وتحكي أنّ القطاع الأكبر من المستوطنين في قطاع غزة وحتى آخر لحظة لم يحسبوا لعملية الإخلاء حساباً. ورغم إيمانها؛ إلاّ أنها لا تتحادث مع الحاخامات، الذين عملوا على تقويتهم على أوهامهم ووعدوا بحدوث معجزة في اللحظة الأخيرة. لذلك رفض المستوطنون التفاوض مع السلطات، الأمر الذي جعل من المستحيل إعادة التوطين بصورة سليمة.
وجولة داخل "نيتسان"، وهي المستوطنة التي تمّ هرسها بناء على أمر من رئيس الوزراء شارون، تبيِّن الوجود القاتم للإجلاء. فالمستوطنة التي يبلغ طولها كيلومتراً واحداً وعرضها ثلاثمائة متر تقع غير بعيد عن الساحل بين عسقلان ومدينة اسدود. لقد عاشت هنا خمسمائة أسرة من المستوطنين من جميع أنحاء قطاع غزة. طرق صلبة وحدائق صغيرة تخدع بوجود جوّ سلمي في المدينة. ولكن ما يُسمى بالكرافنات – وهي مساكن بين المنازل المتنقلة والفيلات – تبدو كمساكن مهجورة يعيش فيها المستوطنون السابقون كلاجئين. لقد تمّ توزيع الأسر ذات العدد الكبير من الأطفال في مساحات تتراوح بين 60 و90 متراً مربّعاً من المنازل الجاهزة ويدفعون إيجاراً لها يعادل نحو أربعمائة دولار شهرياً. وقامت بعض الأسر ببناء حجرة إضافية بحوائط الجبس، والمبرِّدات موجودة أمام أبواب المنازل بسبب ضيق المكان. هنا وهناك يكسر محل صغير الجوّ الكئيب قليلاً. وأمام جميع الكرافنات تقريباً توجد أنابيب خرسانية ضخمة توفر الحماية من الصواريخ التي تسقط من قطاع غزة.
كان ليئور كالفا رئيس بلدية مستوطنة "نيفه ديكاليم" في قطاع غزة، وهو الآن رئيس الحكومة المحلية في "نيتسان". إنه يتحدّث عن أيّام العزّ في قطاع غزة، من الهواء النقي، الشاطئ الخلاّب والأجواء الودِّيّة. وكان معدّل البطالة يبلغ أربعة في المائة في المكان القديم لم يذكر أنّ نسبة كبيرة من السكان كانوا يعملون في الإدارة المتضخِّمة أو في الخدمات المدرسية . أمّا الأكبر سنّاً من المستوطنين السابقين فلا يجدون وظائف جديدة بعد الإجلاء. ويشكو كالفا من أنّ نصف القادرين على العمل من السكان لا يجدون عملاً. والآن فقط، بعد مرور خمس سنوات، تبدأ الحياة المفقودة لكثير من النازحين في العودة بطريقة منظمة.
وقد أقيمت غرب "نيتسان" منطقة سكنية جديدة. وقد أعدّت وزارة الإسكان الأراضي والبنية التحتية قبل ثمانية عشر شهراً، وتجري أعمال البناء على قدم وساق. ويوفِّر الحي سكنا لأربعمائة وخمسين أسرة، وقد تمّ بالفعل بيع مائتين وخمسين وحدة.
وبالرغم من ذلك؛ فقد أصبحت الأسعار لا تُطاق بالنسبة للعديد من الأشخاص الذين تمّ إجلاؤهم. فتكلفة قطعة الأرض التي تبلغ مساحتها خمسمائة متر مربع في وقت الإجلاء كانت تبلغ نحو ثلاثين ألف دولار، وقد ارتفع هذا السعر ليبلغ نحو مائة وعشرين ألف دولار. وتكلفة بناء بيت يُضاف إليها مائتا ألف دولار. وكانت كلّ أسرة قد وُعدت بالحصول على مبلغ ثلاثمائة ألف دولار تعويضاً، ولكنّ كثيرين استنفدوا هذا المبلغ خلال السنوات الخمس الماضية. ورغم ذلك يأمل كالفا أن يتمكّن المُهجَرون جميعاً خلال السنوات الخمس المقبلة من الانتقال إلى المنازل المبنية بإحكام.
لم يتغيّر الوعي
أنيتا توكر، وهي أحد مستوطني غزة الذين هاجروا من الولايات المتحدة، وممثلة عن جيل المؤسِّسين، تتباكى على الأيام الخوالي. إنها تزعم أنّ العلاقات مع الجيران العرب كانت جيِّدة، لأنّ الفلسطينيين كانوا سعداء بإيجاد سبل العيش في المؤسسات اليهودية في قطاع غزة. وراوغت في ردِّها على التساؤل عمّا إذا كانت من خلال تجربتها الخاصّة المتمثلة في اقتلاعهم؛ أكثر تفهّماً لمحنة اللاجئين الفلسطينيين. إنّ إحدى المستوطِنات التي هاجرت من فرنسا وانتقلت في سنة 1986 مع زوجها إلى قطاع غزة، تتذكر باشتياق حياتها السالفة. بعد عملية الإخلاء خرجت خاسرة هي وأسرتها. لقد كان كل شيء غير مؤكّد: في السكن ومدرسة الأطفال والعمل. وكما هو الحال مع أُسر أخرى؛ فقد أدّى التوتر إلى حدوث خلاف واكتئاب، ومشاكل تأديبية مع الأطفال.
ولكن هناك نقاط مضيئة. فراحيل سابرشتاين، والتي تتجاوز السبعين من العمر ومهاجرة من الولايات المتحدة الأمريكية، تحكي أنها وزوجها وقّعا للتوّ عقداً لبناء سكن جديد. بدأت سبعون أسرة من مستوطنة "نيفه ديكاليم" السابقة مع ثمانين أسرة أخرى من إسرائيل بإقامة مكان جديد يسمى "بني ديكاليم"، يقع في منتصف الطريق بين غزة والخليل. وتشير سابرشتاين إلى أنّ المنطقة الجديدة تقع داخل الخط الأخضر، وهي الحدود المتعارف عليها دولياً لإسرائيل. وفي "بني ديكاليم" من المُقرّر أن يتمّ الربط بين علم البيئة والفكر اليهوديين في وحدة واحدة.
مُزارِع نَشِط
يفيض موتي سيندر من مستوطنة "جَنيّ تال" السابقة بروح الروّاد، التي سادت إسرائيل وشعبها ذات يوم. عندما انتقل قبل ثلاثين سنة إلى قطاع غزة، كان على الموظّف البنكي السابق أن يتعلّم الزراعة من الألف إلى الياء. وببراعة وشعور كبير من الابتكار قام هو وعدد من المستوطنين الآخرين بابتكار وسائل للزراعة وطرق الريّ لتتكيّف مع الظروف القاسية. وفي حقولهم كان يعمل إلى جانب المزارعين اليهود خمسة آلاف فلسطيني. ويروي سيندر أنّ العلاقات مع الجيران العرب كانت جيِّدة. وتعلّمت زوجته القيادة في مدرسة للتعليم في مدينة خان يونس، وما زال يحرص إلى اليوم على التواصل هاتفيا مع الموظّفين السابقين (الفلسطينيين).
وعندما اقترب موعد الإخلاء؛ لم ينتظر موتي سيندر حتى اللحظة الأخيرة. وبدلاً من أن يشكو، شرع في مفاوضات مع مستوطنة تعاونية في إسرائيل واستأجر قطعة أرض، بنى عليها صوبات زراعية. وهو اليوم يُنتِج النباتات المنزلية للتصدير إلى أوروبا. ويقول المُزارِع النشط إنّ أهم شيء أنه مشغول. وهو سينتقل قريباً مع خمس عشرة أسرة أخرى للإقامة في منازل ثابتة – إنه مثال جليّ للانتقال الناجح.

خيانة المستوطنين من غزة
الكاتبة/ معدّة التقرير: سوزانا كناوْل Susanne Knaul
النمسا صحيفة "دي برسّه" اليومية
Die Presse
الإصدار المطبوع
15 آب/ أغسطس 2010
بشأن المستوطنين الإسرائيليين السابقين من قطاع غزة؛ كتبت سوزانا كناول في صحيفة "دي برسِّه" النمساوية المحافظة، راصدة أقوال بعضهم عن "إهمال" الحكومة الإسرائيلية لمعاناتهم في حياتهم الجديدة. وتصف الكاتبة ذلك الإهمال بأنه "خيانة" للمستوطنين السابقين، الذين عاشوا معظم حياتهم هم وأولادهم داخل مستوطنات القطاع، وكوّنوا حياة كاملة هناك، ثم اقتلعهم الانسحاب الإسرائيلي منها ليُلقي بهم في حياة البطالة والسكن المؤقت، ما نشأت معه مشكلات اجتماعية رصدها تقرير تمّ إعداده بتفويض من الحكومة الإسرائيلية، للوقوف على احتياجات هؤلاء المستوطنين.
تنتظر أنيتا توكر منذ خمس سنوات أن تبدأ حياتها الجديدة. فالسيدة البالغة من العمر 64 عاماً تريد معاودة زراعة الخضروات. الطماطم والكرفس، الفلفل والأعشاب؛ هو ما كانت تقوم بإنتاجه قبل أن يطرق الجنود بابها. حيث تقول: "كنت أحلم وقد تحوّل الحلم إلى حقيقة". ففي يوم 15 آب/ أغسطس عام 2005 انتهى الحلم. فقد أصدر آريئيل شارون، الذي شغل آنذاك منصب رئيس الوزراء (الإسرائيلي) أمراً بالانسحاب من قطاع غزة وإزالة المستوطنات، والتي عاشت فيها ألف وثمانمائة أسرة يهودية.
لقد تمّ إيفاد ضبّاط من أجل حثّ السيدة التي لم تكن شابّة آنذاك وأسرتها على الرحيل في سلام. حاولت توكر، وهي ضخمة وقوية وترتدي القبّعة لأسباب دينية، محاولة أخيرة لإقناع الجنود برفض الأمر. وسألت: "كيف يمكن أن تقوموا بتهجيرنا؟"، وطالبتهم واحداً تلو الآخر بالتفاوض. ثم غادرت دون مقاومة ودون أن تعلم إلى أين. وتقول: "لم تكن هناك حتى ما يكفي من الحافلات لنقلنّا جميعاً".
اثنتا عشرة أسرة من ضمن أربع وثمانين أسرة من مستوطنة "نيتسر حساني"، حيث كانت تعيش أنيتا توكر، غادرت المستوطنة أسابيع قبل الانسحاب. وتلخِّص توكر ذلك بالقول: "لم يرُق لهم ذلك". فقط أولئك الذين بقوا حتى النهاية كانوا في سلام مع أنفسهم وبقوا في صحّة جيدة. غير أنّ الجميع أُصيبوا بصدع نفسي، فلم تكد تمضي صدمة الانسحاب حتى تلقّى المستوطنون الصدمة التالية. حيث تتذكّر أنيتا أنّ "الحكومة وعدتنا بتقديم مساكن بديلة وأرض ومدارس وعمل. ولكن لم تكن هناك خطّة"، بل حلّ وقتيّ. وبعد مغامرات التنقّل بين الفنادق ودور الضيافة وتسعة أشهر من الانتظار في سكن يشبه الحاويات على مرتفعات الجولان؛ انتقلت توكر أخيراً إلى منزل سابق التجهيز مؤقتاً في مستوطنة "تسوريم"، حيث ما زالت تعيش إلى اليوم.
المنزل الذي كانت تملكه الأسرة في "نيتسر حساني" كان عبارة عن سكن متقشِّف. المنزل بسيط بجدران رقيقة، ومساحته أقلّ بكثير من مائتي متر مربع. ولكن كانت فيه المقوِّمات الأساسية، علاوة على أنّ أبناء توكر الخمسة لم يعودوا يقيمون مع الآباء، وهو ما يقلِّل من الحاجة إلى مكان أرحب. ولكن ليس السكن المتقشِّف هو الذي يُحبِط المستوطنين، وإنما الشعور بالشلل: "نحن لا نستطيع القيام بأيِّ شيء"، وما من أحد يهمّه مصيرهم. ما زال كثير من المستوطنين يرغبون بشدّة في رواية قصّتهم. ولذلك يوجد في القدس منذ عامين "متحف غوش قطيف"؛ والذي توجد على جدارنه أسماء المستوطنات التي تم تفكيكها بالخطّ الأسود، وهو ما يشبه نصب المحرقة "يد فاشيم" الذي يشتمل على أسماء التجمّعات اليهودية التي تمّ محوها في أوروبا. لقد زار المكان نحو تسعين ألف زائر على الأقلّ.
زوج أنيتا متديِّن متعصِّب ومدرِّس متقاعد، يضع إناء من الماء المغلي على الطاولة، ويقدِّم "نسكافه" (قهوة سريعة التحضير)، يقلِّبها طوال الوقت. وتحكي السيدة: "لقد اضطررنا إلى التخلّص من كلّ الأثاث تقريباً". فهي لم تكن مُعدّة جيِّداً لمدّة الطويلة من تحمّل الرطوبة. لقد تمّ توزيع المستوطنين السابقين على ثلاث وعشرين منطقة. ولم يتمكّن إلاّ الثلث منهم من تحقيق الاستقلالية. وكانت أكير منطقة تجمّع هي مستوطنة "نيتسان"، والتي تبعد بضعة كيلومترات عن مستوطنة "عين تسوريم"؛ حيث يعيشون تبعاً لحجم العائلة في كرافنات بمساحات 60 و90 و120 متراً مربعاً، وهي خليط من المساكن المتنقلة والمساكن الجاهزة. وما زالت أكثر من نسبة خمسين في المائة بدون عمل، أمّا البقية فتعمل بعض الوقت.
إنّ نسبة البطالة عالية للغاية، ويشير تقرير تمّ إعداده بتفويض من الحكومة عن وضع المستوطنين الذين تمّ إجلاؤهم، إلى أنّ "الحكومة أخفقت تماماً". وقد لخّص إلياهو ماتسا، وهو قاض سابق في المحكمة العليا، في ما يقلّ قليلاً عن خمسمائة صفحة، أنه بعد مرور خمس سنوات تضاعفت نسبة البطالة بين المستوطنين خمس عشرة مرّة عمّا كانت عليه قبل الانسحاب. وقد بدأ أقلّ من العُشر منهم ببناء منازل جديد. كما أشار التقرير إلى تحمّل المستوطنين جانب من المسؤولية عن الوضع البائس. فقد أرادت التجمّعات القديمة أن تعيش معاً بأيّ ثمن.
وتتحدّث توكر عن مشاكل شباب ومخدرات وتسرّب من التعليم. وكثيراً ما يحنّون إلى "غوش قطيف"، وهي أكبر تجمّع استيطاني في قطاع غزة، عندما كان العالم يسير على ما يُرام معهم. كما تحدّثت باشتياق عن الجيران الفلسطينيين، وعن المُفتي، وعن "الخيز والملح" الذي استقبلهم به، وعن العمّال الذين كانوا لديها وما زالت على اتصال هاتفي معهم.
وتقول: "إنّ الحكومة أرسلتنا إلى غزة حتى نبني الأرض". وعندما كانت في غزة للمرّة الأولى سنة 1967 لم ترَ هناك سوى الرمال، "فلم يكن هناك إنسان على مرمى البصر، بل ولم يكن هناك طائر". فقد كان كل شيء يدعو للجنون بالنسبة لتوكر المهاجرة من بروكلين وعمرها سبع سنوات. فالفلاحة، التي هربت مثلها مثل الآلاف من عالَم الاستهلاكي الأمريكي، وهاجرت برومانسية إلى الحياة البدائية، تضحك للحظة، ثم عبس وجهُها قائلة بمرارة: "الأمر ليس مجرّد انتقال، فكلّ ما قمنا ببنائه تهدّم".
غير خانعة
فالسيدة البالغة من العمر أربع وستين سنة لا تستسلم. فقد خطّطت مع أحد أبنائها لبناء صوبات زراعية جديدة. وقد اتفقت الأسر الأربعة والثمانون من مستوطنة "نيتسر حساني" مع الدولة على الحصول على قطعة أرض مناسبة جنوب شرق مدينة تل أبيب. وإذا ما سارت الأمور وفق المُخطّط؛ ستتمكّن توكر خلال عامين من الانتقال إلى منزلها الجديد في المنطقة الجديدة والتي سيُطلَق عليها مُجدّداً "نيتسر حساني". وتقول توكر: "سأفعل ذلك فقط لأنّ ابني اشترك معي، فكثيرون في مثل عمري ولا يمكنهم البدء وحدهم". ولا يعمل اليوم سوى خمسين شخصاً بالزراعة من واقع أربعمائة فلاح من "غوش قطيف".
ولو كان هناك سلام مقابل الانسحاب؛ لكان الأمر أكثر سهولة على غالبية المستوطنين للموافقة بأثر رجعي على قرار الحكومة. ولكن عكس السلام هو الذي حدث. فقد سحبت إسرائيل قوّاتها من جانب واحد دون أي تشاور مع منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة الحكم الذاتي، وتركت بذلك فراغاً في السلطة، وهو ما مكّن "حماس" خلال ستة أشهر من ملئه. وقد تجاوزت الأحداث التوقعات الأكثر تشاؤماً من قبل معسكر اليمين القومي.
وفي أواخر كانون الأول/ ديسمبر سنة 2008، عندما بدأت حرب غزة، أُطلقت أيضاً صواريخ على "نيتسان" و"عين تسوريم". واعتبر المستوطنون ذلك قمّة السخف: "لقد جاءت الصواريخ من المناطق التي هُجِّرنا منها". لم يكن أيّ بيت فيه ملجأ. ولم تتوفّر الحماية للمدارس المؤقتة ودور الحضانة.
إظهار الضعف
تدرك توكر دينامية الشرق الأوسط، وتقول: "إنّ إسرائيل تظاهرت بالضعف عندما انسحبت، وكان واضحاً أنّ المتشددين سيستغلّون ذلك" وقد وقع أول حادث دموي ضد المستوطنين في اليوم الذي قام فيه كلّ من (الرئيس المصري أنور) السادات، و(رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم) بيغن بتوقيع اتفاقية السلام.
ويخالج المُزارِعة النشطة تناقض عندما تذكر مقاومة المستوطنين، قائلة وتضيف بابتسامة: "لقد خسرنا ولكننا قاتلنا جيداً". فربّما لم يعتقد أيّ من المستوطنين بجدِّية أنه يمكن أن يتحقّق انتصار الجيش: "كما أننا لم نكن نريد ذلك أساساً، لأنك عندما تنتصر على جندي؛ فلن يكون هناك أحد بعد ذلك لحمايتك" ورغم ذلك فهي تؤمن بأنّ القتال القادم سيكون أصعب، عندما تقرِّر الحكومة إخلاء مستوطنات في الضفة الغربية.
إنّ التجربة المُحزنة للناس في مستوطنة "غوش قطيف" ستكون بمثابة الدرس للمستوطنين الذي سيهدِّدهم التهجير مستقبلاً. كما أنّ التطوّرات في غزة لا تدعم من يؤيِّدون حلاًّ عادلاً متمثلاً في حلّ الدولتين؛ بل تعطي مسوِّغات للمعارضين الإقليميين بحسب توكر: "أنه سيكون هناك قتال أفضل بكثير من الناس، ولكن حتى هذا قد تمّ".

كيف تحوّل انسحاب إسرائيل من غزة إلى كيد مرتدّ
الكاتب/ معدّ التقرير: هانز دانه Hans Dahne
ألمانيا صحيفة "دي فيلت" اليومية
Die Welt
الموقع الإلكتروني
9 آب/ أغسطس 2010
يرى هانز دانه في صحيفة "دي فيلت" التي تصدر في برلين والمنحاز تقليدياً للجانب الإسرائيلي، أنّ الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة منذ خمس سنوات تحوّل إلى "كيد مرتد على إسرائيل"، التي ما زالت "تعاني من مشكلات أمنية" مع القطاع بسبب تساقط الصواريخ منه على المستوطنات الجنوبية في فلسطين المحتلة، وكذلك تعاظم قوّة حركة "حماس" هناك، رغم أنّ الجانب الإسرائيلي لم يُرِد لذلك أن يحدث.
لم تفعل المقاطعة والعزلة والحصار والحرب أيّ شيء. ف"حماس" متحكِّمة في السرج بقوّة أكثر من أي وقت مضى. يسيطر الإسلاميّون على المعابر الحدودية مع إسرائيل ومصر. وهم يقرِّرون من يُسمَح له بالسفر ومن لا يُسمَح له بذلك. تسيطر "حماس" على أنفاق التهريب وعلى الاقتصاد. إنها تصبغ كلّ المجتمع بطابعها الإسلامي الصارم. كما أنّ "حماس" تسبح في المال رغم العقوبات، ثمّ إنّ مشروعاتها الداعمة لهيبتها ترسل رسالة مفادها أنه ما من أحد يمكنه إيذاءنا.
أمّا المنافسون المحتَملون فقد قامت "حماس" إمّا بإيقافهم أو تنحيتهم جانباً، حسبما ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في آخر تقرير لها حول مكافحة الإرهاب. هناك نحو خمسة عشر ألفاً من القوّات المقاتلة والعناصر الاستخباراتية يعملون ل"حماس". وخلال الزيارات إلى غزة يتحدّث الفلسطينيون من جميع الطبقات عن أنّ الأمن أصبح أفضل في الشارع. فحرب العصابات الشهيرة أصبحت من الماضي، ولكنّ الفلسطينيين يروون أيضاً كيف أنّ الشرطة وقوات الأمن التابعة ل"حماس" تراقب الأحياء وتتعامل على الفور مع الخصوم ومعكِّري الأجواء. "سنانا" هم الجواسيس الصغار الذين يجوبون المناطق على متن دراجات، ويُبقون بذلك الأعين والآذان مفتوحة.
يخشى المعارضون المعروفون ل"حماس" من طقوس العقاب: طلقات في الركبتين. بنظرة إلى الوراء؛ فقد حذّر الجميع بحقّ من العواقب السلبية للانسحاب الإسرائيلي من جانب واحد بعد ثمان وثلاثين سنة من الاحتلال. القيادة الفلسطينية المعتدلة آنذاك قبل خمس سنوات؛ لم تتمكّن من أن تنسب لنفسها نجاحاً في المفاوضات أو أن تكسب نقاط تعاطف بين السكان. بدلاً من ذلك برّرت "حماس" مواصلة إطلاق الصواريخ بأنه أنهك إسرائيل وأنها أُجبِرت على الانسحاب من غزة، وأنه لا يصلح مع إسرائيل إلاّ استخدام العنف. ولذا واصل المُسلّحون الفلسطينيون إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون على إسرائيل. وأرادوا بذلك أن يتمّ أيضاً "تحرير" الضفة الغربية والقدس الشرقية. وتمنّى كثير من الإسرائيليين أن يسود الهدوء الحدود الجنوبية بعد الانسحاب، ولكنّ ذلك لم يحدث؛ حيث اتسع نطاق الإحباط والغضب، وكان كلّ صاروخ مثل المياه فوق طاحونة اليمين السياسي في إسرائيل. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيّ انسحاب، بأنه يؤدِّي فقط إلى إقامة قاعدة جديدة للمنظمات الإرهابية أمام عتبة إسرائيل.
وتحت شعار "الاصلاح والتغيير" فازت "حماس" في الانتخابات البرلمانية في كانون الثاني/ يناير 2006. وقاطعت إسرائيل والغرب الإسلاميِّين المتشدِّدين، وطالبا حركة "حماس" بوجوب الاعتراف أوّلاً بحقّ إسرائيل في الوجود ونبذ العنف والإرهاب. ولم تفعل "حماس" أيّ شيء من ذلك. ثمّ كان الانقلاب في منتصف حزيران/ يونيو 2007 حيث سيطرت "حماس" على الحُكم في قطاع غزة. وفرضت إسرائيل حظراً وواصل المسلحون الفلسطينيون إطلاق آلاف الصواريخ كردّ على ذلك. ثم عاد الجيش الإسرائيلي إلى قطاع غزة في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2008، والممتدّ على مساحة ثلاثمائة وستين كيلومتراً مربعاً، أي أصغر من مدينة كولونيا، وبه ما لا يقل عن مليون ونصف مليون شخص، أي أكثر من سكان كولونيا بنسبة الثلث. ووفق المعطيات الفلسطينية؛ لقي أكثر من ألف وأربعمائة شخص مصرعهم خلال العملية العسكرية الإسرائيلية التي دامت ثلاثة أسابيع. وتتحدّث الأمم المتحدة عن تدمير وتضرّر ستين ألف منزل.
ولم تبدأ عملية إعادة الإعمار إلى اليوم بسبب العقوبات الإسرائيلية، ولكنّ "حماس" نجت أيضاً من الحرب. ومع ذلك يضرب الإحباط بجذور عميقة بين أولئك الفلسطينيين الذين لا يستفيدون سواء من "حماس" أو من العقوبات. ويقول أبو طارق، من مخيم الشاطئ: "إنّ نسبة ستين في المائة لن يذهبوا للانتخاب مرة أخرى، فقد سئموا من الأحزاب والساسة. وإذا ما جاءت طالبان إلى هنا ووعدت بالمواد الغذائية والعمل وإنهاء الحصار، فإنّ الناس سينتخبونها".

خمسة أسئلة عن قطاع غزة
الكاتبة/ معدّة التقرير: كارين لويْكفيلد Karin Leukefeld
ألمانيا صحيفة "يونغه فيلت" اليومية
Jugne Welt
الموقع الإلكتروني
9 آب/ أغسطس 2010
عن معاناة القطاع المحاصر وأهله من المواطنين الفلسطينيين؛ طرحت كارين لويْكفيلد في صحيفة "يونغه فيلت" الألمانية، خمسة تساؤلات بشأن الأوضاع المعيشية والاقتصادية ونواقص قطاع غزة، على ثلاثة أطراف منخرطة في الأحداث هناك، وهي الأمم المتحدة والجانب الإسرائيلي وحركة "حماس". وخرجت الإجابات من كل الأطراف مختلفة عن نظيراتها، بينما يبرز الادعاء الإسرائيلي بأنّ القطاع لا يشهد أزمة إنسانية وأنه حتى خلال الحرب على غزة في عامي 2008 و2009 لم يكن سكان القطاع يعيشون في ضائقة حياتية.
اضطُرّت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة إلى إيقاف تشغيلها في نهاية الأسبوع، ويهدِّدها التوقّف التام. والسبب هو عدم وجود وقود. فعلى ما يبدو أنه لم يتمّ تسديد الفواتير المستحقّة. الوزير المختص في قطاع غزة، جمال الدردساوي (الصحيح أنه مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع الكهرباء بمحافظات غزة)، تحدّث لوكالة "معاً" للأنباء عن "نمط دفع سيِّئ" لشركة "كهرباء غزة". اعتباراً من شهر أيلول/ سبتمبر سيتم استقطاع 25 في المائة من رواتب جميع العاملين والموظفين في قطاع غزة.
لقد صارت نوعية الحياة، والحالة الاقتصادية والغذائية في قطاع غزة، بائسة بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ أربع سنوات. وقد حدّدت الأمم المتحدة هذا التقييم للوضع، حيث سألت شبكتها المعلوماتية IRIN مؤخرا حركة "حماس" الإسلامية الحاكمة في المنطقة والحكومة الإسرائيلية وكذلك ممثلية الأمم المتحدة في المناطق الفلسطينية المحتلة، عن "خمسة أشياء" تمثل ضروريات لشعب قطاع غزة البالغ عددهم مليون ونصف مليون نسمة. وقد اختلفت الإجابات.
رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، فيليب لازاريني، يصف الوضع بأنه أزمة "من صُنع الناس". فالسكّان تعرّضوا لعقاب جماعي جراء الحصار؛ دون أن يكون لهم الحقّ في حرِّية التنقل. وإذا ما توقّفت الأمم المتحدة عن تقديم المساعدات؛ فإنّ عدد الجياع والذين يعانون من سوء التغذية سيتضاعف. فيجب أن يتمّ تأمين الغذاء والحماية من البطالة التي تبلغ نسبة أربعين في المائة والقضاء على الفقر. كما يجب أن يتمّ إنفاذ الحق في السكن، وكذلك إمدادات آمنة من الماء ورعاية المرضى. وأخيراً يجب أن يتمّ تأمين التأهيل والتعليم، وأن تكون هناك مدارس واستثمارات.
أمّا من جهة "حماس" فيصف وزير الصحة باسم نعيم حركة الناس والبضائع بأنها "حلّ كامل الأزمة في قطاع غزة". فمن خلال ذلك سيمكن إيجاد إمدادات ورعاية صحية شاملة، ويمكن إصلاح المستشفيات والمعدّات الطبية، وستتمّ معاودة الحصول على الأدوية. كما أنه يجب إصلاح محطّات المياه والصرف الصحي، وأن يتمّ ضمان إمداد المنازل بما يكفي من الوقود والكهرباء. فانقطاع الكهرباء اثنتي عشرة ساعة يومياً أصبح أمراً معتاد. أمّا التعليم الجيِّد فيضعه الوزير في المرتبة الخامسة على قائمة الأولويات.
المتحدث باسم المنسق الإسرائيلي لأنشطة الحكومة في المناطق الفلسطينية المحتلة، غاي إنبار، يؤكد أنه لا توجد أزمة إنسانية في قطاع غزة، كما أنه لم تكن هناك أزمة خلال الحرب في سنتيْ 2008 و2009. ويقول إنبار: "إنّ الأزمة الوحيدة في قطاع غزة هي الجندي الأسير غلعاد شاليط". ولم يُجب إنبار على سؤال ما إذا كان يمكن للسكان في قطاع غزة مواصلة العيش دون مساعدة الأمم المتحدة، مشيراً إلى أنّه إذا كانت هناك مشكلة فإنّ "حماس" هي المسؤولة.

الروك في رام الله
الكاتبة/ معدّة التقرير: سارة يوديت هوفمان Sarah Judith Hofmann
ألمانيا محطة التلفزة العامة "تست ديه إف"
ZDF
الموقع الإلكتروني
15 آب/ أغسطس 2010
جابت سارة يوديت هوفمان، حسب التقرير المنشور في الموقع الإلكتروني لمحطة التلفزة العامة الألمانية "تست دي إف"، وهي بمثابة القناة الثانية، شوارع مدن الضفة الغربية ليلاً لترصد الحياة الصاخبة التي أصبحت معلماً من معالم الضفة؛ حيث صارت مقصدا للباحثين عن الترفيه والمتعة بعيداً عن "القضية الفلسطينية" ومعاناتها. فرام الله صارت منافساً شديداً لمدينتي تل أبيب وبيروت في حياة الليل وما تحتويه من ملاهٍ وبارات. وهي الحياة التي ترى الكاتبة أنها أقرب إلى الحياة الأوروبية مقابل "الحياة الإسلامية المتشدِّدة" التي يعيشها سكان قطاع غزة.
رام الله تشرب وبيت لحم ترقص وجنين تشاهد السينما. فبينما تسري حالة من السكون على المشهد السياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ تشهد الضفة الغربية طفرة ثقافية.
مدينتان في الضفة الغربية لا يفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات، إلا أنه وحتى زمن قصير، كانت هناك عوالم تفصل بين رام الله وجنين. في صيف عام 2010 جمعهما شيء مشترك: فالحياة الثقافية فيهما شهدت ازدهاراً. فرام الله مدينة حيوية شابّة، وفيها ترتدي كثير من النساء سراويل الجينز الضيقة، بل يظهرن أكتافهن وظهورهن، بينما تنسدل شعورهن السوداء الطويلة.
حياة الليل كما في تل أبيب وبيروت
ذهبت ديانا الزيرة في نهاية الأسبوع للإفطار في مقهى "زامن"، وشربت الكابتشينو في أجواء عالمية غمرت المحلّ الذي تمّ افتتاحه حديثاً، وتتحدّث مع الأصدقاء. وتقول الشابة البالغة من العمر 23 عاماً: "في رام الله لدينا كلّ ما نحتاجه في الثقافة، من معارض وحفلات موسيقية ومطاعم، وقبل كلّ شيء الكثير من البارات الجميلة". فرام الله تزدهر وحياة الليل فيها تساوي مثيلتها في كلّ من بيروت وتل أبيب – وهي مدن الحفلات في الشرق الأوسط.
كلّ أسبوعين يتم افتتاح بار جديد في رام الله، وبيت أنيسة هو أحدثها، وديانا تذهب إلى هناك كثيراً. يوم الخميس يكون هناك دي جي ويرقص الناس بينما تتدفّق الخمور.
أمّا مدينة جنين فهي مختلفة تماماً. إنها بلدة صغيرة محافظة في شمال الضفة الغربية. غالبية النساء هنا يرتدين الحجاب ومعاطف سوداء طويلة في حرارة جوّ تبلغ اثنتين وأربعين درجة. ولكن سكان جنين يحتفلون أيضاً في نهاية الأسبوع بانتعاشها. فقد تمّت الدعوة إلى حضور الافتتاح الكبير لسينما جنين. إنها دار العرض السينمائي الوحيدة في المدينة.
أوّل سينما منذ 23 عاماً
كانت منى الستاتي 19 عاماً تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر. فالشابّة الفلسطينية تعمل متطوِّعة في مشروع دار السينما الذي تمّ بمبادرة من المخرج الألماني ماركوس فيتر. منذ اندلاع الانتفاضة الأولى في عام 1987، لم تعد هناك سينما في جنين، ثم جرى بمبادرة ألمانية قام بها فيتر ترميم أنقاض السينما في مركز المدينة، وتمّت إقامة مركز ثقافي. وتدير منى برنامج الحفل، وهي – في مدينة جنين الصارمة إسلامياً – واحدة من عدد قليل من الفتيات اللاتي سُمح لهن بالعمل في بناء السينما. وتهتمّ منى بأن تحضر كثير من الفتيات والنساء إلى السينما.
نساء مثل نانا عبيد، البالغة من العمر 26 عاماً، لم تشاهد فيلماً على شاشة عرض ضخمة من قبل، لأنه لم تكن توجد عروض ثقافية حتى وقت قريب في شمال الضفة الغربية. لم تكن هناك سينما أو عروض، ولكن فقط عدد من الحفلات الموسيقية الشعبية.
بيت لحم كمدينة ليلية جديدة
ولكن هناك شيء ما يحدث في الضفة الغربية. فقبل بضعة أشهر تمّ افتتاح دار عرض سينمائي في مدينة نابلس. فرام الله ليس فيها فقط حياة الليلي الحيوية؛ ولكن أيضا المزيد والمزيد من المعارض الفنية المعاصرة. حتى مدينة بيت لحم الصغيرة يُنظَر إليها الآن كمدينة ليلية. والآن جنين.
لقد كانت المدينة مشهورة حتى الآن بالعدد الكبير من الانتحاريين. أمّا الآن فلا توجد هنا دار عرض سينمائي وحسب؛ فمعهد غوته (مؤسسة ثقافية ألمانية) يدير معرضاً للفنّ المعاصر، ومكتبة، ويقدِّم دورات في اللغة. فالألمان يريدون خلق مكان يمنح رؤية للشبان الفلسطينيين، ليتمّ بذلك الخروج من مناخ العنف الذي ساد جنين خلال السنوات الماضية. في حديقة كبيرة وراء السينما يوجد حمام سباحة للأطفال، ومقهى، ويتمّ كل مساء نصب مقاعد فوق العشب لمشاهدة السينما.
الاحتفال بالأمل
في أول ليلة عرض احتشد هنا أربعمائة شخص. كما جاءت ديانا الزيرة من رام الله من باب الفضول لمعرفة ما يحدث في وطنها. وُلِدت ديانا بالقرب من جنين. وقفزت في نهاية الفيلم من فوق مقعدها، وظلّت تصفق وتهلِّل جنباً إلى جنب مع نصف سكان المدينة. إنهم لا يحتفلون بسينما جنين فقط؛ ولكنهم يحتفلون بالأمل الذي تجلبه الثقافة في الضفة الغربية.

الضفّة الغربية – مصنع الأحلام الصغير
الكاتب/ معدّ التقرير: هانز كريستيان روسلر Hans Christian Rößler
ألمانيا صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" اليومية
Frankfurter Allgemeine Zeitung
الموقع الإلكتروني
9 آب/ أغسطس 2010
في مدينة جنين الواقعة شمال الضفة الغربية؛ يرصد هانز كريستيان روسلر في تحقيقه المنشور في صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" المرموقة، جانباً من التغيّر في المدينة التي كانت تنتشر صور تأبين الشهداء في شوارعها، لتحلّ محلها إعلانات تبغ أوروبية. ويأتي هذا التغيير مع افتتاح دار عرض سينمائي في مركز المدينة بمبادرة ألمانية وتعاون فلسطيني وتطوّع شبابي. ويرى الكاتب أنّ هذا التغيّر هو "بذرة حلم لحياة أفضل داخل المدينة المنهكة من الحرب والعنف"، على حد تعبيره.
ما زالت ألعاب الأسلحة محببة، ولذا تعرضها معظم محلات لعب الأطفال في جنين. ألعاب بجميع الأحجام، وكذلك نماذج مُقلّدة من الكلاشينكوف الذي كان يحمله أحمد في يده عندما مات في سنة 2005، عندما اعتقد الجنود الإسرائيليون أنّ البندقية اللعبة حقيقية وأطلقوا النار على الطفل الفلسطيني الذي كان يبلغ من العمر اثني عشر عاماً. لقد كان يلعب لعبة الحرب في الشارع مع أصدقائه. لقد عاش أحمد أوقاتاً من السلم في بيته في مخيم اللاجئين في المدينة، في الضفة الغربية. ويقول إسماعيل الخطيب، والد أحمد اليوم: "كانت أمنيتي أن يجد أصدقاء أحمد مكاناً آمنا ليمكنهم أن يتعلّموا ويتمتعوا".
هذا المكان الذي حلم به الفلسطيني بعيون جادّة؛ تحوّل إلى دار عرض سينمائي قبالة محطة الحافلات. في وسط المدينة، التي كانت تُعدّ لسنوات معقلاً للإرهاب، وانطلق منها غالبية الانتحاريين إلى اسرائيل، وتمّ تدمير مخيمهم للاجئين على يد الجيش الإسرائيلي في سنة 2002 على نطاق واسع. وعلى شاشة العرض في سينما جنين يُفتتح مرة أخرى بصور أطفال لأحمد – وكذلك فيلم تسجيلي لستة أطفال إسرائيليين يدينون بحياتهم للفتى الفلسطيني. فقد قرّر الأب إسماعيل ألاّ يبحث عن الثأر أو التأجيج. لقد تبرّع بأعضاء طفله للأطفال الذين يعيشون في إسرائيل. "قلب جنين" هو اسم الفيلم الذي فاز في عام 2010 بجائزة الفيلم الألماني؛ حيث أخرج الفيلم الوثائقي المخرج الألماني ماركوس فيتر، مع زميل إسرائيلي في عام 2007. فقد أُعجب المخرج الألماني بالقرار الشجاع للأب، الذي لم يكن ملائماً بالمرة مع زمن الانتفاضة الثانية.
ملصقات "الشهداء" صارت مصفرّة – إعلان السجائر يضيء ألواناً
يعجب فيتر كثيراً بالأمور التي لا تتناسب مع بعضها في مدينة جنين. فقد حذّره إسرائيليون من أنّ السفر إلى هناك يمثل خطراً للغاية. ويتذكّر فيتر الذي كان يتنقل لأكثر من عامين بين توبينغن والضفة الغربية، ذلك قائلاً: "لقد وجدت عكس ذلك في جنين". وقد اكتشف مع إسماعيل أيضاً السينما المهجورة، والتي لم يعشعش فيها سوى الحمام على مدى عشرين عاماً. فقد خطّطا لإعادتها إلى الحياة مرة أخرى.
وبعد مرور عامين؛ حمل رجال الشرطة الفلسطينية أسلحة حقيقية لحماية رئيس الوزراء سلام فياض، الذي حضر لافتتاح السينما. وحالة الأوضاع هادئة للغاية في جنين، لدرجة أنّ الساسة يوصون بها كنموذج يُحتَذى لجميع الأراضي الفلسطينية. لقد اصفرّ لون الملصق الذي يحمل صورة آخر "شهيد"، وهو مقاتل ذو لحية قتله الإسرائيليون. وبجوار هذا الملصق إعلان بألوان زاهية يروِّج لشركة سجائر فرنسية تحت شعار "حرِّية إلى الأبد".
حضر الافتتاح بيانكا جاغر، الزوجة السابقة لمغني الرولينغ ستونز
يتمّ التدخين كثيراً في موقع بناء السينما، حيث تتخذ شاشة العرض مكانها في ليلة الافتتاح. دون جيش من المساعدين الألمان والفلسطينيين لم يكن ليتحقّق ذلك، والكثيرون منهم حديثو السن، أقل من العمر الذي كان سيكون فيه أحمد اليوم. لقد غطّى مبلغ يُقدّر بنحو مليون يورو من جملة التبرّعات، منها الثلث من وزارة الخارجية الألمانية، لبناء قاعة السينما ومسرح في الهواء الطلق، وكذلك عدد من الاستوديوهات ودار ضيافة. أمّا سعر تذكرة الدخول للسينما فتتكلّف ما يعادل 2 يورو. ولكن هذا لا يكفي من أجل تمويل العمل في السينما. ولذلك يجب أن تحصل "سينما جنين" على المال بطرق أخرى – عن طريق الإعلانات التجارية، الدبلجة والترجمة في استوديوهات خاصة بها كبداية.
ولكنّ هذا ليس هو التحدِّي الوحيد؛ حيث يقول فخري حمد، وهو القوّة الثالثة الفاعلة في إقامة السينما مع فيتر والخطيب: "لا نريد أن نُحدِث صدمة ثقافية هنا. فيجب أن يحدِّد الناس بأنفسهم ما يريدون، ما يعجبهم وما يريدون مشاهدته."
ولا يسيطر الإسلاميون على جنين كما هو الحال في غزة، ولكنّ السكان مسلمون. ولقد ابتهج المنظمون بحضور المفتي بالقبعة مخروطية الشكل مراسم الافتتاح، قبيل حضور بيانكا جاغر، الزوجة السابقة لمغني الرولينغ ستونز.
وينتمي المفتي، وهو أعلى سلطة دينية في المدينة، أيضاً إلى اللجنة التي تقرِّر نوعية الأفلام التي يتمّ عرضها. وهو يدعم السينما الجديدة تماماً مثل مجلس المدينة، رغم أنّ نصف أعضائه منتمون لحركة "حماس"، ولكنهم يتميّزون بسعة أفق أكثر من إخوتهم في غزة. ومع ذلك؛ فقد كان هناك عدم تأكّد من ترتيب جلوس الضيوف في القاعة، فهل يميل الضيوف إلى جلوس الرجال والنساء كلّ على حدة كما هو الحال في بعض الدول الإسلامية الأخرى؟ يضحك حمد قائلا: "لقد اندفعوا إلى القاعة وجلسوا إلى جوار بعضهم بعضاً."
في العام الماضي أحرق المتطرفون مدرسة الموسيقى
لقد كان هناك في العام الماضي مبرِّر للقلق، حيث ذهب السكان بعيداً في التعامل مع المشروعات الثقافية التي تجتذب الأجانب إلى مدينتهم في كثير من الأحيان. فقد أحرق المتطرِّفون مدرسة الموسيقى الوحيدة. كما تمّ فصل مديرة أوركسترا الأطفال في مخيم اللاجئين، بعد أن تجرّأت بالسماح للأطفال بالظهور في "يوم الأعمال الصالحة" أمام ناجين من المحرقة. وقد أخفقت محاولتان للاعتداء على "مسرح الحرية" في مخيم اللاجئين، وهو المسرح المهني الوحيد في شمال الضفة الغربية. لقد كانوا على ما يبدو معتدين أفراداً، لم يحسبوا أنهم لن يجدوا تعاطفاً من السكان في مدينة أصبحت مدينة ثقافية.
ويُحظَر على اليهود الإسرائيليين السفر إلى الأراضي الفلسطينية. ويُسمَح لعرب إسرائيل منذ أيّار/ مايو في نهاية العام الماضي بالسفر إلى جنين مرة أخرى. وتسافر مئات السيارات التي تحمل لوحات إسرائيلية صفراء كلّ عطلة نهاية أسبوع عبر الحدود. حيث تجتذبهم الأسعار المنخفضة والطعام الجيد. كما أنّ كثيراً من الزائرين هم من الأصدقاء والأقارب. وتقول سيدة من مدينة العفولة الإسرائيلية بحماس: "إنّ الوضع هنا مختلف عما هو في إسرائيل. فالناس أكثر ودّاً. ويشعر المرء أنه بين أهله".
وفي كلّ مكان تفتح محلات ومطاعم جديدة، ولكن ما زالت هناك نسبة خمسين في المائة متعطلين عن العمل.
في السينما الصيفية يشعر الناس كأنهم بعيدون
ما زالت الطرق عبر الحدود مغلقة في وجه معظم الناس من جنين، ولكن في حديقة السينما الصيفية يمكن للمرء أن يشعر أنه ذهب بعيداً. وللأطفال يوجد الشاطئ الصغير - وهو شريط من الرمل بالقرب من بركة صغيرة من مياه البحر والفسيفساء على الجدران. مرح أصواتهم يتردّد، بينما آباؤهم في الجوار يشاهدون "قلب جنين". لا يتجاوز بعضهم السنّ الذي توفي فيه أحمد. ومثله، لم تُتَح لهم في حياتهم القصيرة حتى الآن لرؤية البحر، الذي يبعد أربعين كيلومتراً من جنين.

نحن منتقدو إسرائيل الشرق الأوسط يتحوّل إلى منطقة لتسليط الأنظار
الكاتب/ معدّ التقرير: لارس رينسمان Lars Rensmann
ألمانيا صحيفة "تاغز تسايتونغ" اليومية
Tageszeitung
الموقع الإلكتروني
8 آب/ أغسطس 2010
يرى لارس رينسمان في مقاله المنشور في صحيفة "تاغز تسايتونغ" الألمانية، أنّ هناك "تطرّفاً في انتقاد إسرائيل، انتشرت معه صور معاداة السامية في الكتابات والرسوم الكاريكاتيرية". كما أنّ هناك بعض المنتقدين، حسب الكاتب، يكيلون الاتهامات للجانب الإسرائيلي، بينما يغضّون الطرف عن "الهتافات المعادية للسامية التي يطلقها الإسلاميّون" ليتقاربوا بذلك مع "اليمين التركي المتطرِّف"، أو ينغمسون في عبادة العنف، ويشعرون بذلك أنهم متفوِّقون أخلاقياً عندما يجلسون في القارب ذاته مع اليمين التركي المتطرِّف.
إذا ما بحث المرء عن كلمة "إسرائيل" في غوغل؛ فسيعثر مباشرة على الكثير، فالإنترنت مُكدّس برسوم الكاريكاتير التي تصوِّر اليهود على أنهم ذوو العقل المدبِّر أو عناكب معقوفي الأنف، الذين يريدون – انطلاقاً من إسرائيل – السيطرة على العالم أو استخدام دماء الأطفال الفلسطينيين في إعداد فطير عيد الفصح. كما أنه من المُحبّب أن يتمّ تصوير اليهود الإسرائيليين على أنهم نازيّون. تظهر هذه الصور من معاداة السامية في العديد من النماذج – بداية من الموقع الألماني الذي يصوِّر (رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق) إيهود أولمرت في زيّ النازي، وحتى ادعاء صحيفة "إلموندو" الأسبانية بأنّ إسرائيل أقدمت على "محرقة ثانية". والحديث عن "معسكر التركيز في غزة" خلق في بعض الأماكن في أوروبا نوعاً من الخطاب السائد. والأكثر عجباً أن بعضهم يرون أنّ هناك قمعاً لانتقاد إسرائيل.
في الواقع؛ لا توجد دولة تمّ تصويرها بصورة شيطانية يتساوى شعبها مع النازيين؛ مثل إسرائيل ومواطنيها اليهود. هذه المساواة التي تقلِّل من شأن المحرقة وتسخر من ضحاياها؛ صنفها الاتحاد الأوروبي على أنها من صور معاداة السامية، وذلك لسبب وجيه. والحقيقة أنّ مثل هذه التشبيهات والتي ليست "بالضرورة من صور معاداة السامية"، كما أشار أرمين بفال- تراوغبر صحيفة "تاغز تسايتونغ"، 16 تموز/ يوليو ، لا تقول شيئاً عن معناها المعادي لليهود.
تسمِّم مناخ الرأي
مثل هذه التشبيهات هي أمر بشع، ولكنها تسري على نطاق واسع. وقد أظهرت دراسة صادرة في عام 2004 عن معهد بيليفيلد لدراسات الصراع والعنف (معهد ألماني يتخذ من مدينة بيليفيلد مقرّاً له)، أنّ أكثر من ثلثي الألمان يعتقدون أنّ إسرائيل تشنّ "حرب إبادة" ضد الفلسطينيين. واتفقت نسبة 51.2 في المائة مع القول إنّ: "ما تفعله دولة إسرائيل مع الفلسطينيين اليوم، ليس – من حيث المبدأ- أكثر مما ارتكبه النازيون بحقّ اليهود في فترة الرايخ الثالث". ربما تبدو وسائل الإعلام المحلية (الألمانية) أكثر حذراً في المساواة بالنازيين، مما عليه الحال في أماكن أخرى. ولكن يبدو أنّ هناك تفاوتاً بين الرأي العام والرأي المنشور. وعندما يزعم دانيال باكس في صحيفة "تاغز تسايتونغ" بتاريخ 27 تموز/ يوليو أنّ: "كثيراً من الألمان مقصودون بالدعاية التي تشنّها الحكومة الإسرائيلية اليمينية"؛ فإنّ ذلك يُعَدّ قلباً للحقائق.
إنّ ممّا ينتمي للمفهوم الديمقراطي والعالمي؛ أن يتمّ توجيه الانتقاد للحكومات ومكافحة التمييز ضد الأقليات - سواء في ألمانيا أو في الشرق الأوسط. ولكن هل يوجد "انتقاد إسرائيل" يعادل "انتقاد مصر"؟ - مع ذلك فقد أصبح ذلك هاجساً لبعضهم، واتخذوا من "معاداة الصهيونية" وسيلة للتعبير عن معاداة السامية. وتحوّل الشرق الأوسط بالتالي إلى حالة إسقاط من معادي السامية والمتطرِّفين اليمينيين ومعادي الإمبريالية والإسلاميين. وتُعدّ المقارنات الكثيرة بالنازية أقوى مؤشِّر على ذلك. والتي تنعكس فيها الصورة التاريخية للجاني والضحية، والتي تنشأ عنها الرغبة بتخفيف عبء الذنب من مرحلة ما بعد النازية أو ما بعد الاستعمار، وفق شعار: انظروا، اليهود ليسوا أفضل حسب وجهة النظر الألمان أو قوى الاستعمار الأوروبية .
وعلى ذلك يتمّ تفسير حتى الأعمال الإرهابية التي تقوم بها حركة "حماس" ضد السكان المدنيين، "كردّ فعل" لا بدّ منه، على "إرهاب الدولة" الإسرائيلية. وتبعاً لمعاداة السامية فإنّ "اليهود" يتحمّلون بذلك المسؤولية. ولأنّ معاداة اليهود، وفق الرؤية المعادية للصهيونية، هي اليوم ليست سوى نتيجة لسياسة إسرائيل؛ فإنه يتمّ الزعم بأنّ مسلك دكتاتور أفريقي سبب للعنصرية، ووفق ذلك يمكن وصف هذا النمط من التفكير على أنه عنصري. وبالنظر إلى إسرائيل؛ فإنّ ذلك أمر شائع.
الاستشراق الملتوي
إنّ مقارنات مع الجرائم التي ارتُكبت في فترة الحكم النازي؛ تختلف على الدوام تقريباً، كما نعلم من البحوث المقارنة حول الإبادة الجماعية. وينطبق هذا أيضاً عندما تقارن حكومة بنيامين نتنياهو إيران بألمانيا النازية. ومن ذلك عندما تروِّج حركة "حماس" ل "بروتوكولات حكماء صهيون" المعادية للسامية بأنها "حقيقة حول السيطرة اليهودية على العالم"، وتنسخ رسوماً كاريكاتيرية من مجلة "المُهاجم" (مجلة Stürmer النازية التي كانت تصدر في النصف الأول من القرن العشرين) وتلقنها للأطفال، وأنهم يجب عليهم كشهداء "أن يقتلوا اليهود"، أو عندما يُنكر النظام الإيراني الهولوكوست ويدعو إلى تدمير الدولة اليهودية؛ فإنهما تضعان نفسيهما ضمن هذا التقليد. فالكراهية الإسلامية لليهود ليست أضغاث أحلام، ومن الضروري أن يتمّ تعيين مخاطرها. ويشير فصلها عن كونها مجرد ذريعة للهجوم على إيران؛ إلى أنّ تهديدات (الرئيس الإيراني محمود) أحمدي نجاد بإبادة إسرائيل ليست سوى خطابة.
يلعب بعض اليساريين باستمرار دور معاداة السامية الإسلامية. فهم يغضّون الطرف عندما يردِّد "شهداء" إسلاميون هتافات معادية للسامية أو ينغمسون في عبادة العنف، ويشعرون بذلك أنهم متفوِّقون أخلاقياً عندما يجلسون في القارب نفسه مع اليمين التركي المتطرِّف، والذي يتبنّى "الاستشراق الملتوي" كعلامة لمرحلة ما بعد الاستعمار، والذي يستغلّ معاناة الفلسطينيين. فمع إعادة إنتاج المفاهيم الرومانسية لشخصية "الهمجي النبيل"؛ يبدو الفلسطينيون جيِّدون في الأساس وبالأخص كضحايا، ولكن ليس طرفاً إيجابياً له أفكاره والمسؤولية الخاصّة به. هذه اللوحة السوداء والبيضاء تقودنا لا محالة إلى صورة مُشوّهة - ليس فقط من الإسرائيليين؛ وإنما أيضاً من المجتمع الفلسطيني بصراعاته الداخلية والتناقضات والجهات الفاعلة فيه. إن من يُعنَى بحقوق الفلسطينيين؛ يجب عليه أيضاً أن يذكر عمليات الإعدام، وحرمان النساء والشواذ من الحقوق عن طريق حركة "حماس" في غزة، أو التهميش المنهجي للفلسطينيين في لبنان.
النظرة الكوزموبوليتيكية (النظرة الاستيعابية الشاملة)
لم تخفِّف الصور الواضحة للعدوّ من حدة الصراع. إنّ نظرة كوزموبوليتيكية يجب أن تشتمل على وجهة نظر الآخر، ولكنها لا يجب أن تكون حلا وسطاً في ما يتعلّق بالحقوق الأساسية للإنسان ورفض معاداة السامية والعنصرية، وألاّ تكون لديها معايير مزدوجة. إنّ من يصنِّف إسرائيل – من جهة الدكتاتوريات اللاإنسانية في المنطقة – على أنها "أكبر تهديد في الشرق الأوسط"، ويقلِّل من شأن معاداة السامية والاستبداد لحركة "حماس" و"حزب الله" وأحمدي نجاد؛ لا يكون دليلاً جيداً، عندما يتعلّق الأمر بالسلام في الشرق الأوسط.

الأدب السياسي: عابرو الحدود - إسرائيليون وفلسطينيون
الكاتب/ معدّ التقرير: إيغال أفيدان Igal Avidan
ألمانيا صحيفة "تاغز شبيغل" اليومية
Der Tagesspiegel
الموقع الإلكتروني
9 آب/ أغسطس 2010
يستعرض إيغال أفيدان في صحيفة "تاغز شبيغل" الألمانية، كتاباً تحت عنوان "عابرو الحدود - إسرائيليون وفلسطينيون"، للكاتبة ألكسندرا سينفت، والتي كانت تعمل أستاذة مساعدة في العديد من الحلقات الدراسية التي كان يديرها عالم النفس الإسرائيلي الراحل دان بر أون. وتحاول الكاتبة استعراض وجهات النظر الفلسطينية والإسرائيلية بشأن التعايش والصراع بين طرفي المعادلة الفلسطينيين والإسرائيليين. غير أنّ الكاتبة تمكّنت من التواصل بصورة أقرب مع شخصياتها الإسرائيلية؛ أكثر من الشخصيات الفلسطينية التي كانت محطّ تحليل في كتابها. وقد شغلت المؤلفة من قبل مواقع عدّة، فقد عملت مستشارة شؤون الشرق الأوسط في الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، ومراقبة للأمم المتحدة في الضفة الغربية، ومتحدثة باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" في قطاع غزة.
من قلب صناعة السلام: تحاول ألكسندرا سينفت Alexandra Senfft أن تبعث حواراً بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
تجلس سيدة فلسطينية مُحجّبة على حجر جيري وتتطلّع من فوق التلّ إلى شاطئ تل أبيب. لا نرى وجهها، ولكنّ سلوكها ينمّ عن شوق وحزن. ربّما تكون في انتظار محاورها الإسرائيلي، لأنّ الصورة موجودة على غلاف كتاب ألكسندرا سينفت.
في الوقت الذي لا يوجد فيه تواصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولا يُسمح لليهود الإسرائيليين بدخول المناطق الفلسطينية، ولا يُسمَح إلاّ للقليل من الفلسطينيين بالعمل في إسرائيل – يبيِّن هذا الكتاب أنّ الحوار لا يزال ممكناً. وتشير سينفت إلى أنّ التجارب المؤلمة في كليْ الجانبين لا تُولِّد تلقائياً حالات العداء والكراهية، ويصعب أيضاً إدراك ضرورة التحاور مع الآخر وضرورة الاستماع إلى الآخرين وقصص حياتهم.
هذا النوع من التواصل بين الناس المنتمين إلى شعبين مُتعاديْن؛ تعلمته ألكسندرا زينفت بوصفها أستاذة مساعدة في العديد من الحلقات الدراسية التي كان يديرها عالم النفس الإسرائيلي الذي رحل مؤخرا دان بر أون. وهناك تعرّفت على عدد من الشخصيات البارزة في الكتاب. وبالتالي؛ فإنّ معظم اللقاءات التي أُجريت معهم ليست مقابلات عادية؛ بل زيارات لدى الأصدقاء، وخاصّة من الجانب الإسرائيلي؛ حيث أقامت عندهم المؤلفة أحياناً. ويفيد ذلك القارئ في ضمان حصوله على نظرة من حياة الشخص الذي تجرى معه المقابلة، يتم تركيزها وتكثيفها عن طريق اللقطات الرائعة للمصور الشهير يودا باسوف.
لم تتمكّن زينفت من الوصول إلى هذا القدر من التقارب مع غالبية الفلسطينيين، ويمثل خالد أبو عواد حالة استثنائية لذلك. إنه فقد تحت ضغط من الإسرائيليين، وظيفته كمدرِّس وأصبح عامل بساتين. وكان أخوه علي قد قُتل على يد مستوطن إسرائيلي، وقُتل أخوه يوسف بعد ذلك بأسبوع على يد جندي (إسرائيلي)، كما قُتل ابنه. ولذلك فقد أسّس مجموعة فلسطينية باسم "دائرة الآباء"، يكرِّس فيها الإسرائيليون والفلسطينيون الذين فقدوا ذويهم في هذا الصراع، جهودهم معاً من أجل السلام. أمّا رامي إلحنان، الشريك الإسرائيلي لأبي عواد، والذي تُعرَض قصته في الكتاب، فقد ابنته سمدار خلال عملية انتحارية، ومنذ ذلك الوقت انضمّ إلى المجموعة. وتقول زوجته نوريت إنّ كلاً من الجاني وابنتها ضحايا للاحتلال الإسرائيلي – وهذا رأي غير معتاد في إسرائيل.
ولا تقوم ألكسندرا سينفت بدور الراوي السلبيّ، بل إنها تتدخل في الحوارات وتجذب الأطراف إليه. كما أنها تجرؤ على استعرض شخصية ناقدة من "صناعة السلام" المدعومة دوليّاً. فالصحفية الإسرائيلية التي تعيش في رام الله عاميره هاس، ترى أنّ كلمة "حوار" ما هي إلا كلمة جوفاء، تماماً مثل "سلام" و"مصالحة". فهي ترى أنّ الحوار لا يكون حواراً إلاّ إذا كان له هدف إنهاء الاحتلال. ولا يوجد لعاميره هاس نظير فلسطيني، ولكنها من أجل ذلك تحكي عن والدتها، وهي أحد الناجين من معسكرات التركيز (النازية). فالمحرقة والدور النشط الذي لعبه جدّ سينفت – كسفير لهتلر إلى سلوفاكيا، وما تلا ذلك من الحكم عليه بالإعدام بتهمة ارتكاب جرائم حرب – هي أمور حاضرة دائماً، وتبدو أنها دفعت المؤلفة إلى الشروع منذ سنوات في تكوين صداقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين: سواء كمستشارة شؤون الشرق الأوسط في الكتلة البرلمانية لحزب الخضر أو كمراقب للأمم المتحدة في الضفة الغربية ومتحدثة باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في غزة.
لا يمكن لجميع الإسرائيليين والفلسطينيين في هذا الكتاب أن يديروا حواراً حقيقياً. يحاول الضابط الإسرائيلي السابق حنان أوهانا تكون مثل هذه المجموعة من المستوطنين. غير أنّ المُستوطَنة لم تتمّ تسميتها حتى يمكن حماية المشاركين من جيرانهم. لا يوجد مجال للحوار مع جيرانهم الفلسطينيين لأنّ حلم طرف بقيام دولة فلسطينية؛ هو بمثابة كابوس للطرف الآخر.
وتدعم المؤلفة علناً حلّ الدولتين: هنا إسرائيليّون وهناك فلسطينيّون، ولكنها تصف في كتابها العرب والبدو الإسرائيليين بأنهم فلسطينيون. وهذا يثير خلطاً، ويدعو للتساؤل: أين ينبغي وضع الحدود.
تتمكّن ألكسندرا سينفت من الإنصات والمراقبة بعناية ووعمل وصف دقيق وحسّاس للأشخاص المثيرين للاهتمام. بل إنها تحاول عرض الإسرائيليين والفلسطينيين معاً، وتدرك على الفور حالة التباين الكبير بين أولئك الذين لديهم دولة؛ وأولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال. فكتابها يقدِّم نظرة مُفصّلة على حياة بعض الإسرائيليين والفلسطينيين اللافتين للنظر، والذين جميعهم من عابري الحدود.
ولكن مع الأسف؛ تترك سينفت أحياناً طريقها الواضح من أجل أن تطرح تساؤلات على يهود وفلسطينيين في لندن حول حي الفقراء في مدينة بئر السبع اليهودية، أو عندما تستشهد بخبير شؤون الشرق الأوسط فولكر بيرتس في برلين، أو عرضها للعلاقة الصعبة لزوجة أحد شخصيات كتابها مع والدتها. كما أنّ أبطال كتابها ليس لهم تأثير على المجتمعات التي يعيشون فيها. لا يزال غالبية الإسرائيليين (ربما يقصد الكاتب غالبية الإسرائيليين والفلسطينيين) غرباء عن بعضهم بعضاً ويعتبرون أنفسهم أعداء، رغم القرب الشديد.
بيانات الكتاب بالألمانية:
Alexandra Senfft: Fremder Feind, so nah. Begegnungen mit Palästinensern und Israelis. Edition Körber-Stiftung, Hamburg 2009. 334 Seiten, 20 Euro.

قطاع غزة .. قتال دموي بين الإخوة في "حماس"
الكاتب/ معدّ التقرير: أولريكه بوتس Ulrike Putz
ألمانيا مجلة "دير شبيغل" الأسبوعية
Der Spiegel
الموقع الإلكتروني
9 آب/ أغسطس 2010
تحاول أولريكه بوتس من خلال تحقيقها المنشور في مجلة "دير شبيغل" الألمانية، أن تُظهر حركة "حماس" على أنها حزب سياسي إسلامي متشدِّد لا يقبل بأي حال أن يكون هناك منتقدون له على الساحة، حتى وإن كانوا من داخل صفوف الحركة، بل ومن قادتها البارزين. ولا تتورّع الحركة، حسب ادعاء الكاتبة، عن اللجوء إلى تصفية هؤلاء المعارضين إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.
كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحاً يوم 16 تموز/ يوليو، عندما دقّ جرس الهاتف عند أسرة ورشارة. على الطرف الآخر من الخطّ كان أحد المسؤولين في حركة "حماس" الإسلامية المتشدِّدة التي تحكم في قطاع غزة منذ ثلاث سنوات. وعن ذلك يقول محمد ورشارة: "لقد أخبرني أنّ جثة ابني تمّ العثور عليها في أحد الأنفاق على الحدود مع مصر."
حتى هذه اللحظة كان ابنه منير، وهو قائد في كتائب عز الدين القسام التابعة ل"حماس"، في عداد المفقودين منذ شهر. ويحكي والده في حجرة المعيشة في بيته في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة: "لقد قيل لي إنّ منير قُتل على أيدي المصريين، ولكن ذلك غير صحيح، فمنير وُجد في جهتنا من النفق، والمصريون لا يمكنهم الوصول إلى هناك. لا بد وأنّ أحداً من حماس قد قام بقتله".
يعتقد الأب أنه يعرف لماذا تمّ اختطاف ابنه الذي كان يبلغ من العمر 36 عاماً، ولماذا كان عليه أن يموت؛ حيث يقول: "في الأسابيع التي سبقت اختفاءه اصطدم مع الكبار المحليين؛ حيث اتهمهم بالفساد. فقد قاموا بتوزيع أموال المساعدات على المُقرّبين منهم وليس على المحتاجين فعليّاً". وبكى الأب البالغ من العمر 63 عاماً، عندما أظهر ملصق تأبين لابنه، قائلا: "لقد قتله رجال حماس، ثم يسيرون في جنازته."
ولكن يبدو أنه لن يتمّ الكشف أبداً عمّا إذا كان منير ورشارة قد قُتل بالفعل على أيدي أتباع حركة "حماس". ولكن وفاته تُعدّ واحدة من كثير من الحالات التي لم تتّضح ملابساتها، والتي تُتهم فيها "حماس" بتصفية المعارضين لها في صفوفها. ويتحدّث الحقوقيون في قطاع غزة، والذين يرغبون بعدم الكشف عن هويتهم بسبب حساسية الموضوع، عن عشرات العمليات التي تمّ فيها طرح مثل هذه المزاعم؛ حيث يقولون: "من المستحيل تقريباً إثبات ذلك، لأنّ حماس تغطي على مثل هذه الحالات".
ويبدو أنّ حكام قطاع غزة لا يستثنون الأعضاء البارزين في صفوف "حماس" من عمليات التطهير، فمنير ورشارة على سبيل المثال كان أحد أهم من يقومون بشراء السلاح في المنظمة – وهذه حقيقة يردِّدها أبوه بكلّ فخر ولكن أيضاً بغضب، فهو يقول: "لقد جاب العالم من أجلهم. كان في إيران وسورية وأيرلندا. وقتلوه لأنه كان يريد حماية تعاليم حركة حماس الحقيقية من التزييف."
المؤيِّدون ينسلّون بكثافة
وكدليل على ضلوع ابنه في ذلك قدّم أبوه محمد صورة يبدو فيها هو وزوجته في غرفة المعيشة مع الأسلحة التي جلبها ابنهما ل"حماس": قذائف مضادة للدبابات، وبنادق آلية، وقنابل يدوية. يتكلّم الأب، رغم أنه تمّ تهديده من قبل حركة "حماس" إذا ما قصّ روايته على الملأ. ويقول الأب: "أريد أن يعرف العالم ماذا تفعل حماس برجالها الذين يحاولون التحدّث".
ويبدو أنّ هناك سبباً لقيام "حماس" باستخدام العنف الوحشي من أجل إسكات المنتقدين بين صفوفها، فبعد ثلاث سنوات من تولِّي الإسلاميين المتشددين السلطة في قطاع غزة، انسلّ المؤيِّديون لها بكثافة. فخيبة الأمل موجودة على حدّ سواء بين المعتدلين والمتشدِّدين من أعضاء المنظمة، وينتشر السخط بين اليمين واليسار.
وتتكوّن قيادة "حماس" الحالية من المحاربين القدماء الذين فرضوا منذ وصولهم إلى السلطة في قطاع غزة منذ ثلاث سنوات، نوعاً من السياسة الواقعية. وقد كان كلّ من رئيس حكومة "حماس" إسماعيل هنية، ووزير الخارجية محمود الزهار، والمقيم في المنفى في سورية خالد مشعل، من المتشدِّدين السابقين، وهم يؤيِّدون الآن الهدنة مع إسرائيل وإجراء مفاوضات مع حركة "فتح" المعادية لهم. ويرى بعض من أنصار "حماس" أنّ ذلك يمثِّل كثيراً من التنازلات، بينما يرغب آخرون بمزيد من الانفتاح مُجدّداً. والقسم الأخير، ومنهم منير ورشارة يرون أنّ الحركة أصبحت فاسدة.
يقول سيِّد أبو مسامح، وهو أحد السبعة المؤسِّسين لحركة "حماس" وناقد معتدل للحركة التي ينتمي إليها: "إنّ الحزب انقسم إلى صقور وحمائم". حيث يقول الرجل البالغ من العمر 63 عاماً، والذي ما زال من قيادات الحزب، إنّ كثيرين من أبناء جيله نشؤوا مع يهود. وكثير من هؤلاء الكبار يؤمنون بالتعايش السلمي وليس بقوة الصواريخ والعمليات الانتحارية. ولكنه يقول: "لكن الحزب يتأثّر اليوم بالمتشدِّدين الشباب، وهم يشكِّلون غالبية الأعضاء، ويقول القادة أمامهم ما يريدون سماعه".
ووفق أبو مسامح فإنّ "حماس" تحاول تحقيق أهدافها سياسياً على وجه الحصر، ويقول من حديقته المُظلّلة بأشجار الرمان والخوخ: "إنني ضد العنف". ولكنّ الرجل الذي يعمل مدرِّساً لا يريد الانفصال عن منظمته التي أسّسها؛ حيث يقول: "أريد أن يتمّ التغيير في الحركة من الداخل. فنحن لا نستطيع أن نترك المجال أمام المتشدِّدين". غير أنّ عدداً من رفقاء الحركة يريدون الانفصال أو أنهم بالفعل هاجروا داخلياً.
أحد المتشددين الذين يرون في الأب المؤسِّس للحركة تهديدا، يقدِّم نفسه باسمه الحركي فقط: "أبو مصعب"، ومن أجل لقاء الشاب البالغ من العمر 25 عاماً في ساحة المنزل الداخلية المؤّمنة بالكثير من المسلحين، يجب أن تضع الزائرات من النساء الحجاب. وتُستثنى النساء الأجنبيات الزائرات من ذلك في بقية عقوبات غزة.
"أبو مصعب" عضو في كتائب عز الدين القسام منذ خمس سنوات؛ حيث يدرس نهاراً الرياضيات وفي المساء يقاتل مع ميليشات "حماس" ضد إسرائيل. ويقول الشاب بمراراة: "أو على الأصح: كنت أقاتل". فأبو مصعب، الذي صار مسؤولاً في الكتائب، يرى أنه من الخيانة أن يحظر قادة غزة إطلاق الصواريخ على أهداف إسرائيلية، قائلاً: "إنّ القيادة تحاول مداراة الغرب، ولذلك بدأ الناس في كراهيتها"، ف"حماس" لم تعد متشدِّدة بما يكفي حسب العضو الشاب؛ حيث "بدلاً من أن يطبِّقوا الشريعة، يتقاربون مع الولايات المتحدة وأوروبا".
في مدينته جباليا في شمال قطاع غزة؛ غادر - وفقاً لأبو مصعب - نحو 15 في المائة من الأعضاء الشباب "حماس" بسبب مهادنتها، إلى الجماعات السلفية. وهو أيضاً يرغب بذلك، غير أنه ما زال عضواً براتب في الحزب، حيث يقول: "إنني أحصل على راتبي من حماس، ولولا ذلك لكنت غادرت منذ زمن طويل".
ربّما يلعب الخوف أيضاً دوراً في عدم رغبته بإعادة توجيه نفسه سياسياً. وذات مرة استعاد رجال "حماس" أبو مصعب؛ حيث لمسوا اتجاهاته المتطرِّفة وقاموا بتحذيره؛ حيث يقول: "لقد قاموا بحبسنا بضعة أيام. وتمّ تعذيب آخرين. وقد لقنني شيخ أنّ حماس تمثِّل الإسلام الصحيح". لقد تلقّى تهديدات هو ومتمرِّدون آخرون؛ إما أن يتوقفوا عن توجيه الانتقاد لحركة "حماس"، أو أنّ الحركة ستنشر أنهم عملاء لإسرائيل، وهو ما يعني حكم الإعدام في قطاع غزة.

إسرائيل غير معنية باستقرار لبنان
الكاتب/ معدّ التقرير: فريتس إيدلينغر Fritz Edlinger
الأمين العام لجمعية العلاقات النمساوية العربية
النمسا النشرة الإلكترونية ل"جمعية العلاقات النمساوية العربية"
GÖAB Newsletter
10 آب/ أغسطس 2010
التوتر القائم على الحدود اللبنانية الفلسطينية كان محور مقال فريتس إيدلينغر، رئيس جمعية العلاقات النمساوية العربية، في النشرة الإلكترونية الصادرة عن الجمعية. ويرى إيدلنغر في مقاله أنّ الجانب الإسرائيلي غير معنيّ بحدوث استقرار داخلي في لبنان، مستشهداً بمحطات تاريخية يثبت من خلالها أنّ القيادات الإسرائيلية على مرّ العهود نفذت مخططات تصبّ في هذا الاتجاه، لتضمن جبهة مؤيدة لها داخل الدولة المتاخمة لها، وخاصة في الجنوب اللبناني.
الحادث الأخير على الحدود اللبنانية الإسرائيلية (الاشتباك الدامي الذي أعقب عملية اقتلاع شجرة) أعاد التذكير بمسألة الهدوء النسبيّ القائم منذ بضع سنوات في ما يتعلّق بالوضع الذي لم يُحلّ على هذه الجبهة من صراع الشرق الأوسط.
ما تزال آثار العدوان الإسرائيلي في صيف عام 2006 لم يتمّ محوها بالكامل حيث ما زالت هناك عشرات الآلاف من القنابل العنقودية غير المنفجرة تهدّد الحياة في جنوب لبنان بخطورة بالغة ، كما ما زال احتلال مزاع شبعا اللبنانية وقرية الغجر قائماً على حاله، ناهيك عن الانتهاكات التي تحدث بصورة يومية تقريباً للمجال الجوي اللبناني من قبل سلاح الجو الإسرائيلي والمناورات التي تجريها وحدة النخبة الإسرائيلية "غولاني" لتنفيذ هجوم جديد على لبنان.
وإزاء هذه الخلفية؛ فإنّ هذا الحادث الأخير يصعب تفسيره على أنه نتيجة سوء تفاهم بين إسرائيل والجيش اللبناني وقوات (الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان) اليونيفيل. فهناك دلائل كثيرة تشير إلى أنّ إسرائيل لديها اهتمام شديد بإبقاء هذه المشكلة ساخنة. وتعليق الصحفي الشهير في صحيفة "هآرتس" غدعون ليفي تحت عنوان "مسموح لنا فقط"؛ يذكر عدداً من الحجج القاطعة.
لقد ساءت العلاقة بين إسرائيل ولبنان بشدّة منذ زمن لم تكن فيه الدولتان قد ظهرتا للوجود بعد. وفي هذا الإطار أقدِّم سرداً موجزا لتاريخ الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات:
هناك حقيقة تاريخية موثقة تماما مفادها أنّ إسرائيل غير معنيّة بحدوث استقرار داخلي دائم في لبنان. والاستشهاد الشهير عن مؤسس دولة إسرائيل دافيد بن غوريون في هذا الإطار يعود إلى عام 1937، عندما قبل المؤتمر الصهيوني العالمي في زيوريخ بحكومة مارونية تحكم لبنان، تكون في تحالف مع الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها. (مقتبس من نور مصالحة: طرد الفلسطينيين، ص 88). في بداية حرب الاستقلال الإسرائيلية في بدايات عام 1948 عرض بن غوريون أهدافه في لبنان على النحو التالي: "الدور الإسلامي في لبنان مصطنع ويمكن تقويضه بسهولة. إنّ دولة مسيحية يجب أن تقوم وأن تكون حدودها الجنوبية نهر الليطاني. وسنقوم بتشكيل تحالف معها". (مقتبس من توم سيغيف : 1949 ، الإسرائيليون الأوائل، ص 19). لذلك اتبعت إسرائيل منذ التأسيس هدفين في ما يتعلّق بلبنان: وضع نظام ماروني صديق لإسرائيل، ودمج جنوب لبنان الغنيّ بالماء ضمن الأراضي الإسرائيلية. إنّ موشيه ديان، الذي شغل في الخمسينيات منصب رئيس الأركان الإسرائيلي؛ قد جسّد أفكار بن غوريون على النحو التالي: "وفق رؤيته (ديان)، فإنّ كل ما نحتاج عمله هو العثور على ضابط مسيحي لبناني، وربّما لا تزيد رتبته العسكرية على نقيب، ونكسبه أو نشتريه بالمال، حتى يتسنّى لنا أن يعلن نفسه منقذاً للسكان الموارنة. ومن ثمّ يدخل الجيش الإسرائيلي لبنان ويحتلّ المنطقة ويقرّ حكومة مسيحية تشكل حليفاً لإسرائيل". (مقتبس من بيني موريس: الضحايا الصالحون ، ص 497).
ولأنّ ذلك ليس من أوهام نظرية المؤامرة، فقد أثبت خليفة بن غوريون وموشيه ديان، أريئيل شارون ذلك بإقامة "منطقة أمنية" في جنوب لبنان في عام 1979، وكذلك القيام بعملية غزو واسع للبنان في عام 1982، وهو ما أدّى في النهاية إلى احتلال جنوب لبنان، والذي استمر حتى عام 2000. وفكرة ديّان بإقامة ميليشيا مارونية تتبع إسرائيل تمّ تحقيقها في الموعد المحدّد، عندما قام العماد في الجيش اللبناني سعد حداد بتأسيس "جيش لبنان الجنوبي"، والذي أدار الجنوب اللبناني يداً بيد مع الجيش الإسرائيلي حتى شهر أيّار/ مايو 2000. وبعد الانسحاب النهائي للإسرائيليين من لبنان انهارت الميليشيا في غضون فترة زمنية قصيرة للغاية، وحصل قادتها الكبار على "اللجوء السياسي" في إسرائيل.
وممّا يدل أيضاً على أنّ إسرائيل حتى بعد انسحابها في عام 2000 وعقب الحرب التي لم تنجح في عام 2006، لم تتخلّ عن مخططاتها بعيدة المدى من أجل زعزعة استقرار لبنان؛ هو عمليات الاعتقال الكثيرة لجواسيس إسرائيليين على يد السلطات اللبنانية خلال الإثني عشر شهراً المنصرمة. وعملية تسليح الجيش اللبناني، وبالأخصّ الخطورة التي يتعرّض لها الذين يريدون حماية الحدود فعلياً، قد دقّت أجراس الخطر في إسرائيل.
وأخيراً؛ هناك عدد من الحقائق في ما يخصّ "حزب الله": كما ذُكر آنفا، فإنه "الطفل" الناتج عن العدوان الإسرائيلي في سنتيْ 1979 و1982. إنّ حقّ لبنان والشعب اللبناني في مقاومة الهجمات المستمرّة التي تشنّها إسرائيل على مدى عقود، هو مشروع تماماً في رأيي، وبموجب القانون الدولي. وهذا لا ينسحب من المؤكد على الهجمات الإرهابية على المناطق الإسرائيلية؛ فهي مُدانة. والترتيب الزمني للأحداث يبرهن بوضوح شديد العلاقة السببية للأحداث. حتى ولو كان "حزب الله" قد ذهب أبعد من اللازم في بعض الأحيان، وارتكب جرائم؛ فإنّ المسؤولية الأولى عن الصراع تقع على عاتق إسرائيل بوضوح كامل. وفي هذه المناسبة؛ يُشار أيضاً إلى أنّ "حزب الله" ليس مجرد حركة مقاومة مُسلّحة؛ ولكنه أيضاً منظمة نشطة للغاية على المستويين الاجتماعي والإنساني، ومنذ انتخابات العام الماضي يُعدّ واحداً من الأحزاب الرئيسة في الحكومة اللبنانية.
وتصنيفه كمنظمة إرهابية – كما فعلت الحكومة الأمريكية على سبيل المثال - واستبعاده من أيّ حوار سياسي؛ يأتي بنتائج عكسية ويعود بالنفع على مصالح إسرائيل.
© الحقوق محفوظة 2009 2010
Ref.: Ger/Ar/2010/Gen/031


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.