برج السدرية: طعن امرأة وسلب حقيبتها أثناء عودتها من صلاة التراويح    استئناف حركة المرور بمعبر راس جدير بعد احتجاجات ليلية على خلفية احتجاز تجار تونسيين لدى الجانب الليبي    الحرس الثوري الإيراني يتحدى ترامب ويلوّح بتصعيد عسكري في الخليج    الحرس الثوري الايراني مهددا ترامب.. إذا كنت تمتلك الجرأة فلتدخل سفنك الحربية إلى الخليج    التشكيلة الأساسية لمواجهة الترجي والاهلي    إرجاع تواتر السفرات على خطي نابل حمام الأنف تونس والحمامات حمام الأنف تونس بداية من يوم الاثنين    وصول 14 تونسيا إلى مطار تونس قرطاج بعد إجلائهم من لبنان    فتاوى الذكاء الاصطناعي ..فتاوى «التريندات» و المنصات الالكترونية    أنوار على الحقيقة ... ثقافة الاختلاف والسّلم المجتمعي    بداية من الإثنين: تغيير حركة المرور قرب مستشفى الحروق ببن عروس    حجز اجهزة اتصال لاسلكية واموال.. أسرار وتفاصيل تكشف لأول مرة حول الاطاحة بالقيادي البارز بمافيا " لاكامورا " في تونس    يوميات صائم .. .الشاعر الكوميدي فيصل الصمعي ... شعري من صميم المواطن البسيط    الطريق إلى الله ... المغني الأمريكي تشوسي هوكنز الشهير ب«Loon» ... من الغناء والشهرة إلى السجود والصلاة...    أسئلة رمضان . .يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    من ثمرات الصوم..السلم والأمن    أم المؤمنين عائشة (10) يا عائشة فأما الله عزّ وجل فقد برّأك    ظافر العابدين ينشر صورة مؤثرة لشقيقه ويودعه بكلمات قلبية    في لفتة إنسانية... كشافة الوردية يوزعون أكلات خفيفة على المرضى    دارت اليوم.. نتائج المباريات الودّية للفرق التونسية    الإذاعة الوطنية تنظم مسابقة لاختيار أفضل الأعمال الدرامية التونسية الرمضانية    تنظيم حفلة المخارق بباجة " مخارق بارتي"    لاريجاني يكشف عن مخطط لعمل إرهابي مدمّر واتهام إيران به    القصرين: انطلاق أيام الصناعات التقليدية واللباس الوطني لسنة 2026    الليلة: طقس بارد مع أمطار    التعاون التونسي التايلاندي: فتح باب إلى الترشح لنيل جائزة في مجال التمريض والقبالة    بين سيدي بوزيد والمكناسي.. وفاة شخص واصابة آخر في حادث مرور    خالد بن يحي مدربا جديدا لمولودية الجزائر    كأس الكونفدرالية الإفريقية (ذهاب ربع النهائي) مانييما الكونغولي يفوز على اتحاد الجزائر 2-1    جمال ريان في ذمة الله    ابتسم أكثر... 10 فوائد صحية قد تفاجئك    دراسة تكشف: اضطراب الساعة البيولوجية قد يقود إلى السمنة والسكري    الترجي يعلق على ايقاف مروجي تذاكر مزورة وينبه    صفاقس: سهرة رمضانية إنسانية بالمركز الاجتماعي لإيواء وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة    عاجل: الترجي يحذّر جماهيره: تذاكر مزيفة في التداول وإيقافات في صفوف المروجين    البريد التونسي: مليون شخص قاموا بتنزيل تطبيقة الدفع الرقمي 'D 17'    ميلفين سبرينغر مؤهلا للعب لفائدة المنتخب التونسي للاواسط    توزر: حركية تجارية مميزة لاقتناء الملابس والأحذية ومستلزمات عيد الفطر    قفصة: تواصل الحملة الوطنية المجانية لتلقيح المجترات الصغرى والقطط والكلاب    جمعية الاقتصاديين التونسيين: تونس أمام حتمية إعادة التصنيع لتفادي خطر الركود الاقتصادي    القناة الناقلة لمباراة الأهلي والترجي الليلة    خبر يفرّح للطلبة الأيتام : منح ودعم لمواصلة الدراسة    سفارة الجمهورية التونسية ببرن تنظم يوما قنصليا بزرويخ لتقريب الخدمات القنصلية لابناء الجالية    اجراء عملية الضخّ الاختباري للبئر العميقة "عميرة الحجاج - منزل فارسي" بمعتمدية المكنين    المنستير: افتتاح الدورة 52 للأيام التجارية بقصر هلال    عاجل/ الادارة الوطنية للتحكيم تسلط جملة من العقوبات على عدد من الحكام والحكام المساعدين..    ادارة الأبحاث الاقتصادية والمالية بالقرجاني تطيح بأشخاص يروجون تذاكر مقابلة الترجي في السوق السوداء    عاجل/ أول رد من اليابان على طلب ترامب ارسال سفن عسكرية لتأمين مضيق هرمز..    أكثر من 40 طنّا من المواد الغذائية غير الصالحة: حصيلة مفزعة للمراقبة الصحية للأسبوع الثالث من رمضان..#خبر_عاجل    رجة أرضية بهذه الولاية..#خبر_عاجل    أذكار صباح الأحد ... أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله    وزير التربية: آليات التدريس خلال السنة المقبلة ستكون مريحة    عاجل/ ترامب يكشف: "إيران تريد هدنة لكن.."    نجاح عملية استئصال كامل للقولون السيني بالمنظار بالمستشفى الجهوي بقصر هلال    زيادة في مبيعات السيارات    علاش يتكرر السجود مرتين في كل ركعة؟ الحكمة والفضائل    بعد 5 سنين في الظلام: عملية دقيقة في قابس ترجّع الأمل لرجل عمره 73 سنة    بن عروس : الفنانة آية دغنوج تؤثث السهرة الافتتاحية لليالي رادس الرمضانية    في ليلة المتاحف: التراث يضيء ليالي رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من هو بورقيبة الذي ينقسم فيه الناس خصمين
نشر في الحوار نت يوم 08 - 04 - 2015

ولد بورقيبة حسبما هو مسجل في دفاتر الحالة المدنية يوم 3 أوت 1903 وتخرج من فرنسا محاميا وساهم في حركة التحرير الوطني مقاومة للإحتلال الفرنسي وترأس أول جمهورية مستقلة في تونس من 1957 وعزل من المخلوع بن علي بإرادة أمريكية أروبية تحت سقف إنقلاب أبيض يوم 7 نوفمبر 1987 ومات يوم 6 أفريل 2000 وهو تحت الإقامة الجبرية وقد أنهكه المرض ولم يرزق من الولد سوى الحبيب الذي يحمل الإسم نفسه من زوجه الفرنسية الأولى والذي ظل بعيدا عن الحقل السياسي المباشر حتى مات. بورقيبة لمن أحب ولمن كره ولمن يعلم ولمن يجهل صاحب مشروع ثقافي فكري جامع وهو كذلك لمن أحب ولمن كره ولمن يعلم ولمن لا يعلم زعيم عربي بز الحقل الزعاماتي المعاصر مثله مثل الزعيم عبد الناصر والزعيم صدام حسين والزعيم ياسر عرفات وربما ليس يذكر التاريخ العربي الحديث زعماء غير هؤلاء.
أسوق هذا الحديث بمناسبة الذكرى الخامسة عشر لموت بورقيبة. وكاتب الحديث ممن سجن في عهد بورقيبة بسبب إنتمائه السياسي وعذب وحوكم بخمسة عشر عاما سجنا نافذا قضى منها عاما ونصف العام في السجن بل كان ضمن المطلوبين للإعدام عندما طلب بورقيبة من محكمة أمن الدولة إعادة المحاكمة وذلك بسبب وقوفه يومها في الصف القيادي الأول لحركة النهضة. ولكن كاتب الحديث له جانب آخر عنوانه : أني مدين لهذا الرجل في تكويني التعليمي على إمتداد زهاء خمسة عشر عاما كاملة. اليوم وقد تخطيت الستين من العمر وخلفت ورائي كل ذلك وأكثر منه ليكون جزء من التاريخ لا يليق بي إلا أن أتسربل بما أستطيع من دثار الإنصاف والموضوعية عملا بأمره سبحانه :" ولا تبخسوا الناس أشياءهم ".
هذا ميزان بورقيبة في نظري.
صفحة الإيجابيات.
1 بناء دولة عصرية.
الذين لا تسعفهم أذهانهم لوعي ذلك فكريا فما عليهم إلا أن يضعوا ميزان القسط بين الحالتين التونسية والليبية من بعد طروء الثورة. لا أظن أن عاقلا يماحك في أن من أكبر العوامل التي تجعل من الثورة الليبية نهبا لأعدائها في الداخل والخارج هو عدم خضوع البلاد على إمتداد عقود طويلات لنظام إداري سياسي يمكن أن نعيره بمفهوم الدولة التي تؤطر الناس بظلها من بعد السقف القبلي. ليس معنى ذلك لمن يعي ذلك أن الدولة القطرية الحديثة يمكن أن تقود الأمة العربية والإسلامية إلى ما يمكن أن تقودها إليه الجامعة الإسلامية التي ظل ينادي بها المصلحون المعاصرون من مثل محمد عبده والأفغاني وغيرهم في محاولة لتسديد الإنهيارات الطارئة على السقف السياسي الإسلامي بسبب سقوط الخلافة التركية. ولكن تعيير الرجل يساق ضمن الواقع المعيش. لم يكن السبق البورقيبي في بناء الدولة التونسية المعاصرة سبقا كميا فحسب إذ ظلت أغلب المعمورات العربية والإسلامية من حولنا خاضعة للسلطان العشائري والقبلي عفوا حتى من الدساتير السياسية الموثقة بل كان سبقا نوعيا إذ أنه بسبب خلفيته الفكرية المعاصرة لولا أنها كما يأتي تفصيل ذلك كانت موغلة في الإنبهار بنى النظام الإداري التونسي على أساس متين من حيث المؤسسات ومن حيث التوثيق الدستوري. دعك من المادة المضمونية التي قيدت بها تلك المؤسسات وتلك الموثقات لأن ذلك ليس هنا محله. ولا أظن مرة أخرى أن العاقل الذي يؤبه لكلامه يماحك في أن إحدى مرجحات تأبي التجربة التونسية الثورية أن تفترس بمثل ما إفترست التجارب الثورية اليمنية والليبية خاصة هي وجود دولة تونسية مؤسسة تأسيسا متينا إذ أن الفوضى تبدأ في اللحظة ذاتها التي تغيب فيها المؤسسة سواء كانت مؤسسة مادية أو معنوية. لمن يراجع الفقه السياسي والإداري الخلدوني في مقدمته الشهيرة يدرك أحقية قالة الشاعر : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم و لا سراة إذا ما جهالهم سادوا.
2 بناء نظام مدني لا عسكري.
الصفة المدنية للدولة أو للنظام السياسي تساق زورا ومع سابق الترصد والإضمار من لدن خصوم المشروع الإسلامي في مقابلة النظام الإسلامي ولكن الحق لا يكون إلا في مقابلتها للنظام العسكري. ذلك هو الأصل الدستوري السياسي الذي قامت عليه الثقافة السياسية المعاصرة. صحيح أن التجربة الكنسية الإقطاعية الأوربية القاسية أيقظت المخاوف من نشوء " طوطاليراتيه " دينية أشنع من " الطوطاليراتية " العسكرية. ولكن القاعدة في الإستدلال هي أن سوء الإستخدام لا يبرر الكر على الشيء من أصله. ولذلك إجترحت آلية الذرائعية سدا وفتحا لتكون محطة تفتح المصالح عندما " تصدمها " النصوص وتحول دون المفاسد عندما " تحرض " عليها النصوص وما هي النصوص هنا ولا هناك ولكنها الأفهام القاصرة. الصفة المدنية للدولة وللنظام هي لصيقة من أشد لصيقات الصفة الديمقراطية وبذلك لا تكون الديمقراطية إلا خصما عنيدا ونقيضا شديدا في وجه النظام العسكري والبوليسي جزء منه قطعا ولكن كذلك في وجه النظام الديني. ليت شعري وهل تأيد النظام الديني الكنسي الأروبي إلا بنظام قيصري إقطاعي غشوم وبذلك نضجت شروط الثورة عليه فإنهار. لم يكن الخيار البورقيبي هنا خيارا يحمي الدولة من الإختطاف العسكري فحسب بل كان خيارا صائبا في الحالة التونسية من حيث أنه وضع المؤسسة العسكرية في موضعها المناسب فراهن على السلم والصلح و" عسكرة " العقل بالدفاعات الفكرية المناسبة ليتولى هو نفسه حماية بلاده وليس بتبديد المال على قلته في تونس كما فعل أكثر الرؤساء لبناء مؤسسة عسكرية تتولى كبح جماحات التحرر الداخلية وليس لها أي سبيل لتحرير فلسطين ولا غير فلسطين. كما أظن أن العاقل مهما فقد من أرصدة الحصافة لا يتورط بالقول أن التجربة البورقيبية ورثت البلاد نظاما عسكريا ولا حتى نظاما بوليسيا أي في عهده هو. صحيح أن الآلة البوليسية تغولت بل دعني أقول أفلتت من بعض يديه لأسباب تأتي في مظانها وإبانها في آخر أيامه ولكن لا يمكن وصف النظام البورقيبي بالنظام البوليسي ولا بالنظام العسكري من باب أولى وأحرى. إذا أعوزتك المقاييس هنا أن تلتزم الإنصاف فتوخ منهاج المقارنة إذ بضدها تتميز الأشياء.
3 بناء نظام تعليمي تربوي عتيد ومعاصر.
يمكن لي وأنا ربيب ذلك النظام والمتأثر به بل صنيعته أن أجمع بين أمرين هنا : بيان أفضاله فيما تيسر لي من مجال ضيق هنا من جهة والميلان إلى جانب الإنبهار من جهة أخرى. لا أعصم نفسي هنا من تنكب الإنصاف والموضوعية فليكن القارئ مني على حذر. هذه عندي أنا وربما عند جزء كبير من جيلي هي عظيمة بورقيبة وهي إنجازه الأكبر وهي بيضاء صفحته بحق. كاتب هذه الكلمات يعد نفسه ليس طالب علم فحسب بل ربما مجنونا في إثر العلم يحدب لأجل تحصيله لا يبالي ولا يتهيب. إن شئت المقارنة ليس هناك أي رئيس بله زعيم عربي ولا مسلم أولى ما أولاه بورقيبة للتعليم والتربية إذ لم يضن عليه بأن جعله طيلة العقود الثلاثة التي حكم فيها صاحب الحصة الكبرى في ميزانية الدولة. لم يحدث هذا في أي نظام عربي. أهل جيلي سمعوه كما سمعته بأذني هاتين وأنا شاب يافع يقول في الراديو مدافعا عن رأيه في " تبديد " ميزانية دولة فقيرة لأجل تعليم شباب قد يكونون له معارضين :" أفضل أن يعارضني مثقفون على أن يعارضني جهلة وأميون ". إن تميز بورقيبة بشيء عن الحكام كلهم أجمعين تقريبا فإنما تميز بنشر التعليم والتربية إذ كان الرجل صاحب مشروع فكري جامع وكان يراهن على مضغة العقل أداة في التغيير. لك أن تقارن بين أبناء وبنات جيلي وبين شباب اليوم وشباب من قبلهم. ذلك من حيث العتادة ومن حيث المعاصرة فإن النظام البورقيبي قام على إنشاء تعليم لئن كان مضمونه كما نتبين ذلك في إبانه ليس مرحبا بالدين والعروبة يهدف إلى إعداد أجيال يضارعون أبناء اليوم من حيث العلم والتفكير والثقافة جماعا وتنوعا وتعددا وإنفتاحا. لقد أصاب الرجل عندما إعتبر أن بلاده صغيرة من حيث كل شيء تقريبا فقامت مقاربته على أساس عجيب هو نشدان العظمة والشأن من كيان صغير بالعقل فكان الإستثمار في التعليم والتربية خير مدخل لذلك. ليس علي أن أسهب هنا لأنه أمر مجمع عليه بل هي حسنة بورقيبة الكبرى.
4 بناء سياسة خارجية متوازنة معتدلة في الجملة.
هذه آخر العقد البورقيبي في الحسنى في رأيي أنا. هذه حسنة أخرى سوى أن هناك ما يخترمها فهي ليست خالصة. نحن نأخذها هنا موثقة في واقعها وليس مبتسرة عنه. صحيح أن السياسة البورقيبية في السياسة الخارجية قامت أبدا على إستبعاد البعد العربي والإسلامي والإفريقي أن يكون محضنا جامعا أو عمقا زاخرا. ولكن ذلك قاطنا في بيئته تلك لم يكن أمرا منكورا في ذاته لولا أن الرجل نفسه حدد بوصلة فلسفته الفكرية والقيمية منذ وقت مبكر في إتجاه الأوربة والتغريب. بل إني أرى أن البلاد نفسها في تلك الأيام لم تكن منحازة إلى أي قطب لا إيديولوجي ولا إقتصادي إنحيازا مفضوحا كما هو حال أغلب العرب والمسلمين تقريبا. الموقف من القضية الفلسطينية : تبين اليوم لكل ذي عينين وليس لذوي البصيرة فحسب أن أكثر " الزعماء " المتخندقين لفائدة تلك القضية بل قل كلهم ولا حرج عليك ولا تثريب " إضطرتهم الظروف غير المناسبة " لا لهجران ذلك الإلتزام القومي فحسب بل لخنق المقاومة الفلسطينية وإكراها لها كما فعل بالمرحوم عرفات نفسه على المساومات والمصالحات مع الكيان المحتل. الميزان الخارجي للرجل كان في الجملة في رأيي أنا أميل إلى التوازن والإعتدال فرارا من الأحلاف من جهة وفرارا من الهيجان الزعاماتي يومها حيال فلسطين من جهة أخرى تظل مبادرة أريحا 1965 محل حوار وفرارا من التنكر العروبي الإسلامي الإفريقي بشكل مفضوح. كان الرجل يجيد البراغماتية السياسية في سياسته الخارجية ويسكن عقله هذا : بلد صغير فقير في غابة ذئاب جشعة لا يصلح به سوى توخي التوازن والإعتدال والبراغماتية ونشدان المصلحة المادية.
كيف تعير مقاومته للعروشية.
هذا حقيق به أن يحتل فقرة خاصة به. كانت مقاومة التكون القبلي فقرة أساسية ضمن مشروع بورقيبة. لا بد من محاكمة ذلك إلى أمرين : أولهما فلسفة الرجل أي مشروعه الفكري الجامع إذ لا أعلم أن زعيما عربيا واحدا يملك مشروعا فكريا جامعا بما يعنيه هذا المركب. ومن هنا كان لا بد له من تخطي العقبة القبلية لبناء دولة معاصرة ومجتمع معاصر يكون الفيصل فيه لكلمة الدولة ولكلمة المؤسسة المعاصرة وليس للقبيلة ولا لرئيس القبيلة ولا لزعمائها. يسمى هذا في نظرية الإصلاح والتغيير : التذرير المجتمعي. الرجل عمل على هذا الحقل كثيرا ونجح أكثر وأكثر. هنا يكون الحديث عن النمط المجتمعي الذي وضعه بورقيبة نصب عينيه. القضية في رأيي ليست هنا لا محايدة نظرا لمشروع الرجل من ناحية ولا هي بيضاء ناصعة كما ينظر عبيد الفكر الغربي ولا هي سوداء قاتمة كما ينظر عبيد السلفية العربية. الإسلام لا يمنع التركيب القبلي ولا يرحب به .هو حياله يضع جهازه الأصولي فيما عرف بالسياسة الشرعية. أي أن المهم عند الإسلام هو أن يظل المجتمع جزء من الأمة بل من الأمة الإنسانية نفسها مصنع تكافل وتعاون وتضامن و" عقل " بالتعبير التراثي القديم حيث كانت القبيلة هي العاقلة. اليوم تغيرت العاقلة فلم تعد القبيلة عاقلة ولكن جاءت مؤسسات تتبنى العقل من مثل الدولة نفسها وفي المجتمع نجد روابط عمالية ونقابية ومهنية وحرفية وغير ذلك. هم الإسلام أن يكون المجتمع قائما على نظرية العقل أو نظرية العاقلة حفظا للحقوق والحريات والحرمات ونبذا للتظالم. كانت القبيلة نظاما عربيا قديما أدمجه الإسلام في نظريته الإصلاحية ثم ترك للناس النظر في مصالحهم بأي عاقلة يكون ضمانها أكبر وأكثر. بل إن التطور من القبيلة إلى المؤسسة ثم إلى الدولة تطور يرحب به الإسلام عملا بحرصه هنا على المقاصدية لا على الوسائلية. بورقيبة هنا لا يمكن تبرئته من أن دك القبلية والعروشية كما كان يسميها هو إنسجام مع التطور العصري ولكن لا يمكن تجريم عمله ذاك. إنما ينظر إليه ويحاكم من وجهة نظر أخرى عنوانها : هل تماسك المجتمع بالدولة والمؤسسة أكثر أم تهاوى أكثر وهل حل التكافل والتضامن والتعاون محل التخاصم والتفارق والتهارش أم لا. لا يحاكم الرجل بالوسيلة هنا ولكن يحاكم بالغاية والمآل.

صفحة السلبيات.
1 بناء نظام تربوي تعليمي ثقافي فكري يخدم الإلحاق الثقافي والتغريب الفكري.
وكان ذلك بصورة يندر جدا أن توجد في الأرض فهو أتاتورك العرب بإمتياز شديد جدا. إذا كان التعليم هما ونشرا هو عندي أنا مخ الصفحة البيضاء من الكسب البورقيبي فإن الغرور العالماني البورقيبي المتطرف جدا والقاسي جدا ضد قيم العروبة لسانا وقومية وقيم الإسلام نفسه وليس رموزه فحسب هو مخ الصفحة السوداء للكسب البورقيبي. هو عندي أنا زعيم من أقوى زعماء العالم ولكنه عالج بلاده وشعبه ومجتمعه بحقنات ثقافية فرنسية وبلسان فرانكفوني قل جدا أن يكون قد عالج بهما زعيم شعبه. لو قلت أن الرجل فرنسي أكثر من الفرنسيين أنفسهم وفرنكفوني أكثر من الفرانكفونيين الأقحاح أنفسهم ما جانبت صوابا والله. الرجل تورط في وأد الإسلام نفسه صراحا بواحا جهارا نهارا. الرجل إنصهر في الفلسفة الغربية شقها الرأسمالي فحسب طبعا إنصهارا عجيبا وإنفعل بها إنفعالا يندر جدا أن يوجد له نظير. الرجل يعتقد إعتقادا جازما أن الإسلام مشكلة في وجه النهضة كما يراها هو وليس حلا أبدا. الذين يدافعون عن الرجل هنا في هذا المحور إما أنهم مثله أو أنهم كذبة فسقة. الرجل يصرح مرات ومرات بأنه يعمل على إلحاقنا بأمنا الحنون فرنسا. هل نصدق القائل بعظمة لسانه أم نصدق المدافعين عنه. ولكن يظل الرجل صادقا في مشروعه الفكري الجامع فهو يعتقد حقا أن النهضة المعاصرة المنشودة لتونس لا تتم إلا بإستبعاد الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ولو لم يحسب في ميزانه الأسود هنا سوى تعطيله لأول معلم إسلامي علمي شامخ في الأرض بعد الحرمات الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها جامع الزيتونة لما أسعف مسعف نفسه أن يدافع عنه. ولازلت أعتقد إعتقادا أن تونس هبة الزيتونة بمثل ما إن مصر هبة النيل.
2 بناء نظام سياسي فردي.
الذين يحبون بورقيبة كاتب هذه الكلمات لا يحبه ولكنه يحترمه ويقدر جهده ويحصي كسبه الإيجابي ولا يجد في نفسه أي غضاضة أن يعترف بفضله سيما أنه قد واراه التراب وأفضى إلى ما قدم حبا عقلانيا مؤسسا لا يسعهم إلا أن يطرحوا هذا السؤال : كيف إستطاع بورقيبة أن يجمع في فؤاده بين أمرين متناقضين تناقضا صارخا وهما : إستيراد الثقافة الغربية بحلوها ومرها معلبة من جهة ومن جهة أخرى عدم إستيراد الديمقراطية السياسية والحريات الإعلامية وبقية مكونات المشهد من الأرض نفسها التي إستورد منها تلك الثقافة؟ أليست الديمقراطية نفسها ثقافة ومنهاج قيادة وأسلوب إدارة؟ هذا السؤال محرج جدا لمن يحبون بورقيبة. الذين يدافعون عن الفردية البورقيبية التي عمرت ثلاثة عقود كاملة لا يؤمل من أي واحد منهم أن يكون يوما في حياته ديمقراطيا. بورقيبة لم يكتف بالفردية السياسية وإلغاء كل مكونات المشهد الديمقراطي بل تعدى ذلك إلى خنق الحريات خنقا عجيبا وتصفية المعارضين بالذخيرة الحية صالح بن يوسف مثلا فضلا عن قهر المعارضين بالسجون والمنافي من مثل الزواتنة واليوسفيين والنقابيين والشيوعيين والإسلاميين ولم ينج منه تقريبا إلا الليبراليين ربما بسبب موقع صهره المرحوم حسيب منهم. لم يبلغ إستبداده السياسي ما بلغه أكثر الرؤساء العرب ولكن بورقيبة يلام ويعاتب بسبب حمله لمشروع فكري جامع وبسبب إستناد مشروعيته لأرض إستورد منها الثقافة فأنى له أن ينتقي منها ما يناسب مشروعه ويدع ما يناسب مجتمعه لينشأ نشأة ديمقراطية حرة تيسر له نهضته.
بقيت مسألتان.
1 مجلة الأحوال الشخصية.
هي إحدى القوانين والأدوات التي سخرها لخدمة مشروعه. والحقيقة أنها لولا أمرين فيها فحسب لكانت إسلامية تقدمية قحة. إذ أجاز فيها التبني بتبعاته القانونية من ميراث وزواج وغير ذلك وليس مجرد كفالة إجتماعية وهي الكارثة التي جعلت بعض التونسيين يتزوج بعضهم بعضا زواجا محرما وقد أظهرت التحقيقات شيئا من ذلك. كما منع فيها تعدد الزوجات منعا قانونيا صارما وباتا وليس مندرجا ضمن تقييد المباح الذي جاءت به الشريعة الإسلامية ولو عمد إلى ذلك لخلص نفسه من ورطة مثل هذه. والبون شاسع بين مباح يقيد لدرإ مفاسد وبين مباح يمنع بالجملة والتفصيل ليكون بالنتيجة العملية محرما من المحرمات. ولو تخلصت مجلة الأحوال الشخصية من ذينك الأمرين فحسب لكانت قانونا عربيا إسلاميا رائدا بل مؤشر نهضة وعلى كل حال كان لها كسبها الكبير وكان لها سوؤها الكبير كذلك.
2 حركة النهضة.
ربما أكون من القائلين اليوم إن كان هناك من قائل بهذا أن حركة النهضة لو إستقبلت من أمرها ما إستدبرت ما كان ينبغي لها أن تؤجج الخلاف مع بورقيبة وخاصة بدء من سنة 1986 حتى سقوطه عام 1987 إلى خط اللاعودة إذ أن خط اللاعودة حمل حلفاء النمط السياسي المجتمعي التونسي الذي صنعه بورقيبة نفسه على إنقاذ بورقيبة من بورقيبة سوى أنهم ربما تعجلا أدركوا بعد سنوات أن حصان طروادة الذي إختاروه لم يكن بقيمة حمار أدبر. ذلك يعني أن أكبر خاسر ضمن التوازنات الواقعية السائدة من ذهاب بورقيبة هي تونس أولا والنهضة ثانيا وذلك بسبب أن الفردية البورقيبية كانت تتيح للحركة هامشا من الحرية المتردية والمنطوحة فلما رحل الرجل سياسيا ماتت السياسة بالكلية كما قال السياسي التونسي حيدر إبراهيم عام 1991. ذلك درس إستوعبته النهضة حق الإستيعاب ولكن الذين كبروا سنا ولم ينضجوا عقلا مثلهم مثل الذين لم يعايشوا تلك الأيام أي بسبب صغر سنهم فأنى لهم أن يعالجوا الواقع السياسي اليومي بألم الأمس وجراحاته. لا يعاب على النهضة قيامها على ملف الهوية الذي بنى بورقيبة مشروعه على أنقاضه بالكلية بل ذاك فخر لها ورصيد لا ينسى. ولكن المعالجة التي لا تحسب حسابا تهوى فيه البلاد بأسرها وليس الهوية فحسب لا تكون معالجة حصيفة في العادة.
بورقيبة صفحة من تاريخ تونس.
حري بشباب اليوم أن يقبل على تلك الصفحة المثيرة من تاريخ بلاده بالدراسة فالتاريخ مرآة الحاضر كما يقولون وهو ذاكرة الجيل فما بورقيبة بشيطان أخرس لا يفاد من تجربته بشيء ولا هو بملاك أطهر نستورد منه كل شيء. هو رجل خلا له ما كسب وعليه ما إكتسب. ذاك ميزان الرجل في نظري وإني رغم تنكباتي لأكبر من أن أتطفل على ميزانه عند ربه سبحانه. ذاك تأل نسأل الله منه السلامة.

والله أعلم.
الهادي بريك تونس
28420944
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.