ترامب: لا يزال أمامنا عمل لقمع قدرات إيران الهجومية    بزشكيان: إنهاء العدوان ضد إيران هو الحل الوحيد    منظمة التعاون الإسلامي تدين المصادقة على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بسجون الاحتلال    نشرة متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..أمطار والطقس بارد..#خبر_عاجل    بخصوص العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر.. الداخلية توضح اجراءات التعامل معها    تم ايقافه بجهة حلق الوادي.. بطاقة ايداع بالسجن ضد مروج مخدرات مصنف خطير    بعد الحكم بالبراءة: القصة الكاملة لقضية فريال يوسف ونادية الجندي    تنميل اليدين ليلاً... متى يكون طبيعياً ومتى يشير إلى مرض؟    النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين تدعو الى حوار وطني حول مستقبل المركز الوطني للسينما والصورة    突尼斯驻北京大使馆举办经济推广活动,    سفارة تونس ببيكين تنظم تظاهرة اقتصادية بمناسبة وصول 50 طنا من صادرات زيت الزيتون التونسي    أكثر من 130 ألف خريج تعليم عالٍ مسجلون بمكاتب التشغيل وغالبيتهم من دفعات ما قبل 2021    هل كوب الشاي اليومي يهدد صحتك بالبلاستيك؟ حقائق صادمة    جندوبة: تعليق الدروس بمعتمدية عين دراهم توقيّا من تداعيات التقلّبات المناخيّة    حجّ 2026: تونس تسوغت ثلاثة فنادق قريبة من الحرم المكّي و 5 فنادق في المدينة المنوّرة في الصفّ الأوّل    تسجيل أول موجة تضخم في منطقة اليورو أثارتها حرب إيران    عاجل : منع الاحتفالات المرتبطة باختبارات'' الباك سبور'' لتلاميذ البكالوريا في قابس    وصول دفعة ثالثة تضم 9 تونسيين إلى تونس بعد إجلائهم من لبنان    مؤتمر مصر الدولي للطاقة: وزيرة الصناعة تدعو الى بناء شراكات إقليمية ودولية    المؤتمر 43 لطب العيون من 9 إلى 11 أفريل 2026، بالعاصمة    الرابطة الثانية: لطفي الجبالي يخلف هشام السويسي في تدريب اتحاد تطاوين    هل يفسد فنجان القهوة الصباحي مفعول فيتاميناتك؟ إليك التفاصيل    وزير التربية يتابع مشاريع صيانة وتهيئة المؤسسات التعليمية بسوسة    صاحب منزل مهجور في جربة: فيديوهات "تيك توك" و"إنستغرام" وراء قرار الهدم    عاجل : سفارة أمريكا للتوانسة ...ردوا بالكم من التحيل و هذا شنوا لازم تعملوا    البنك المركزي التونسي يُبقي نسبة الفائدة الرئيسية عند 7 بالمائة    أكثر من 60 ميدالية.. تونس تتألّق دوليًا في مسابقة زيت الزيتون الأفروآسيوية    عاجل-يهمّك تعرّف: هذه الأيام البيض لشوال...أحسن وقت للصيام    عاجل: فلكياً هذا موعد ''العيد الكبير''    بين التعزيزات والغيابات .. مستقبل سليمان يواجه التحدي خارج الديار    الرابطة الأولى: الترجي الرياضي يتحمّل نصف الكلفة .. ودعم عملي لمبادرة النجم الساحلي    تونس: 95 مليون دينار لتمويل الشركات الأهلية لدعم الاقتصاد الاجتماعي    عاجل: تعليق الدروس بهذه المنطقة بسبب الوضع الجوّي    المهدية: إيقاف 9 أنفار من بينهم إطار سام بالوظيفة العمومية وعوني أمن    رئيسة المكسيك تعد بافتتاح "تاريخي" لمونديال 2026 في ملعب "أزتيكا"    بعد هايتي... "نسور قرطاج" أمام تحدٍ كندي من العيار الثقيل    عاجل/ جرحى وأضرار في منازل اثر سقوط شظايا اعتراض طائرة مسيرة في الخرج بالسعودية..    يُعتبر الأرخص في ولاية سوسة: أسوام سوق العراوة اليوم    مراعي ومزارع تحت الخطر: وزارة الفلاحة تطلق نداء عاجل    عاجل/ تزامنا مع التقلبات الجوية: مرصد سلامة المرور يحذر مستعملي الطريق..    عاجل/ متابعة لاستهداف ناقلة نفط كويتية في دبي..هذه آخر التطورات..    صادم: القبض على حفيد متّهم بقتل جدته    عاجل : بشرى لمستعملي الطريق... اكتمال مشروع المدخل الجنوبي قبل موفى 2026"    تفتيش أمني مفاجئ للاعبي بلجيكا بعد فوز عريض على أمريكا    توننداكس يقفل معاملات الإثنين متراجعا بنسبة 0،18 بالمائة    الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ 17 عاما    أنشيلوتي يؤكد: دانيلو ضمن قائمة البرازيل في مونديال 2026    مجلس وزاري يتخذ قرارات لإصلاح منظومات الصحة والضمان الاجتماعي والتغطية الصحية    صفاقس.. اصطدام قطار نقل بضائع بسيارة    قفصة ...تنظيم الملتقى الجهوي للموسيقى بالوسط المدرسي    حضور تونسي لافت في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    تونس مسارح العالم: العرض الاسباني "كولوتشي باو" يستحضر مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مضمون النوادر والأمثال في تونس ما بعد رحيل فرنسا إلى اليوم . بقلم / الناصر الهاني
نشر في الحوار نت يوم 10 - 04 - 2011

مضمون النوادر والأمثال في تونس ما بعد رحيل فرنسا إلى اليوم
بقلم / الناصر الهاني
بدءا ، يجب أن ألاحظ بعض الملاحظات حتى لا يفهم النص فهما خاطئا ، وحتى لا يرتبط بما يجدُّ من أحداث هذه الأيام وخصوصا أحداث باب الجزيرة وأعلن من البداية أن هذه الورقة بدأتها منذ تركيبة حكومة الغنوشي المؤقتة الثانية وعندما طفا الحديث عن " البَلْدِيَّة " وغيرهم من خلال تركيبة الحكومة ساعتها ويجب أن نبين أن كل مدينة عريقة تعامل الريف بالثنائية السابقة الذكر. علما وأن هذا الأمر مطروح عندي منذ زمن الجامعة، والذين يعرفونني كم تناقشوا معي بخصوص هذه المسألة لأنني أعتبرها سببا في ركود مجالات كثيرة لدينا ، وسببا في عرج اقتصادنا . ولعل الأمر تجسّد فعليا لدى البايات ليواصله بورقيبة بأمانة تامة ويتخصص فيه بن علي وجوقته . ولعل الوحيد الذي أراد أن يخرج منه هو محمد مزالي بعد الأحداث التي جدت بين جلاص وبعض السواحلية حينما غنى إسماعيل الحطاب عن الهندي "التين الشوكي" بسخرية مريرة . وفهمت ساعتها أن الرسالة موجهة لجلاص دون غيرهم .
ثم إنني لا أتبنى أية رؤية جهوية ، وأنبذ من يتخذها سببا لوجوده ، أو فزاعة لتهديد وحدة وطننا لا قدر. الله فتونس أرض واحدة وشعب واحد رغم أن بعض السياسيين يركبون هذا التيار . ولعل عبد العزيز بن ضياء أهمهم إن لم يكن منظر هذا الخط حديثا وما تولية عمر شاشية على القيروان في زمن التصفية البورقيبية للمناوئين إلا دليل . ومن عايش تلك الفترة يعلم عما أتحدث. إذ ليس الخبر كالعيان . هذا بخصوص ما يحف بالورقة من الخارج .
أما ما يتعلق بمضمونها ومتنها : أجزم منذ البدء لا يمكن أن تكون هذه الورقة أكاديمية . لأنها لن تهتم إلا بالمعنى ، ولن تعرّج على المبنى للنوادر والأمثال ، ولن تلتزم الخطية الزمنية ، والتتبع الدقيق لنمطي المنطوق ، ولن تكون لسانية بالضرورة ، لأنها لا تبحث في أسلوبية القول وبنيته ، بل الهدف منها مواءمة مضمونهما مع السياق الحياتي العام ، وخصوصا علاقة المضموني بالسياسة ومن يؤثر في الثاني؟ وهل من علاقة بين مضمونهما وتوجهات تونس الاقتصادية خلال نصف قرن ؟ وما علاقة النادرة والمثل بشخص الرئيس في المرحلتن ؟ وإلى من توجهت سهام التندر، ومن كان مستهدفا بالتحقير في الأمثال؟
وقبل البدء ، لِم الربط بين الإثنين دون غيرهما ؟ ربطت بينهما لأنني أزعم أن النادرة كانت بنت المدينة بامتياز. في حين كان المثل يغطي أرجاء الأرياف ، ومازال عمله إلى اليوم متواصلا رغم أن هذه الأنماط برمتها في خطر حقيقي ، بل لعل الأجيال الجديدة تحاربها وتعتبرها لبوسا قديما لا يجب أن يتواصل ، وأصبحت هي ذاتها موضع تندّر واستهزاء .
وقبل هذه المرحلة لم تستقر النادرة بالريف إلا بعد شيوع التمدرس . وهذا ناتج بسبب عقلية أصّل فيها الأجداد أن الهزل علامة على الميوعة ، وساهم المناخ والجغرافيا في كيمياء العبوس والاكفهرار. في حين كانت النادرة بنتا طبيعية للمدينة لوجود الحانات والمسارح والصحف وخصوصا الساخرة و اللاهية منها . ولا يمكن أن نتغافل عن دور جماعة تحت السور، وجريدة الفجر الناطقة بحال الساخرين المتهكمين والتي كانت بالعامية في غالبها في النصف الأول للقرن العشرين . ولكي لا نعمم الحكم السابق نستثني بعض العروش الذين استوطنوا الأرياف والذين عرفوا بخفة دمهم والنكتة المرتجلة وسرعة البديهة . وهذا مرده إلى نمو نسبة التعلم عندهم كالجريدية وبعض قبائل الجنوب ، وهم كانوا في الغالب يقيمون في شكل جماعات مدينية يحاولون أن يوفروا لذواتهم ما يقدرون عليه ، وهو ما يشبه خدمات المدينة اليوم . وإن كان التعلم عندهم دينيا بالكتاتيب والمساجد ، وهذا ما ينفي تهمة العبوس عن الدين .
ومردّ كثافة العبوس بالأرياف احتكام أهله لعقلية البداوة والفروسية ، لا بمفهومها العربي المتداول بل بمفهومها القبلي الذي يذهب شوطا في الغلو، وتسقط فيه كل المعارف أمام رأي القبيلة. بل هو فوق كل النواميس ، عملا بمعنى قول الشاعر"وإذا غوت غزيّة فإنني لا أرشد". فالنادرة يمكن أن نقول إنها توجهت في بداية النصف الثاني من القرن العشرين إلى التندر بغير المتعلمين ، وقلب معاني المفردات ، وتبيان جهل شرائح بعينها بمكتسبات الدولة الجديدة "الدَّستور والكاروا روج والبوسطة ".
ولعل النكتة أو النادرة تلخصت في غالب الحالات في مفردة واحدة ، وتجاوز الأمر كل ذلك لينحصر التندر في سياق القول ، وطريقة إخراج الحروف وجرسها . وبذلك تعلن النكتة عن انتمائها لفضاء " البَلْدية " المتحضر و" الضامر" ، نكاية في " العرَبْ " والبدو و" الحفتريش" القادمين من " ورا البلايك ". وتصبح كذلك هيأة الريفي مرمزة مضحكة. ويمكن الرجوع في هذا لبعض الأعمال الكوميدية الاجتماعية ك "حبيقة وفردة ولقات أختها وصيف حلق الواد ( النص) والمكي وزكية - المتأخرة التي قامت بفلاش باك زمني بعد أن تجاوز التونسيون ذائقة الإضحاك الفائتة والسابقة - وجواب مسوقر والبرني والعترة" .
وكذلك مست النكتة بعض العروش التي سعى بورقيبة إلى تفتيتها عبر توزيعية الإدارة : إذ يكون جزء تابعا لدائرة ترابية مّا ، و الجزء الآخر لدائرة أخرى مع ضمان الفوارق بين الإثنين ، عملا بفرّق تسد ، ولغرس بذرة التعالي والتصادم بينهما ، وإن كانت بعض النكت توجه سهامها مباشرة لعروش معينة , فقد أصبحت بمرور الزمن تتعامل معهم كنماذج يفهم الضاحك طينتهم دون تسمية .
فالمتندر به تطوّر ضمن النادرة لكنه تطور في السلبية ، كارتفاع مستوى الحمق لديه والاستبلاه ، ولعل هذه الصفات أورثتها النادرة لأبنائهم ، وهذه آلية جديدة أراد صانعو النكتة أن يجعلوها سلاح إبادة لصورة الضحايا الأوائل حتى لا يرمموا مستوى الخلخلة والشروخ التي لحقت بهم ، ويبقى وجود من تبعهم مهزوزا بل صار الأمر استحقاقا . فلنتصور أن يقال في سبعينات القرن الماضي : أن فردا من الهمامة أو جلاص أو... صار وزيرا فهذه الجملة تكون نادرة تضحك حيا بأكمله بالعاصمة ، أو بمناطق النفوذ . وبهذا لم تعد النكتة محصورة فيما يُضحك وصُنِع وفق تقنية الإضحاك ، بل صار الكلام العادي أشد إضحاكا وأقدر عليه . وهذا يفسر أن النكتة صارت مشغلا عاديا ، ولتُعرِّف المديني بصورة الريفي الذي كان منزويا في مناطقه ، لا هم له غير شويهاته ، أوزواجه من معيوفة بنت عمه . لهذا أصبحت حتى الأسماء نفسها موضع التندر- فبوجمعة ، والعيفة ، و حديد ، وحدود ، ومعتوق ، وحدّي ، والضاوي ، والنمشة ، والشهبة ، والبيضة ، وتفاحة ، وتوزر ، والسبتي ، والحفناوي ، والتوكابري ، والعيدودي ، وفرش غريب ، وبير الغول ، وضبية الكوز- للأفراد والأماكن موضع تندر وفكاهة. لتقابل ب - سوسن ، ونانسي ، وأمل ، وميساء ، و لميس ، ونازك ، ومونفلوري ، والباساج، و المنزه - وبهذا لم تعد النادرة نصّا محكوما بآليات إنشاء واستراتيجيات التقبل المعهودة التي غايتها الإمتاع و الإضحاك بل صنعت شرخا حادا في نفسية المتندر به، وصار يشعر بالدونية ، ويرغب في التنصل من واقعه الموبوء . وحتى ينال رضا السّاخر فإنه يسعى إلى تقليده والتماهي معه ، بل كل ما يتمناه مصاهرته ، والحياة مثله . ولعل هذا ما سبب مشاكل اجتماعية ، واقتصادية ، وشوه البنية السكانية للريف والمدينة معا . فكثر النزوح ، وأقيمت أحزمة القصدير، وشوهت المدن . وتطور مقدار السخرية من الريفي لأن وضعه الجديد صار فاضحا أكثر. بل لعل مدينيته الحادثة رسمت الصورة بوضوح . فأدى هذا الشرخ النفسي المضاعف إلى تفصيه من كل القيم ، واندرج إراديا في الجريمة والانحراف - على أنه ليست كل جرائم المدن من صناعة هذه الشريحة - وساهم أبناء المدن في هذا الوضع ، فبمجرد أي احتكاك مع النازلين الجدد يردّدون "جاو قراطس ويحبوا يوَلِيوْ باكوات" أو"جبري ويحب يكبري" . و بهذا نجح أصحاب طرح القضاء على العروشية في طرحهم ، لكنهم تناسوا أنهم فتحوا حربا جديدة هي عزوف الشباب عن الانتماء للريف . وبذلك صار الريف في كثير من الأشياء عالة على المدينة ، وضاعت الموارد . بل لا غرابة أن نجد كثيرا من الجهات الداخلية الآن خالية بالكامل من سكانها .
وبعد تصفية هذا الطرف نرى أن النكتة توجهت إلى السخرية من جيراننا وإن بتفاوت . فبعد أزمة الوحدة مع ليبيا , نرى أن الليبي صار موضوع التندر، وذكّت حادثة الشرايطي وأصحابه بقفصة هذا التوجه ، وصار الليبي جحا لردهة لابأس بها من الزمن حتى خلنا أنه غبي معدم ، وحتى تخف وطأته نرى أن النكتة شرقت لتتحدّث عن عرب المشرق العربي . وهنا ساهم اليسار مع الزعيم في هذا المنحى ، وصار المشائخ والمتدينون موضوعا للسخرية والاستهزاء ، ولعل الأمر كان مسبوقا بالتسمية ذاتها فالشيخ نسفت في سياقها الديني ليحل محلها اسم العمدة ، والذي يخزّن التونسيون له صورة سيئة تتصل بالوشاية والتجسس ، وهذه الصورة موروثة من أيام القايد التركي لما تحول الحكم العثماني إلى حكم بغيض . ولكن في خضم كل هذا ما علاقة النكتة بالزعيم ؟
لقد تبين لنا سابقا أن النكتة مجّدت الذكاء ، ولكن الذكاء في مجمله تلخص في شخصية الزعيم الذي تحول إلى رمز الدولة ذاتها ، بل الدولة ككل، لأنه صار أمة . فلا تونس دون بورقيبة ويمكن أن يكون بورقيبة دون تونس . وبهذا جاءت النكتة لتدعم الكاريزما العالية لصورة الرئيس. وجلكم يتذكر النكت من نوع "اجتمع رئيس أمريكا وفرنسا وبورقيبة.... " وبالنهاية يظهر بورقيبة أشدهم ذكاء ، ويكون سيد الموقف دائما . لكن ألم يصنع الزعيم نكتا؟
لعل القارئ على بينة من مجمل خطب بورقيبة وسرعة بديهته و"ضماره" . فقد كان ينتقد معارضيه بدءا من الحزب القديم - كما قال هو بالنكتة والسخرية الجاحظية القاتلة - وكان قادرا على هدم صورة الخصم بطريقة ذكية منقطعة النظير، وبتدخله في كل مناحي حياة الناس. ولعلكم تتذكرون خطابه :"من هو عدو الشعب؟ ليكون العدو في النهاية هو المعيز" .
ولكن لم تقف النكتة في هذا الحد من الضدية بين " البَلْدِية " وسكان المناطق الداخلية فصارت تطاحنا بين البلْدية أنفسهم , وحاز" الصفاقسية" القسط الأوفر من المتندر بهم في نفس شعوبي بغيض ، لا يعكس حقيقتهم . وهذا مرده الصراع على السلطة ، واعتداد أهل الساحل بأنفسهم بعد أن استقر الأمر لبورقيبة . ولكن بم قابل الريفيون والمتندر بهم نص النادرة والنكتة؟
قد نجد في الملفوظ أشكالا عديدة ومتداخلة لكن للمثل القيمة القصوى في ملفوظ الريفي . فبعد أن كانت الألغاز والتشنشينة كشكلين متفشيين في زمن لم تكن الكهرباء فيه منتشرة ، ويستخدمان للتسلية ، وبث ما يريد الكبار ترسيخه من ذكاء وسرعة بديهة ، وتداخل في اللفظ وعسر في فهم الأحاجي ، أو بالحكاية والخرافة من تخويف ولجم لثورة الصغار ضد الكبار كان الغول والعبيثة والقتلة والأشرار بمثابة الرادع والمعين لضبط السياسات وتجسيد الرؤى . لكن لم تكن هذه الأنماط إلا ملكا للنساء وفقراء الرجال . صارالمثل الاختيار الأمثل ل"الزميم" أي سيد البيت والعرش إذ كان لا يرتاح للخرافة والحكاية وكل أنماط القول الأخرى فيختار في الغالب ابنه البكر، أو من يميل إليه من أبنائه ليورثه ما يراه دالا على الحكمة والقدرة - أي المثل - والذي به سيكون فاضّا للنزاعات ، والتدخل بين الناس ، وحل الأزمات وليس أنسب في هذا المجال من المثل كموروث حضاري ساد في زمن سيادة النثر على الشعر في نهايات دولة بني العباس والحكم العثماني على وجه الخصوص. لأن العثمانيين لا يستطيعون أن يضربوا في هذا الشأن بسهمهم . وهذا لا يعني أن المرحلة التي نتحدث عنها بتونس قد رفضت الشعر . بل إن الشعر من اختصاص "لديب ولدبا" وغالبا ما كان يستنجد بخبرتهم في الأعراس والأفراح . وليرضي هذا النمط السادة والأشراف نجده مثقلا بالحكمة . وصارت أشعارهم تجاور الأمثال وتردّد معانيها . فما المعنى الطاغي على الأمثال البدوية في هذه المرحلة؟
لا غرابة إذا قلنا إن المعنى العام للأمثال لا يجاري السياق المعيشي في شيء . بل نراه منشدا لزمن قديم مثالي لا يوجد فيه إلا الأبطال والفرسان . ولن يجد فيه المتتبع علامات سياسية ولا إيحاءات اقتصادية ولا اجتماعية تحيل إلى البيئة المعيوشة في القرن 20 . إذ مازالت هذه العلائق مبنية على"بنت العم تتفك من الجحفة" وهذا دليل قاطع على رفض الزواج المدني والعلائق القانونية . فالزواج ليس عن تراض بين طرفين بل المجموعة رأيها أولى وأهم . بل لانجد للرأي الشخصي أهمية . فالفرد منبت في المجموعة "أعوذ بالله من كلمة أنا" ولا تتجسد الفردانية إلا في قالب السخرية ، وانعدام المروءة ،والأنانية " قالولو يا جحا ....قال لهم أخطى رأسي واضرب" وليتنصل البدوي من قيمة التفكير في المجموعة فيبدو أن أمرا طارئا حصل . فما الذي جد حتى ينتقل كل هذا الانتقال؟؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن نكتفي بإجابة واحدة بل لا بد من العودة لدراسة كل الأسباب التي كانت سببا في هذا التغير الجوهري . فبعد الحكمة والتعقل ونبذ الفردية ، وقتل الأنانية ، وتجسد عقلية الرجولة ، والبطولة والفروسية نرى أنه صار براجماتيا ، ومصلحيا مغرما بالذاتية البغيضة . بل نراه طلّق المبادئ وصارت الغاية لديه تبرر كل الوسائل دون النظر للمقصد الأخلاقي. بل نراه صار متجرئا على الأخلاق ومتجاوزا إياها إلى جزر أخرى مفصولة "قل للكلب ياسيدي ما دامت حاجتك عنده" و"ذيل الكلب اللي يطلعك من الواد ما يهمك من نتانته".
فما سر هذا التغير؟ وهل يمكن لنا أن نربط بين ما احتوته النكتة التي وصلت للريفي فأفسدت براءتة وما سطره القانون الاجتماعي الذي خطه واقع العرب في الجزيرة قديما و أكده القرآن الكريم "الأعراب أشد كفرا ونفاقا" وساعتها نقول إن الدرن الذي أصاب النكتة "النادرة" - دون الخوض في أصل التسمية كما قلت سابقا لأنني على بينة أن النكتة يقصد بها ما يعلق بالقلب من سواد أو بياض كما احتوى الحديث النبوي الشريف ذلك والنادرة من الندرة والشذوذ - مأتاه من خارج المدينة . وبذلك تتبرأ المدينة من كم الفساد الذي اتهمت به وتكون هي رمز البناء والتحضر والتقيد بالانضباط والالتزام والفعل الحضاري. وبهذا تظل العلاقة بين الأقنومين المكانيين علاقة مبنية على "الشوارب تبوس والقلب فيه السوس" والمثل الثاني القائل "في الوجه مراية وفي القفا سكين أو فلاية" بحسب كل جهة وما يحلو لها . وبهذا نلحظ أن العلاقة بين المكانين علاقة توتر ترعرع وتغذى بالمال العام في الفترتين الرئاسيتين، واستفادت منه جهات على حساب أخرى ، وعانت بموجبه شرائح كثيرة. حيث كان الريفي ضراب طبل في مولد الزعيم أو قفاف و رئيس شعبة "لا يبل لا يعل". وبذلك يكون الحصاد لسيده "لابس الربطة" ومهندس سياسة الحزب، وهو الوقود وودرجات السلم التي يتسلقها المتسلقون و لا تتجاوز مسؤولياته لجنة الحي إن كان من النازحين ليرعى مصالح سادته ليلا وهم نائمون.
إنتهى تحريرها مساء :8/4/2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.