القصرين.. القبض على شخصين بشبهة الانتماء إلى تنظيم إرهابي    الصومال.. مقتل 6 أشخاص بتفجير استهف حافلة بالعاصمة    سوسة: سرقة محطة تزويد بالوقود    ابوذاكر الصفايحي يتذكر ويذكر: من اجمل الأمثال والحكم التي قيلت في الأم    فيروس كورونا.. غدا انطلاق إجراء التحاليل السريعة للإطار الجامعي والطلبة    رفع عينات ل 6 أفارقة إجتازوا الحدود التونسية بالڨصرين    لأول مرة منذ سنة ونصف.. تسجيل ارتفاع في نسبة البطالة    سليانة.. القبض على شاب بصدد ترويج مادة مخدرة    3 عناصر متطرفة تهاجم جلسة خمرية بساطور    نجل حسن حسني يكشف سبب وفاته ويروي تفاصيل لحظاته الأخيرة    الجيش المصري يوجه ضربات جديدة للعناصر الإرهابية بشمال سيناء    الجامعة التونسية لكرة القدم تتكفل بإتمام أشغال إنارة ملعب المتلوي    مواعيد مباريات مرحلة التتويج لبطولة الرابطة المحترفة الثانية    عجوز ال110 عام تتغلب على فيروس كورونا    هل يسحب الكاف كأس السوبر من الزمالك بسبب قضية الوداد والترجي؟    تحوير ظرفي لمسالك خطوط النقل العابرة لساحة باردو يبدأ غدا الاثنين    تعرض منزل رياض محرز الى سطو مسلح    العاصمة/ حاولا اختطاف فتاة من خطيبها وتحويل وجهتها    محمد الهنتاتي يكشف فضائح مالية وجنسية لسيف الدين مخلوف    ماكياج صيف 2020..ألوان أحمر شفاه    جربة: جمعية مدى للمواطنة تكرّم مجموعة من الأطفال    جربة: جمعية صيانة الجزيرة تطالب بوقف طلاء المساجد بألوان غريبة    اليوم.. تونس تحتفل بعيد الأمّهات    سيدي بوزيد.. فلاحو منطقة أم العظام يطالبون السلطات بجبر الاضرار التي لحقت ضيعاتهم جراء تساقط البرد    وكالة السلامة المعلوماتية تحذر من ثغرات على نظام «أندرويد»    جندوبة : العثور على جثة مجهولة الهوية بمحطة القطارات    صلاح الدين المستاوي يكتب لكم/ شهر رمضان لهذا العام شهر تميز بالاستفادة و الإفادة رغم الحجر الصحي    في البدء..من يوقف حرب المصالح في ليبيا؟    المسالك الجديدة للحافلات العابرة لساحة باردو    ليبيا...مخاوف من تكرار السيناريو السوري    إصابة واحدة جديدة بفيروس كورونا في تونس    اتّهمته ب«الإنحياز» للوداد...جماهير الترجي تثور على رئيس ال«كاف»    منحرف حاول افتكاك سلاح امني امام مقر اقليم سوسة وهذا ما جاء في اعترافاته    مرتجى محجوب يكتب لكم/ سيدي الوزير : يمكنك البقاء في فرنسا !    أخبار النادي الصفاقسي : كاتب عام «سوسيوس» ينفي توتر العلاقة مع الهيئة    احتجاجات عنيفة في أمريكا: استدعاء للجيش واعلان حظر التجول    القصرين/ الاطاحة بداعشي كان يتدرب على كيفية صنع المتفجرات    حزب العمال يؤكد رفضه لأي وجود عسكري أمريكي في تونس    قضية سامي الفهري: جمعية القضاة تطالب بإرجاعها إلى الرئيس الأول لمحكمة التعقيب    بعد قراراتها الأخيرة...دعوات للاستنجاد بالشارع لإسقاط هيئة الإفريقي    مثلما كان متوقعا...محمد العربي يترشح لرئاسة الرابطة «المُحترفة»    كورونا: أكثر من 6 ملايين مصاب في العالم والوفيات تتجاوز 367 ألفا    طقس اليوم.. سحب رعدية بهذه الولايات    مصر.. حبس فتاة "تيك توك" 4 أيام على ذمة التحقيق    عدم خلاص مستحقات فنّانين في الأعمال الدرامية    وداعا حسن حسني    يوميات مواطن حر : لباس الفخامة من فخامة الشخصية    القلعة الخصبة: تساقط البرد يخلّف أضرارا فادحة في مزارع الحبوب والأشجار المثمرة    أبو ذاكر الصفايحي يذّكر ويتذكر: سطورو كلمات في عيد الأمهات    يوميات مواطن حر: ضاعت بوصلتي في يمّ ذاكرتي    قفصة: القبض على 4 اشخاص واسترجاع مسروق من المصوغ بقيمة تجاوزت 60 مليون    حجز كراسات مدعمة ومواد غذائية    تعديلات ظرفية على خطوط الحافلات والمترو    محمد العربي الرئيس الحالي للرابطة المحترفة لكرة القدم يترشح لخلافة نفسه    حجز وتحرير محاضر ومخالفات في حملات للشرطة البلدية    وفاة الفنان المصري الكبير حسن حسني    تراجع ب28 بالمائة في عائدات النقل للخطوط التونسية    العمل أسمى أنواع العبادة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رسالة من موسكو : عندما نأكل مع الجثث
نشر في الوسط التونسية يوم 22 - 01 - 2008

الساعة تشير إلى الخامسة صباحا . هذه الصبيحة مظلمة والمكان قاتل. رأيت وكأنني دخلت قلب المدينة التي زرتها أكثر من مرة، لكن سنوات عدة أصبحت تفصلني عن آخر زيارة لها. لم أنس أنني كنت هناك، قرب علاماتها و حروفها، أمام بعض الوجوه التي كانت في يوم ما موجعة. عثرت عن مكان غيروا اسمه من حانة الحرية إلى مقهى الناس. كان صديقي في زاويته المعهودة . وبالرغم من أنني لم أتبادل أطراف الحديث معه منذ أكثر من عشرين عاما، تعرفت على وجهه. الزمن يمر بسرعة ويفعل فعلته حتى يخلق فينا الإحساس بأننا أحياء ونعيش ككل الكائنات. آه ، كيف اشتعل رأسه شيبا. تغيرت ملامحه ، لسانه مازال محافظا على حرارته . قبلت جبينه و قلت له:
هل تذكرت ملامحي أيها الشيخ ؟
أجابني بضحكته المعهودة بعدما فتح فاه وارتسمت على أسنانه المصفرة ثلة من الذكريات:
أين تلك البذلة التي كنت تحملها عل جسدك النحيف أيام العربي و فطومة ؟ أين المصباح الجميل ؟ ربما ضيعته ؟ ستنزعج جدتك و سترتفع جثثها إلى السماء حتى ترى كتب القدماء تنادي بالخلاص.
ناديته بلقبه الذي يعرفونه الكثير من أحباب الهوى. أجابني بلطف :
هو أنت مرة أخرى...تتبع خطواتي .....آه عليك يا العفريت !
نعم، أنا لكن لست أنا الذي تعرفه أقدامك و صوتك...
لماذا أتيت إلى هذه المقبرة ؟
لقد قررت العودة ...
أصبت بمرض لن يعالجه إلا الحكماء، و أين هو حكيم زمانك في هذا العالم !
مرضي هو عودتي الضالة و الموت شهادتي الأولى و الأخيرة .
تفضل يا المسخوط. الجلسات هنا لها طعم خاص ممزوج بموسيقى تسمع لأول مرة قبل توزيعها على الورق !
غريب أمركم هنا، لكن قل لي ما حكاياتك الأخيرة ؟
كيف أبدأ و كيف سأنتهي ؟
ما أخبار عائلتك أطفالك و زوجتك ؟
لقد تركتهم ... لم أراهم منذ سنوات. الوجوه أصبحت قبيحة ولا تترك لنا فرصة للنظر في المرآة والاستمتاع بأقرب الناس . أبحث الآن عن شيء اسمه ما وراء الحياة.
وهل اكتشفت ملامحه ؟
مازلت في طريقي إلى مكانه. أجلس على الجمر، أضحك مع النادمين و السكارى و أبكي مع سعداء الزمن المقلوب طيلة النهار.
قضاء ساعات في هذا المكان يعد أمر عجيبا. أحس وكأنني قضيت هنا عقودا من الزمن . لم أقاوم النظرات التائهة. اضطررت إلى تقبيل جبين صديقي مرة أخرى .رائحة شعره كانت تشبه رائحة الزعتر . همست في أذنه :
أودعك سيد الشيخ، لو عرفتك أنك تحب الكلام المعسول، لطردت اللعنة ومكثت في غرفكم الجميلة إلى الأبد.
غادرت المكان من جديد . أتسكع في شوارع هذه المدينة المجنونة حتى أصبحت الكلاب تعرفني . أتمحص في كل شيء ، دروب آيلة للسقوط ووجوه تشير إلى ألف علامة ودليل . كدت أضيع في مساحة المعاني، لولا أنني التقيت صديق يبدو لي أنه مريض جدا. لقد تذكر ابتسامتي وحركة عنقي عندما أحركه إلى الخلف. عندما رآني ،ردد تلك العبارات التي كنت أطلقها كالبارود ،عندما أصل إلى ذروة النشوة رفقة علال و المعطي و المجموعة . طرقت باب بيت الصديق المنسي. قال لي وهو فرح بقدومي :
أه ، كم من قبة تزار و صاحبها حمار !
أخذني بين ذراعيه مُرحبا بقدومي. كان معطفه ساخنا تنبعث منه رائحة الحنان. كان واثقا من نفسه و كأنه يعرف كل شيء عن زيارتي. حملت الخبر الذي كانت تضعه أمه بين ثدييها. ساعدت أبوه في الوقوف والجلوس على كرسي متآكل اغتالته الرطوبة. ناداني الأب اللطيف :
ألف مرحبا . ستأكل معنا اليوم العدس !
المكان ضيق جدا . خال من كل شيء ضروري للعيش. يوجد فقط صحن يتيم على الأرض و قطع ضائعة من الخبر اليابس. أما كأس الماء فكان فارغا يتنزه فوقه الذباب. سألت نفسي ربما أعثر على الجواب الشافي:
ولماذا سيرقص الذباب فوق الكأس بعيدا عن العدس ؟
لم استمتع بأسئلتي التائهة . صديقي طلب مني أن أضع يدي مع الجماعة. الأب رد عليه بصوت فيه هبة فريدة:
إن الله مع الجماعة .
لم أتردد في النطق و الكلام . خرجت الألفاظ من غير سابق إعلان :
ذكرياتكم لم تندثر. أصواتكم مازالت ترن في نفسي . لقد سألت عنكم ألف مرة وأنا هناك . قالوا لي بأنكم رحلتم عن البيت وتركتم لعنة الجرذان . أما حالكم فظل على ما هو عليه . لم تتغير أمور كثيرة في هذا البيت . كنت أود أن أقول أشياء ، لكن المكان و الزمان و هبة الأب لا تسمح بذلك...كنت أود أن أفصح عن حقائق تهم ابنهم الذي لم يعثر على عمل و قرر الزواج لتجديد النسل، قبل ترك زوجته و ابنه. إنه يحلم بالهجرة خارج مدار بلدته. لقد فضل أن يبيع القارورات الزجاجية الفارغة ،بدلا من بيع ضميره أو الوهم لبعض الجبناء !
العدس أنساني لذة الحديث واستنشاق هواء التاريخ ،في بيت مغمور بالحب و العشق الأبدي . انتهى زمن الأكل و الكلام وجاءت لحظة الوداع النهائي. لقد قبلوني جميعا قُبلا سمعت أصواتها خارج الدار ! كانت اللحظة قاسية وكأنها المرة الأخيرة التي سأرى فيها هذه العائلة . لم أتحمل العبارات . سقطت بعض الدموع الباردة على وجنتي ،وأنا قرب الباب الخلفي للبيت . كانوا كلهم ينظرون إليَّ و كأنني قمت بعمل يتناقض مع القواعد و التقاليد المحلية. بدأت أتمايل، قصدت مكان ما في المدينة دون أن أعرف وجهتي.
كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساء بالتوقيت المحلي لمدينة برلين . نهضت على صوت موسيقى موتسارت الذي اخترق جدران غرفتي .فتحت الباب قصد التأكد من ظلام الليل. حملت صورة أبي على كتفي ثم ألقيت بنفسي فوق السرير وكأنني استسلمت لصور الموتى. اكتشفت أنه مازال في نفسي قليل من رائحة الجثث التي شربت معها و أكلت عدسها و قبلت وجوهها الملساء. قررت دخول الحمام عسى أن أغتسل و أتخلص من رائحة يعشقها الكثيرون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.