عاجل/ مع اقتراب انتهاء المهلة.. ترامب يفجرها: "ستموت حضارة بأكملها الليلة"..    المنارات: الاطاحة بوفاق اجرامي خطير روع تلاميذ المؤسسات التربوية بالبراكاجات وعمليات السلب    تونس تحتاج إلى نحو 40 ألف تبرّع إضافي بالدم لتغطية حاجياتها الوطنية السنوية    مسؤول إيراني: جهود باكستان لوقف الحرب تقترب من "مرحلة حاسمة"    جمال بن سالم مدربا مؤقتا للاولمبي الباجي خلفا للطفي السليمي    تضمّ أكثر من مليار مُستهلك: فرصة واعدة أمام تونس لاقتحام السوق الرقمية الإفريقية    مباركة البراهمي تكشف ل «الشروق»:عدد الجنود الأمريكان الخاضعين للعلاج النفسي تضاعف 10 مرات    المركز الثقافي الدولي بالحمامات يستضيف سلسلة من المعارض التشكيلية المتنوعة لفنانين من جنسيات مختلفة    إيران تنتظر رد الفيفا بشأن تغيير مكان إقامة مبارياتها في كأس العالم    قضية اغتيال الشهيد بلعيد..تطورات جديدة..#خبر_عاجل    عاجل/ قتلى في إطلاق نار قرب القنصلية الاسرائيلية في إسطنبول..    تونس: 10,982 حاجًا جاهزون لموسم الحج    صدمة الطاقة قد تؤدي إلى تغيير مسار السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي    اتحاد مرشدي السياحة: "الزيادات المفاجئة في رسوم الدخول الى المتاحف تُحمّلنا كلفة عقودنا مع الأجانب"    علاش التونسي ولاّ يتعامل برشا بالكاش ؟    صراع فرنسي على بن حسن... والنجم الساحلي يرفع سقف المطالب    حي النصر: إيقاف مروّج مخدرات حاول الاعتداء على أعوان أمن بسلاح أبيض وغاز مشل للحركة    من تبرسق إلى العالمية... إياد بوريو بطل تونسي يُبهر العالم!    سبادري TN الأسطوري : علاش غالي وعلاش يحبوه ؟    ارتفاع عدد قتلى حوادث المرور منذ بداية السنة وإلى غاية 5 أفريل الجاري    تفعيل مجلس الصحافة في تونس محور حلقة نقاش بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار    صفاقس تحتفي بالرياضة بإطلاق مجمّع ON'Sport الجديد وتنظيم حدث "LEGENDS DAY"    النادي الإفريقي: الخلافات تُنهي مشوار أحد الأجانب مع الفريق    رسميا: إلغاء مواجهة النادي الإفريقي والنجم الساحلي    في بالك... أكياس الشاي عندها فايدة كبيرة في دارك    ما عادش الدجاج الكل يتقصّ: 15 % أكهو...كيفاش؟!    سفارة تونس ببروكسال تنظم تظاهرة اقتصادية للترويج للاستثمار التونسي وزيت الزيتون    باجة: تنظيم اول دورة لمهرجان العلوم يومي 11 و12 افريل بمشاركة 25 مدرسة ابتدائية    قبلي: تواصل الاستعدادات لانجاح اختبارات نهاية السنة في مادة التربية البدنية لتلاميذ البكالوريا    انعقاد قمة تونس الرقمية يومي 22 و23 أفريل 2026 لبحث التحديات وفهم التحولات الرقمية الكبرى    قريبا: إضافة الرئة والأمعاء والبنكرياس...في عمليات الزرع    فتح باب الترشح للمشاركة في عروض الدورة 38 للمهرجان الدولي بنابل    ناسا تدرج الكسكسي ضمن وجبات مهمة في رحلتها إلى القمر    كأس حليب كل يوم... شنّوة يعمل لبدنك؟    عاجل-خبير يفسّر: أجواء ماي وجوان في أفريل... الحرارة تفاجئ التوانسة    اليوم النجم يواجه الترجي... ماتش نار في حمام سوسة...وقتاش؟    قصف أكبر مجمع صناعي في السعودية وتعليق العبور على جسر رئيسي    قفصة: تلميذة تضرم النار في جسدها داخل المعهد    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    عاجل/ تقارير استخباراتية تكشف معطيات جديدة عن وضعية المرشد الأعلى الإيراني وسبب اختفائه..!    عاجل: قيس سعيّد يعاين إخلالات خطيرة وإهدارًا للمال العام بالمنستير    شنوّة صاير اليوم؟ إضراب يشلّ الإعدادي والثانوي    "أرتميس 2" تبدأ رحلة العودة إلى الأرض بعد إنجاز تاريخي حول القمر    رئيس نقابة الفلاحين: أسعار الأضاحي يمكن أن تتراوح بين 800 د وتصل إلى مستويات أعلى بكثير    حرب إيران.. ترمب يجدد تهديد إيران والقصف المتبادل يحتدم    سليانة ...نجاح تظاهرة الملتقى الجهوي للمسرح    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    حلم دام 30 سنة بصفاقس ...جمعية «الرفيق» للأطفال فاقدي السند تدشّن مقرها الجديد    الفنّانة التشكيلية «ملاك بن أحمد» ... تقتحم مناخات الحلم بفرشاة ترمّم جراحات الروح وبقايا الألم    البطلة جنى بالخير، سفيرة المعرفة، تفوز بالكأس في البطولة الدولية للحساب الذهني بتركيا    الخميس 09 أفريل الجاري ... وكالة احياء التراث والتنمية الثقافية تنظم يوما تطوعيا لتنظيف وصيانة الموقع الاثري بأوتيك    مواطنة أوروبية تعتنق الإسلام في مكتب مفتي الجمهورية    الإتحاد الوطني للمرشدين السياحيين يستنكر قرار مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع الأطراف النقابية المتداخلة في القطاع    شنوّا أفضل لصحتك؟: التنّ بالماء ولّا بالزيت؟    شوف شنوا ينجم يفيدك قشور الليمون والفلفل في كوجينتك!    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السيد زين العابدين بن علي
نشر في الحوار نت يوم 12 - 11 - 2014


سيدي الرئيس :
باسم الوطنية المغدورة و الثورية الزائفة و الحداثة المزيفة و الحكمة الضائعة و الشعب المسكين ، هذا مقدما اعتذاري.
لقد كنا فئة ضالة، آمنا بالحاجة إلى التغيير و تطلعنا إلى مستقبل مشرق تحتل فيه بلادنا موقعا مميزا بين دول العالم الحر، يعيش فيه الفرد بكرامة بلا سذاجة و بلا طمع، بلا انبطاح و دون ذل.
لذلك انخرطنا منذ البداية في الحياة السياسية في محاولة لفك رموزها والتعبير عن تصوراتنا في حدود الفضاء العام المتاح، حسبنا في ذلك الإخلاص للوطن.
و لكن أبوابكم كانت موصدة و دكاكين دولتكم لم يكن يدخلها إلا المقرب و ابن القريب و عبارة "هذا ولدنا" و هذا "متاعنا" و هذا "لينا" كانت المفتاح السحري لقضاء كل حاجة و نيل كل مراد. منابركم قد تعفنت بخطب التهليل و المديح و التهريج و الثناء. لم يكن الإصلاح ممكنا من الداخل في ظل شبكة معقدة ومركبة محكومة بمبدأ تبادل المنافع والمقايضة حتى بالشرف ؛ الفساد كان مستشري في كل مكان وهاجس كل واحد اقتصر على تحقيق خلاصه الفردي ولا شيء آخر و حزبكم العتيد كان الخيمة لكل هذا.
ذهبنا مشردين بين الصحف الوطنية والعربية نكتب عن الحرية و عن الحقوق و الحاجة إلى الكرامة و الديمقراطية تصريحا حينا و تلميحا حينا آخر تحت سامي إشراف مقص رقابتكم الموقر. لم نكن نكتب للجمهور و إنما مجرد أهداف للرصد و الاحتواء و مقدمة لاستيعابنا داخل منظومتكم بطرق أخرى. في مقر حزبكم العتيد كنت أحاول الاتصال بأحد الأساتذة لأسباب مهنية.... وقفت بنفسي على حراس دولتكم الموقرة و حراس جنابكم المبجل و هم يتناولون احد مقالاتي المنشورة بالصدفة في ذلك اليوم بالعناية والتمحيص ... كل شيء كان تحت الرقابة الصارمة.
عندما حل علينا فضاء الانترنت ارتمينا بكل جوارحنا في أحضانه كتبنا كما لم نكتب من قبل و لكن عمار 404 كان لنا بالمرصاد و صفحات الفايسبوك كانت باستمرار عرضة للقرصنة. لم نكن ندعو للعنف و لم نشكل تهديدا للأمن العام و لكنكم كنتم تضيقون ذرعا بالكلمة الحرة.
ذهبنا نطوف الأحزاب الموجودة هنا و هناك. كانت أهون من خيوط العنكبوت . كثير من الكلام و قليل من الفعل . كل واحد يحمل سكينه خلف ظهره: كم كانوا يحبون الخطابة و التشدق بالكلام و يتحذلقون بالمفردات؟ و مع ذلك شركناهم ندواتهم و مجالسهم و اجتماعاتهم و صدقنا تضحياتهم المزورة و نضالاتهم المزيفة.
الإشكال سيدي الرئيس أن هاجس البحث عن العلم و المعرفة و حب الوطن يأبى عليك الاستسلام والتسليم و كل ما قراناه من كتب يجمع على إننا شعوب مهزومة و معدومة ، مسكونة بالجهل و الاستبداد و العبودية. و لما أصاب صوتكم الحازم إرباك الرصاص الذي كان يتساقط في القصرين و سيدي بوزيد وقفصة و يترصد بالقنص قلوب الأبرياء، قلنا إنها الثورة و انه الخلاص المنتظر و لحظة الانعتاق الكبيرة قد أوشكت.
كنا نتابع عن قرب إضرام النار في مراكز شرطتكم و بنوككم و في البلديات و المعتمديات ومؤسسات دولتكم ، و كنا على إدراك تام ان من يحرق لا يمكنه البناء. و لكن ما حدث كان الرسالة الوحيدة التي يمكن أن توجه إليك و تبلغ أذانك و قد تملكها الصمم. و كان الطريق الوحيد نحو التغيير و قد تلقفوه خصومك وأعداؤك الذين بخلت عليهم بالفتات، فمنهم من أبدى التفهم و منهم من أبدى لك الاعتراض.
ولقد كنا على إدراك تام أن ما يحصل هو زواج غير شرعي بين حفنة من الغوغاء لم تكن تملك أي طموح ديمقراطي أو مشروع سياسي و لكنها كانت تملك قدرة رهيبة على الهدم و الحرق و فريق من السياسيين الذين لم يكونوا يملكون بدورهم أي قدرة على الفعل الميداني و لكنهم يملكون كل أشكال الطموح السياسي و لهم من المشروعات الحضارية ما لا يمكن حصره : التقاء إرادتين متضاربتين في لحظة فارقة أثبتم فيها عجزكم عن إدارة الأزمة.
حدث ما حدث و خيرت الرحيل و لكنك ما رحلت، و أنت تدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أن حبل المشنقة و المحاسبة بات مستبعدا جدا.
***
سيدي الرئيس إن العبيد الذين صنعتهم لمدة 23 سنة نزلوا إلى الميدان بقوة ليدافعوا عن القيم التي زرعتها فيهم -قيم الابتزاز و الانتهازية- و ليدافعوا عن أطماعهم و طموحاتهم المشروعة و غير المشروعة. احتلوا الشوارع و المقاهي و الإذاعات و الصحف في محاولة حثيثة للتصويت لمشروعك الذي كنت تعده لسنة 2014 . و لقد تكفل العمد و رؤساء الشعب في عهدك و رجال الأحياء و كل الذين كانوا يمثلون سلطانك في كل مكان بالمهمة على أحسن ما يرام. لقد دخلت الزكرة كل حي و ضرب الطبل في كل مكان و قامت الناس بالرقص و لست ألومهم فهم لا يملكون من أمرهم شيئا . و سواء صوتوا أو لم يصوتوا فالأمر عندهم سيان. إدراكهم للشأن العام ضعيف و قدرتهم على قراءة الواقع سطحية وديدنهم الأمن و السلام . تعرفهم و يعرفونك. إنهم أولائك الذين كنت تستقبلهم في اجتماعاتك في المنزه وقد جاءت بهم الحافلات الصفراء من كل حدب و صوب مقابل ثمن بخس .
****
أما إعلامك الوفي فقد فعل كل ما بوسعه ليطمس معالم جرائمك التي استمرت لأكثر من 23 سنة ، منذ إن رحلت لم يأتوا على ذكرك بكلمة سوء واحدة ، بل نصبوا المجالس اليومية لمحاكمة من احتلوا موقعك في محاولة حثيثة لمعاقبتهم لان الشعب الكريم انتخبهم . محملين إياهم كل ما فشلت فيه أنت. و الحال انه لا ظروف المرحلة و لا مدتها أو طبيعتها كانت تسمح بالحديث علي أي نوع من أنواع الانجازات المادية فضلا عن المحاسبة.
سيدي الرئيس هل تتذكر أولائك الشباب الذين زرعتهم في إعلامك العمومي في أواسط التسعينات في محاولة لتجديد المشهد الإعلامي المبتذل. و تلك الإذاعات الخاصة التي توليت توزيعها على أصهارك و أقربائك في محاولة لتغريب المجتمع التونسي و إغراقه في الميوعة و التفاهة . لقد باتوا جبابرة في سماء الإعلام ، احترفوا ترويج الإشاعة و تلفيق التهم ، و قد اطلوا برؤوسهم بقوة و دافعوا عنك بشراسة و ابدوا من الوفاء ما لا يسعه إلا الشكر و الثناء... و كنا نحسبهم مرتزقة فإذا بهم عبيد .

***
سيدي الرئيس لقد نزلنا إلى الساحات العامة و طفنا الأزقة والشوارع و كنا على تواصل مع شعبك العظيم و لم نرى منه حماسا للانتخابات و لا اهتماما بما يجري في الشأن العام. الانتهازية تطبع كل تصرفاته و المصلحية هي اللغة الوحيدة التي يجيد استعمالها و كدنا أن نتحول إلى ضحايا للابتزاز وجمعيات خيرية نحاول فيها ترميم جراح شعبكم المسكين الذي لم يكن يملك إلا صوتا يصدح بالشكوى ولا يصلح للصندوق : كيف زرعت فيهم كل هذا سيدي الرئيس؟؟؟؟.
سيدي الرئيس إن الشعب الذي فقّرته و جهّلته و صحّرته على مدى فترة حكمك و أصبح عجينة في يديك تتولى حكمه كما تشاء بات عاجزا أن يتلقف بنفسه طريقه إلى الحرية...و لقد رأينا أناس يهتفون باسمك و يدافعون عنك بقوة و يطالبون بعودة بطشك و طغيانك و يرون في جبروتك النجاة و الخلاص. لقد استمعنا إليهم مرارا و هم يقولون أن الخبز أهم من الحرية و أن الخوف أفضل من الكرامة و أن لا بديل عن الانفلات سوى الاستبداد.
سيدي الرئيس أن في صفوف شعبك أناس كالأنعام لا يبالون بسياسة و لاتهمهم الكرامة او الحرية ولا هم يحزنون...هائمون على وجه الأرض ...ديدنهم لقمة العيش و حسبهم التقاط الأنفاس . كنت احسبهم ضحية إعلامك التافه و سلطانك القاهر و جبروتك الذي لا يرد و لكن تأكد لي أنهم كذلك بالطبيعة...ولعلك أول من أدرك حقيقتهم ...و قلتَ بوضوح أن حاجتهم إلى الخبز و الأمن أهم لهم من الديمقراطية ( و إن كان خبزا مذلا و أمنا مغشوشا). و لكننا جادلنا و ناقشنا و اعترضنا و لم نصدق... و الآن تتجلى الحقيقة واضحة و ناصعة....لذلك اعتذر.
****
سيدي الرئيس لقد آمنا في الجامعة بضرورة التوفيق بين الديمقراطية و الإسلام و لأنك لم تكن تمثل الديمقراطية و لا تمثل الإسلام و كانت النهضة قد فازت بانتخابات 23 أكتوبر، قلنا أن الفرصة باتت مناسبة بحلول المشهد السياسي الجديد لترسيخ ذلك على ارض الواقع. فإذا بفريق يطل علينا من حيث لا ندري بالدعوة لإقامة دولة الخلافة و فريق آخر يطالب بتطبيق الحدود...و إن كانت قيادات حركة النهضة قد تجاوزت هذا الخطاب فان الكثير مِن مَن يدعون انتسابهم للإسلام مازال في نفوسهم مرض و ذهبوا إلى حد اتهامها بتنكرها للإسلام الصحيح: إسلام تعدد الزوجات و تحريم شرب الخمر و فرض الحجاب و إطلاق اللحى و تحريم الربا وإنكار المساواة بن الرجال و النساء و رفض الحريات و هم في شوق حقيقي لمختلف أشكال العذاب و الألم الذي كنت تذيقه إياهم في أقبية السجون...
****
سيدي الرئيس أن طلائع النخب الذين تربوا في أحضان سلطانك و هم يشتمونك حينا و يمجدونك حينا آخر، قد انضموا بكل حماس إلى بقايا دولتك و شظايا حزبك، ليطمسوا كل اثر للثورة و جعلوا كبرى الصحف العالم تكتب عنا بأسف عن انتصار الثورة المضادة، و هم اليوم مشغولون بتزييف الحقائق مدعين أن التجمع ليس بالنداء !!!.
أما الأحزاب التي نشأت في عزك فكانت الكارثة الكبرى. تصوّر سيدي الرئيس أن مواهبهم تفتقت بعدك و كل واحد فيهم بات يحسب نفسه زعيما و منقذا. وحدك من كنت تعرف حقيقة حجمهم. لقد اعتقد كل واحد فيهم أن المعركة الحقيقية مع الاستبداد و المنظومة القديمة انتهت و أن ظهورهم المكثف في المنابر التلفزية كاف للتواصل مع الناس و إقناعهم بأنفسهم . و لم يدركوا طبيعة المجتمع و كيف يعمل من الداخل: مجرد عمدة يملك من النفوذ ما يفوق نفوذ أحزابهم مجتمعة. و أن "الكورة" و المال الفاسد والعطايا و شراء الذمم هي الطريق الملكي للسلطة. وهو ما استطاع أن يفهمه بسرعة سليم الرياحي الذي كان بوسعه أن يحقق المفاجئة لو لم يوجه له ذراعكم الإعلامي قناة نسمة ضربة قوية في الوقت المناسب.
سيدي الرئيس تصور أن المملوكي رئيس برلمانكم السابق و وزير دولتكم في ما مضى كان يلح- و المسار الانتقالي في منتصف الطريق- على ضرورة حل المجلس التأسيسي و حل الحكومة وحل مؤسسة الرئاسة و العودة إلى نقطة الصفر، يتم إكرامه بالفوز بالانتخابات التشريعية هي الأولى من نوعها بعد الثورة و منذ فجر التاريخ، و الحال انه لو تحققت مطالبه لما كان المشهد السياسي يختلف كثيرا عما يحدث الآن في ليبيا و سوريا و مصر واليمن. هل قدرنا أن نعيد الشعارات نفسها التي رفعت إبان ثورة بن غذاهم: كفى مماليك كفى استسلاما؟؟؟.
افهم أكثر من أي وقت مضى ذلك التردد الذي كان يعطل خطاكم نحو الحرية... فما أكثر الأوباش و هم يسلكون طريقهم إلى العبودية عبر طريق الديمقراطية... و الحق انك أنت الأولى منه بالمقام و الشرف....و لذلك اعتذر .
****
سيدي الرئيس انك اعلم مني انك لم تخرج يوما من السلطة فجواريك و عبيدك و حاشيتك و كل من عينتهم في الإدارة و الإعلام و الجامعة التونسية بدقة و عناية كانوا مبثوثين في كل مكان، تفرقت أصواتهم ، على حين غرة، بين الأحزاب في انتخابات 21 اكتوبر2011 و اليوم هم أكثر قوة و أكثر تنظيما خلف المملوكي الباجي القايد السبسيي بعد أن نجحوا في لم شملهم و إرجاع ماكينتهم للعمل. هل تتصور سيدي الرئيس أن ذاك العجوز الذي يفوقكم سنا و يفوتكم ترهلا تحول إلى زعيم مستندا إلى خطاب انتم من صاغ مفرداته بعناية وحدد إطاره طوال 23 عام : خطاب الإسلام المعتدل و حرية المرأة و الدولة القوية و الأب الحنون و حوار الحضارات و الشباب الفاعل و ثوابت السيادة الخارجية و"تحيا تونس" ....سيدي الرئيس إني ارفض أن استبدل النسخة الأصلية بالمزورة...و لذلك فاني اعتذر.
****
سيدي الرئيس ، إن الرئيس الذي يسكن قصرك الآن لم يجعل من دولتك مغنما و لا مطمعا للأوباش و لا مطمحا للبؤساء ولا مرتعا للأوغاد يلقي لهم بالفتات و لم يملي على احد أمرا و لم يطلب منهم حاجة، و لم يقايضهم بالشرف بل كشف عوراتهم... فقزموه و صغروه و حقروه و جعلوه أضحوكة الحمقى والمغفلين و الأوغاد، فاثبتوا ان الاستبداد وحده هو الذي يليق بهم ....لذلك اعتذر.
****
سيدي الرئيس إذا ما تأكد انه لم يكن هناك أي أفق للإصلاح الجذري و أن حركة النهضة مجرد حركة إصلاحية قصارى جهدها أن تثبت نسبها الشرعي للوطن و إن "حب تونس موش كلام" كما جاء في شعار حملتها الانتخابية ، فإننا نكون قد أضعنا 3 سنوات من تاريخ البلاد و أن كل الجهود التي استثمرناها من اجل مستقبل أفضل و اشرف ذهبت هباءا. لو بقيت في السلطة لاستفدنا على الأقل من طغيانك لتوفير أكثر من 300 الف موطن شغل كما وعدت و استفدنا من تراجعك عن زيادة الأسعار و استطعنا الحفاظ على المستثمرين في بلادنا وضمنّا استمرار القروض المتدفقة من دول الخليج المستبدة و دول الغرب المنافق و فوتنا الفرصة على الأوغاد وهم يتحولون إلى أبطال و هم اقزام.
سيدي الرئيس إن الرهان الذي وضعته على شعبك قد فزت به و الفوز الذي تحقق اليوم لفائدة ما يسمى بنداء تونس هو فوزك أنت و أنت الأولى به و أنت الأولى بالتهنئة... فألف مبروك.
*****
سيدي الرئيس ، لقد عادت دولتكم إلى الحكم بوجه مكشوف و عادوا معها روؤساء شعبكم و وزراؤكم و رجال أعمالكم و رجال دولتكم و حتى ضحاياكم و هم يتهيئون ليكونوا نوابا في مجلس نواب الشعب الجديد، كأن شيء لم يكن و لو كنت تملك قليلا من الجرأة فبوسعك ان تفكر في العودة إلى بلادك و حتى التفكير في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.
و لكنك ستجدها دولة مقلمة الأظافر مكسورة الأجنحة مكبلة بأكثر من التزام دولي و محلي، و لن تصمد طويلا أمام المطالب الشعبية و النقابية التي تدربت لأكثر من 3 سنوات على المطلبية المشطة و على رفض العمل و المطالبة بتحسين الأجور و الانفلات من كل القيود و عدم الاستعداد للتضحية ... من اجل كل ذلك و غيره فخذ اعتذاري المتقدم تنبيها متأخر.
و اعلم سيدي الرئيس إننا رسمنا طوال غيابك قواعد جديدة لللّعبة السياسية . تلك القواعد هي الآن الضمانة الوحيدة للتوقي من شرورك و ردم استبدادك....إذا ما بدأ التصرف فيها بالزيادة و النقصان، فاعلم انها "الحرب".
****
و اعلم سيدي الرئيس أن الحرب القادمة بينك و بين الشعب الكريم لم تحسم بعد فاستعد لها. فلم تكن المرحلة الانتقالية إلا مجرد محطة لتأجيل الحسم. و اعلم أن الثورة القادمة آتية لا محالة . أتيحت لك فرصة ثمينة و نادرة أن تبقى حيا على أن تنجلي من المشهد السياسي إلى الأبد . و لكنك لم تفهم الدرس . الشعب الكريم الذي أعطاكم صوته كرها أو حبا أو جهلا هم الذين سيثورون عليكم و يحاسبونكم على كل شيء و يسلخونكم سلخا لتلقوا المصير نفسه الذي لقيه "نمر" صهركم المبجل. و اعلم ان شعبكم الذي صوت لكم هو الآن كله أطماع و كله انتظارات ... و لا شيء سيوقف عطشه نحو المطالبة بالحياة المترفة التي وعدتموه بها. الوجهة التي غابت او غيبت في المدة الماضية ستصبح ساطعة كالشمس لاسيما وقد أبان العدو عن نفسه من جديد و الحال إن الجندي المكشوف جندي مقتول تعلمنا ابسط قواعد الدرس العسكري (يذكرنا بذلك الباحث محمد الحاج سالم ). و اعلم ان شعب النهضة لن يأتيكم منه خطر فهو شعب وهب نفسه للصبر و الحرمان و هو مشغول برفع التبليس الذي لبستموه إياه لعقود.
اما الشعب العميق الذي لم يبالي بالانتخابات و لم يبالي بالحرية و لا حتى بالثورة . فهو يترصد خطاكم ...و في اللحظة المناسبة سيحطم كل شيء... قوة جبارة في انتظاركم لا تعرف إلا الهدم، سبق و أن تحركت قبيل أحداث 14 جانفي و قد أصابت الجميع بالذهول.
لقد جنيت سيدي الرئيس على عبيدك و عبيدك سيجنون عليك و يذبحونك. تذكر سيدي الرئيس- ومن سيتولى خلافتك و أنت الغائب الحاضر- ان الثورات لا تحتاج إلى صفوف طويلة أمام صناديق الاقتراع ، انها تحتاج فقط إلى حشد قليل ممن يرفضون الالتزام بالصف.

سيدي الرئيس ملاحظة أخيرة أريد أن أسوقها من منطلق المتأمل في تجارب الأمم وتاريخ الشعوب و هي مفتوحة للجميع : لقد ضل محمد ابن عبد الله يدعو إلى ربه بالنصح و الموعظة الحسنة 23 سنة كاملة حتى لم يبقى مشرك في جزيرة العرب إلا و دخل الإسلام و لما انتقل إلى جوار ربه عادت الناس إلى سالف عهدها لعبادة الأصنام و الأوثان و لولا حزم الصديق و حسم الوليد لعاد العرب إلى جاهليتهم . تلك هي سنن الكون فاعتبر و لا تفرح لفوز الباجي و لا تثني على حكمة الغنوشي و لا تبتهج بصنيع عبيدك و لا تنخدع باعتذاري .

و أخيرا و هذا أمر لا يهمك سيدي الرئيس و لا عبيدك الذين سيتطفلون على رسالتي و يهمني الإشارة إليه، فمنذ أشهر توفي أبي رحمة الله عليه و منذ تلك اللحظة انقطعت صلتي بالكتابة وبت عاجزا عن التواصل مع أصدقائي في الواقع كما في الافتراضي إلا فيما قل و ندر (و الذين أحييهم من كل قلبي)، وبدت لي الدنيا اصغر من أن القي لها بال و السياسة اقل شانا من أن أقيم لها اعتبارا و قد جاء في الدعاء : "اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا و لا مبلغ علمنا". أما و التجمع يعود من الباب الكبير فان وطنيتي تأبى علي الصمت.
و لست املك لأبي بعد اليوم إلا الرحمة و السلوان فما كانا أبي جبانا أو مهادنا و قد عرفت عنه قول الحق فيك فلم يكن يفوت الفرصة إلا وقد اقتص منك تلميحا أو تصريحا و كان يناديك "بالزبلة". رفض باستمرار أن يدنس جدران ورشته بتعليق صورك القبيحة رغم إلحاح العمد و قوادة الشعب ورفض مرارا و بعنف المساهمة في صندوق 26 26 رغم الترغيب و الترهيب و رفض أن يكون مواطنا مزيفا في دولتك المزيفة و لم يتواصل معها إلا للضرورة و لم يكن ينتظر منها خيرا أو يرجو منها أملا. في عز دولة بورقيبة هاجر البلاد و في بلاد الحرية تزوج و أنجب أولاده الخمسة و أودعنا نفائسها و لم يطمع يوما في ولي نعمة أو يعول على دولة فاسدة و عندما اختار أن يعيدنا للوطن إنما كان إدراكا منه إن من يولدون أحرارا وحدهم من يملكون القدرة على بناء وطن حر. ارجوا أن أكون عند حسن ظن أبي و إدراكه العميق.

انتهى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.