سمير الوافي يرّد على اتهامات ضيفه''عادل'' بعد برنامج الوحش pro max    كندا: مقتل 10 أشخاص في إطلاق نار بمدرسة ثانوية    عاجل/ إطلاق نار في مدرسة بكندا..وهذه حصيلة الضحايا..    رئيس هذه الدولة يُعلن نجاته من محاولة اغتيال..شكون؟    الطقس اليوم.. أمطار متفرّقة ورعدية تشمل هذه المناطق..#خبر_عاجل    عدوّك تحت المخدّة! سبب صادم وراء الشخير واضطراب النوم    عامر بحبة: الأمطار ستكون يومية وخاصة نهاية الأسبوع مع انخفاض درجات الحرارة    السعودية: الملك سلمان يدعو إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع مناطق المملكة    وثيقة تعيد ترامب إلى قضية إبستين    تطاوين : وزير البيئة يتفقد المصب النهائي للنفايات بحي المهرجان ويعلن خططًا لتثمينها وتحسين الوضع البيئي    استزراع الاعشاب البحرية لحماية السواحل من الانجراف البحري من بين حلول قدمتها ورشة اختتام مشروع "اوريونتايت. تي ان" بجربة    ترامب يلوح ب"أسطول ضخم" قرب إيران: عدم إبرام اتفاق سيكون حماقة من الإيرانيين    تعزيز مقاربة "الصحة الواحدة" بين تونس ومؤسسة ميريو الفرنسية    هجوم أمريكي غير مسبوق.. سيناتور يتوعد مصر وتركيا وقطر    إطلاق «سينما الأجنحة الصغيرة» في غزّة .. عندما تتحوّل السينما إلى مساحة شفاء وأمل لأكثر من نصف مليون طفل    بالمسرح البلدي بالعاصمة .. الموهبة فريال الزايدي تسحر الجمهور بعزفها على البيانو    عاجل/ رفض الإفراج عن هذا القيادي بحركة النهضة..    أمطار يومية ورياح قوية منتظرة: عامر بحبّة يوضح تفاصيل التقلبات الجوية    عاجل/ انقلاب شاحنة مخصّصة لنقل الفسفاط..وهذه التفاصيل..    قبلي .. ستيني ينتحر شنقًا    بسبب سوء الأحوال الجوية .. تعديل في برمجة السفينة «قرطاج»    مع الشروق : متى يتعب العرب والمسلمون من الشجب والتنديد والإدانة؟    مكتب «اليونيسيف» بتونس يحذّر ... الذكاء الاصطناعي... خطر على الأطفال    الإطار التشريعي للكراء المملك في الجلسة العامة    عاجل: بطولة فزاع الدولية: البطل ياسين الڨنيشي يُهدي تونس الميدالية الذهبية    مقترح قانون البنك البريدي..تفاصيل جديدة..#خبر_عاجل    عاجل/ بشرى سارة لأحباء النادي الافريقي..    عاجل: بسبب عطب مفاجئ: انقطاع المياه بهذه المعتمديات في ثلاث ولايات    قناة "تونسنا" تطلق "هذا المساء وصابر الوسلاتي أول الضيوف    رامز جلال يكشف عن''رامز ليفل الوحش'' لموسم رمضان    هطول كميات متفاوتة من الامطار خلال ال24 ساعة الماضية    رؤية هلال رمضان مستحيلة...علاش؟    كيفاش تؤثر الخضروات المُرّة على صحة جهازك الهضمي؟    عاجل/ قرار بغلق معصرة في هذه الجهة..    8 رياضيين يمثلون تونس في منافسات كأس إفريقيا للترياتلون بمصر    ورشة عمل يوم 13 فيفري بتونس العاصمة لمرافقة المؤسسات التونسية في وضع خرائط طريق للتصدير لسنة 2026    شكون كريستيان براكوني مدرب الترجي المؤقت؟    لقاء فكري بعنوان "الملكية الفكرية في مجال الفنون البصرية" يوم 13 فيفري بمدينة الثقافة    طبيب مختص يحذّر من تناول مُنتجات الألبان غير المُبسترة واللّحُوم    الدورة الثانية لمعرض 100 بالمائة هواري من 12 الى 15 فيفري 2026 ببهو دار الثقافة بالهوارية    جندوبة: مواطنون يعربون عن قلقلهم من تزايد حوادث الطرقات بالطريق الوطنية رقم 7 على مستوى معتمدية طبرقة    تظاهرة ترفيهية وتثقيفية لفائدة تلاميذ المدرسة الابتدائية "مركز والي" بصفاقس يوم 12فيفري 2026    سيدي حسين: القبض على المشتبه به في سلب ''حماص'' بعد تداول فيديو    عاجل-باجة: اكتشافات أثرية ب هنشير الماطرية تكشف أسرار المعبد الروماني    لأول مرة : درة زروق تكشف تفاصيل دورها في مسلسلها الرمضاني    حجز 3 أطنان من البطاطا بمخزن عشوائي..#خبر_عاجل    شوف شنوّة ال3 سناريوهات الي تحدد أول أيام رمضان...الأربعاء أم الخميس؟    دُعاء العشر الأواخر من شعبان    عاجل: فريق تونسي جديد يطلق صافرة الإنذار بسبب التحكيم    بُشرى للتوانسة: سوم الحوت في رمضان باش يتراجع    قبل رمضان بأيامات: شوف سوم الحوت وين وصُل    عاجل/ فاجعة معهد بورقيبة: الناطق باسم محكمة المنستير يفجرها ويكشف..    صدمة صحية: آلاف التونسيين لا يزالون يعالجون الصرع بالطرق الخاطئة    الرابطة الأولى: فريق جديد يحتج على التحكيم    بطولة كرة اليد: كلاسيكو الترجي الرياضي والنجم الساحلي يتصدر برنامج الجولة ال11 إيابا    أبرز ما جاء في لقاء رئيس الدولة برئيسة الحكومة..#خبر_عاجل    عاجل/ تقديرات فلكية تحسمها بخصوص موعد أول يوم من شهر رمضان..    توزر: تسارع التحضيرات لشهر رمضان في المنازل وحركية في المطاحن التقليدية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعلان دمشق.... آراء ومواقف عربية / د.منصف المرزوقي

ترك إعلان دمشق أثراً إيجابياً عند انطلاقته في الأوساط العربية بحيث يمكن رصد ذلك من خلال ردود الفعل التي صدرت في المشرق والمغرب، والاتصالات التي أجراها عدد هام من المثقفين العرب مع المعروفين من إعلان دمشق. وقد تجسد هذا الموقف بشكل واضح في إشارة تقرير التنمية العربية الرابع الذي أعطى للإعلان دمشق حيزاً واضحاً.
ويمكن القول أن النقاش العربي حول إعلان دمشق قد بدأ يتضارب منذ إعلان دمشق بيروتبيروت دمشق، حيث أعرب أكثر من عشرة كتاب عرب عن احترامهم للإعلان دمشق ولكن نقدهم الصارم له.
ومنذ ذلك الحين يمكن القول بشكل عام أن المثقفين العرب الذين يحملون رؤية يسارية أو عروبية ديمقراطية قد زاد نقدهم أكثر فأكثر للتجربة السورية ومخاوفهم من تكرارها بشكل مسخ للتجربة العراقية على رأي أحدهم"سفياني" من هنا، من أجل فهم أفضل لهذه الظاهرة توجهنا إلى الكاتب اللبناني فيصل جلول. والتونسي المنصف المرزوقي......
شكرا لمجلة مقاربات على تشريفي بالمشاركة بهذا النقاش السوري السوري حول تقييم مسيرة إعلان دمشق . لكنني سأتهرّب بكل شجاعة من الردّ على أغلبية الأسئلة لعدة أسباب ،منها أنني لست على ثقة بمعرفة دقيقة للأشياء حتى أسمح لنفسي بإصدار أحكام معيارية. ربما هناك خوف من توسيع دائرة خصومي وهي بغير حاجة لمزيد من التوسيع. أخيرا وليس آخرا لاعتقادي أنني، إذا أردت أن أكون عنصرا نافعا في هذا النقاش الهام ، فهذا يتطلب مني أن أعين إخوتي السوريين بتمكينهم من النظر لشؤونهم بعين خارجية، قد لا تكون ثاقبة، وقد لا تكون أحسن نظرة ، لكن من مزاياها أنها تعطي للوعي مستوى جديدا . فالقاعدة أننا ننظر للعالم دوما انطلاقا من ذواتنا وبرج المراقبة هذا ليس بالضرورة أحسن برج ،ومن ثمة هناك ضرورة للاستعانة بعين لآخر وإن كانت عين السخط حتى تتضح كل المساؤى التي تسهو عنها عين الرضا.
وحتى أكون صريحا أضيف أنني أفضل عدم الخوض في قضايا اجرائية ومشاكل حزبية وشخصية ، للتركيز على الأهم وهو التحديات الاستراتجية التي تواجه إعلان دمشق لأنها نفسها التي تواجهها اليوم كل حركات التغيير السلمي الديمقراطي في أرجاء الوطن الكبير ، وما الوضع السوري إلا حالة قد تكون ...اصعب الحالات.
كيف ينظر مناضل ديمقراطي عربي من تونس تحديدا للشأن السوري وخاصة لقضية إعلان دمشق؟
يمكنني القول – أو الاعتراف- أنني أتابع تجربة المعارضة السورية وخاصة تكوين جبهة إعلان دمشق بكثير من الإعجاب ...والإشفاق...والشكّ المتزايد في مستقبله.
لنبدأ بالإعجاب الذي يشاركني فيه كما أعتقد كل العرب الذين يتابعون الشأن السوري .
هذا الشأن جزء من الهمّ المشترك ، معركة في ساحة محددة لحرب واحدة أي حرب التحرر الوطني ضدّ احتلال داخلي بغية تحقيق الاستقلال الثاني أي بناء النظام الديمقراطي على أنقاض دولة الفساد والقمع والتزوير.
الإعجاب ناجم عن الوعي بأنه لا يوجد شعب عربي تعرّض لقمع وحشي كالذي عرفه الشعب السوري تحت ظلّ أشرس دكتاتورية عربية معاصرة، قد لا تفوقها عنفا ووحشية إلا الدكتاتورية البعثية الأخرى، التي انهارت للأسف بضربات الاحتلال الأجنبي المقيت... وكم كنا نودّ أن نراها تسقط بفعل القوى الداخلية حتى لا تنبت للأشباح أنياب جديدة وقد أنست فظاعات الاحتلال فظاعاتها، وأنها كانت السبب الرئيسي لمجيئه وللكوارث التي تسبب فيها.
وإنها لمأساة فكرية وشعورية بالنسبة لوحدوي وعروبي أبا عن جد – وباق على العهد - أن تكون أبشع الأنظمة الاستبدادية هي التي تغطت برداء القومية. لا يستطيع المرء إلا أن يقف مشدوها أمام الدمار الهائل للاستبداد "القومي" في العراق وليبيا وسوريا ليس فقط على مستوى الأجساد والأرواح والقيم ومؤسسات الدولة والمجتمع، لكن أساسا على مستوى الأحلام، وقد أصبحنا نخجل اليوم حتى من كلمات الوحدة والحرية والاشتراكية.
ورغم حماة، والتعذيب، ومخادع البراءة في المحتشدات سيئة الذكر مثل تدمر، وسنوات بل عقود من القهر المنظم، فإن المجتمع السوري – الذي كان قبل وباء الاستبداد أكثر المجتمعات العربية تقدما - استطاع أن يحتفظ بجمرات تحت رماد الحريق الذي اكتسح البلاد والعباد طيلة حكم الأسد الأب منتجا قوى حقوقية وسياسية حافظت على جذوة الحرية في أصعب وأقسى الظروف. لا يستطيع المشاهد التونسي الذي لم يجرّب قمعا وحشيا كالذي عرفته المعارضة السورية إلا أن ينحني بكل تقدير أمام آلام رهيبة وتضحيات جسام وشجاعة منقطعة النظير وإصرار يبعث على موجة من الاحترام والتهيّب.
ثمة سبب ثان للإعجاب ( مشوب بشيء من الغيرة) وهو نجاح الاخوة السوريين في تكوين ما عجز عنه التوانسة والمصريون والليبيون والجزائريون ...أي تكوين جبهة سياسية واسعة من أحزاب وشخصيات وعلى برنامج سياسي. صحيح أن إعلان دمشق لم يشهد انخراط كل القوى وشهد انسحاب البعض منها . لكنه إطار غير معروف في بقية أقطار الوطن العربي. إنه أمر عجزنا على تحقيقه في تونس حيث لم تتمخض محاولات لا عدّ لها ولا حصر إلا على تكوين جبهة حقوقية تكرر نفس المطالب العقيمة لتي طالبت بها منظمات حقوق الإنسان طوال 20 سنة دون نتيجة. كذلك الأمر في مصر حيث بقيت المعارضات مفككة ومجزأة ومن ثمة عاجزة عن تأطير شارع مؤهل للانفجار في كل لحظة بحكم ما وصلت إليه معاناة الناس.
الشعور الثاني هو الإشفاق .
فالصعوبات الكبرى وراءكم والصعوبات الأكبر أمامكم والمفر غير واضح . بصراحة لن أحب أن أكون مكان إخوتي السوريين. فالدكتاتورية سواء في تونس أو مصر نظام "سهل" الاقتلاع وتكلفة العملية لن تكون باهظة. مثلا النظام في تونس هرم موضوع على رأسه. يكفي أن تأتي هزة قوية لكي يسقط على جنبه . كل رأس مال هذا النظام جيوش جرارة من الشرطة الكارهة لوضعها والواعية بأنها في خدمة عصابتي إجرام هما عائلة بن علي وعائلة زوجته ليلي الطرابلسي ...وهي لا تنتظر إلا منقذا جديدا من داخلها أو من خارجها ويومها لن يرفع تونسي واحد نصف اصبع للدفاع عن نظام ليس له سند سياسي أو طائفي أو قبلي أو طبقي . حتى العراب الأجنبي الذي يستعمل هذا النظام في حربه ضد "الارهاب" لن يجد صعوبة في قبول نظام لا يضطر للتعامل معه على استحياء. نفس الشيء في مصر حيث لا أحد يعتقد أن الجيش سيقبل بتوريث الجملكية المصرية، أو أن الأمور ستتواصل وقد بلغ إفلاس النظام أنه أصبح عاجزا عن توفير الخبز والماء .
عامل آخر يسهل على التوانسة والمصريين والليبيين التعامل مع الدكتاتوريات وهي أن هذه الأخيرة بدون شك أنظمة عميلة فوتت كل ما بقي من الاستقلال الأول مما يجعل الوطنية والمواطنية شيئا واحدا.
صعوبة الوضع في سوريا ناجمة عن تضافر عاملين: الركيزة الطائفية للنظام وورقة "الوطنية" التي يلعبها نظام مستهدف من قبل "الفوضى العالمية الجديدة "التي تقودها إدارة بوش.
كيف سيلعب المجتمع السوري ضد هذه اللعبة؟ إنها مسألة شائكة لن يكون من السهل حسمها خاصة إذا لم يكن هناك وضوح كاف في الخطاب. لست من النوع الذي يسدي النصائح – ولو أنني من الذين يقبلونها بامتنان – لكنني أودّ أن أقول لاخوتي السوريين : يجب ألا يكون هناك أدنى لبس في خصوص رفض الطائفية وكل كلام منمق يخفي وراءه ما لا يفصح هو خيانة موصوفة لمشروع التحرر. كذلك لا بدّ أن يكون الموقف من ورقة " وطنية" النظام خاليا من كل لبس. فلا مجال للمفاضلة بين الاستبداد والاستعمار لأنهما وجهان لنفس قطعة النقد.
يجب ألا يكون هناك أي لبس بخصوص الرفض القاطع للتعامل مع الاستبداد الخارجي الممثل اليوم في الإدارة الأمريكية والانخراط في أي من ألاعيبها ويكفي ان تكون هناك تجربة عراقية واحدة.
وبنفس الصرامة يجب رفض مفهوم " وطنية " النظام ، لأنه لا وطنية اليوم إن لم تكن مواطنية، وخارطة الوطن في فهمنا الجديد تمرّ على جسد كل مواطن لأنه هو لا غير الممثل الشرعي والوحيد للوطن، ومن ثم فإن الخيانة الوطنية ليست التعامل مع الأجنبي بقدر ما هي التعامل مع المواطن-الوطن، بالوحشية والترويع والتسلط والاستنزاف وكل موبقات النظام الاستبدادي.
السؤال كيف يمكن التوفيق بين الأمرين، مثلا لو تعرضت سوريا لاعتداء خارجي واستنفر النظام حوله الشعب لاعبا مرة أخرى ورقة وطنيته المزعومة . بالطبع لا جدال أن على كل الديمقراطيين الوقوف في وجه الاعتداء لكن مع التأكيد أكثر من أي وقت مضى على أن ما يدافعون عنه عنه هو المواطن – الوطن ، أو وطن المواطنين وليس نظاما لن يكتسب أي شرعية بهذه المواجهة مع الخارج لأن خيانته للشعب وحقوقه المشروعة متأصلة فيه ويجب أن ترحل معه.
آتي هنا للنقطة الثالثة وهي الشكّ المتزايد بخصوص الاستراتجية التي يعتمدها إعلان دمشق.
هذه الستراتجية مبنية على السعي للتغيير الديمقراطي بالأسلوب السلمي التدريجي.
السؤال هل هذا مشروع قابل للتحقيق أم هو وهم إضافي سيضاف لقائمة الأوهام التي جرينا وراءها طوال حياتنا وأدت بنا إلى الطرق المسدودة وخيبات الأمل التي عرفنا ولا نزال نجرّب لوعتها.
نقرأ في وثيقة التأسيس أن " إقامة النظام الوطني الديمقراطي هو المدخل الأساس في مشروع التغيير والإصلاح السياسي ويجب أن يكون سلمياً ومتدرجاً ومبنياً على التوافق ، وقائماً على الحوار والاعتراف بالآخر"
لننطلق من كون الخيار السلمي لإقامة النظام الوطني الديمقراطي خيار مبدئي غير خاضع للنقاش ومن لا يقبله مطالب بالبحث له عن إطار آخر.
لكن أن يكون التغيير متدرجا ومبنيا على التوافق والحوار والاعتراف بالآخر (أي اساسا السلطة) فقضية تكتيكية يجب تفحصها بتمعن للتأكد من صلاحيتها. وليس من الواضح أن الاتفاق حولها سيكون سهلا.
لنبدأ بقضية الإصلاح المبني على التوافق والحوار والاعتراف المتبادل. هذا الإصلاح مثل الزواج لا يكون إلا بتفاعل طرفين. ماذا يبقى من المشروع إذا رفض الطرف الآخر "الزواج" والإنسان لا يمكن أن يتزوج من نفسه . الحل الوحيد ، إذا أردنا التمسك بنفس المنظومة الفكرية ، هو التحلي بمزيد من الصبر وتكثيف الضغط المؤدب ومواصلة الإلحاح ليقبل الطرف الآخر يوما ما بالإصلاح بعد أن يهديه الله إلى سواء السبيل ، أو أن تتغير الظروف. ها قد تحول المشروع من الإصلاح إلى مشروع الإقناع بالإصلاح.
وفي الأثناء ، كيف سنقنع الشعب المقهور، الجائع، الضحية المزمنة، بمصداقيتنا ونحن نتلقى اللطمات وأقصى ما نفعل الاحتجاج عليها بدل مواجهة لاطم نعرف جميعا أنه يخاف ولا يستحي؟
كيف سنصبح طرفا مقبولا لدى هذا الجبان العنيف الذي لا يستحي وبأي طريقة عقلانية سنقنع هذا المخيف الخائف بالدخول معنا في زواج إصلاحي سيؤول على الوطن بالبنين والبنات من المؤسسات الديمقراطية الحديثة وليدة مثاليتنا حسن استعداده.
نعم ماذا نفعل إذا أصرّ الطرف الآخر ليس فقط على رفض الإصلاح وإنما على المضي قدما في مشروعه الدكتاتوري؟
إنه الجدار الاسمنتي الحديدي الذي يرتطم به المشروع الإصلاحي والذي يحاول أصحاب الخيار إسقاطه حتى لا يفقدوا ثقتهم في مقومات وجودهم .
صعوبة هامة أخرى في هذا الخطاب العام لم يسلم منها النموذج السوري : التدرّج .
كيف سنتدرّج في بناء النظام الديمقراطي على افتراض أن هناك في الطرف المقابل من سيقبل بمحاورتنا بغير البوليس والقضاء.
ركائز النظام الديمقراطي أربعة : استقلال القضاء والحريات الفردية والحريات العامة والتداول السلمي على السلطة عبر انتخابات (لا يجب أن تعرف بأنها كذا وكذا وإلا صارت شبهة).
كيف سنتدرّج مثلا في تحقيق ركن استقلال القضاء ؟ هل سنقبل بأن يبقى فاسدا للعشر سنوات الأولى ؟ كيف سنتدرّج في بند الانتخابات : هل سنعطي السلطة – كما طلب ذلك البعض في تونس في الثمانيات- آليا الحق في ثمانين في المائة من مقاعد البرلمان ونأخذ الباقي ( حتى نطمئن سيادتها فلا تقلق على مصيرها ) وبعدها نتفاوض كل سنة حول المقاعد المتروكة للمعارضة ، والشعب يفتعل الذهاب للتصويت. ماذا بخصوص الحريات ؟ كيف يكون التدرج في حرية الصحافة ؟ هل سنمنع باتفاق ضمني الحديث في فساد العائلة المالكة والباقي مسموح به؟
إن لم يكن هذا هو التدرّج فما المقصود به؟
ليتأمل أصحاب هذا المفهوم الغريب من كل جوانبه وسوف يكتشفون أنه لا يستقيم، فالديمقراطية هيكل متكامل الأجزاء وهذه الأجزاء لا تكون إلا بوجودها معا وفي نفس الوقت وفي تناغم . مما يعني أن الديمقراطية موجودة أو غير موجودة و التدرج هو الاسم الآخر لديمقراطية مغشوشة و خدعة حرب استعملها الاستبداد لخداعنا ونستعملها اليوم نحن في محاولة يائسة لخداعه.
الكل يعلم أن أي إصلاحات حقيقية يجب أن تكون في مستوى اللب لا في مستوى القشور وإنها إذا كانت جوهرية فإنها ستفتح الباب أم سيل المطالب المعلقة منذ قرون والممنوعة بسدّ القمع، وأنّ فتح هذا الباب فلن يغلق إلى أن تذهب الأمور إلى نهايتها. كلنا ندرك هذا والاستبداد الخائف أول من يدركه، فلماذا نصرّ على استعمال كلمات لا معنى لها ولا مستقبل.
يخطئ من يتصور أنني أدعو هنا لخطاب راديكالي نتيجة تطرف فكري أوتشنج عصبي يجب أن يواجه بالحكمة والتعقل والوسطية وكل هذه الكلمات المنمقة التي تخفي وراءها ما تخفي.
فالسياسة كسياقة السيارة. يجب أن تتوجه إلى حيث تريد أن تتوجه عبر رؤيا واضحة للطريق وللعقبات . يجب أن تكون حريصا على روحك و أرواح الناس ، منتبها لقدراتك وخاصة لحالة الطريق . هذه الحالة لا تحدد الهدف طبعا (بناء نظام ديمقراطي بالوسائل السلمية) ، لكنها تحدد السرعة وظروف السياقة التي قد يكون منها التوقف على قارعةالطريق وانتظار مرور عاصفة أو إعياء مفاجئ يتطلب اغفاءة قصيرة . الخطأ أن تسرع في مدينة مكتظة ،أو أن تدخل السيارة الطريق في تردّد فتتسبب في حوادث قاتلة.
المطلوب إذن ليس الاستسلام لمزاج وطبع وأهواء وعواطف وإنما الردّ الذكي على سؤال واحد : كيف تكون السياقة السليمة الآن وهنا .
وهذا سؤال لن يفلت منه أحد ، لا في سوريا ولا في تونس أو مصر أو ليبيا الخ . نعم كيف تكون "السياقة" عندما تواجهك دكتاتورية خائفة و متعنتة ترفض كل حوار وكل إصلاح لأن الشروط الذاتية والموضوعية لمثل هذه الإصلاح غير متوفرة.
مشكلة أخرى لا ينتبه لها الخطاب الطوباوي عن الإصلاح والتدرج ، وهو أننا أولا في سباق مع الزمن الذي يدمّر كل يوم شيئا ما من وطن يخرب بصفة متسارعة ، وحلّ الانتهاء من كل هذا البؤس بالعنف.
من لا ينتبه اليوم أننا دخلنا على امتداد الوطن العربي في حالة حرب أهلية ساخنة أو باردة ، متفجرّة أو تتأهب للانفجار وأن المقاومة المسلحة تقدمت شوطا بعيدا هنا وتراجعت هناك ، لكن المستقبل لها إن لم نفعل شيئا .
كل هذا مجددا لأنه لا وجود عند الطرف المقابل لأي رغبة وخاصة لأي قدرة على إعلان السلام وطلب المفاوضة مع الممثلين الحقيقين للمجتمع حول الحل الوسطي الوحيد المثالي: نقل السلطة للشعب مقابل عدم المحاسبة ومصالحة على طريقة جنوب افريقيا عندما صفت احتلالها الداخلي .
الخيار إذن في ظل الهروب إلى الأمام الذي يمارسه النظام السياسي العربي الفاسد، وتنامي المقاومة المسلحة، وخاصة في ظل تزايد الفقر الذي يشمل اليوم 62 % من أمتنا وظهور شبح الجوع ، هو أن نكون أو لا نكون ، اقصد كحركة سياسية مدنية .
إذا أردنا ألا نكون فالطريق هو مواصلة تسجيل الحضور السياسي بخطاب سريالي يطالب من حيوانات كاسرة مرعوبة أن تتخلى عن معاقلها ويحاول طمأنتها بكلمات معسولة وكأنه يمكن ترويض الكواسر بسكاكر حلوى ملونة ...أو القطع النهائي مع الاستبداد ورفض كل شرعية له والتنظم كمقاومة مدنية سلمية والتوجه بالخطاب السياسي للناس لا للسلطة والقبول بأن تكون التضحيات التي سندفع ثمنها في كل الحالات هي في خدمة التوجهات الوحيدة التي يتطلبها الوضع المسدود والتي يمكن أن تعطينا شرعية ومصداقية لدى الرأي العام .
وحتى هذا ...قد يكون جاء متأخرا .
ومع هذا لا خيار لنا جميعا غير الثبات والمواصلة.
- *مفكر وناشط حقوقي تونسي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.