جمال ريان في ذمة الله    خالد بن يحي مدربا جديدا لمولودية الجزائر    كأس الكونفدرالية الإفريقية (ذهاب ربع النهائي) مانييما الكونغولي يفوز على اتحاد الجزائر 2-1    بين سيدي بوزيد والمكناسي.. وفاة شخص واصابة آخر في حادث مرور    التعاون التونسي التايلاندي: فتح باب إلى الترشح لنيل جائزة في مجال التمريض والقبالة    بينهم اطفال.. ايقاف 30 شخصا يحدثون الهرج في محيط جامع عقبة بن نافع اثناء الصلاة    ابتسم أكثر... 10 فوائد صحية قد تفاجئك    دراسة تكشف: اضطراب الساعة البيولوجية قد يقود إلى السمنة والسكري    الترجي يعلق على ايقاف مروجي تذاكر مزورة وينبه    بعد احتجاجات ليلية: استئناف حركة المرور بمعبر راس جدير    البريد التونسي: مليون شخص قاموا بتنزيل تطبيقة الدفع الرقمي 'D 17'    صفاقس: سهرة رمضانية إنسانية بالمركز الاجتماعي لإيواء وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة    عاجل: الترجي يحذّر جماهيره: تذاكر مزيفة في التداول وإيقافات في صفوف المروجين    توزر: حركية تجارية مميزة لاقتناء الملابس والأحذية ومستلزمات عيد الفطر    ميلفين سبرينغر مؤهلا للعب لفائدة المنتخب التونسي للاواسط    قفصة: تواصل الحملة الوطنية المجانية لتلقيح المجترات الصغرى والقطط والكلاب    القناة الناقلة لمباراة الأهلي والترجي الليلة    جمعية الاقتصاديين التونسيين: تونس أمام حتمية إعادة التصنيع لتفادي خطر الركود الاقتصادي    في ردها على أسئلة كتابية وزارة الصحة تكشف عن خطة لمراجعة تصنيف مراكز الصحة الأساسية    خبر يفرّح للطلبة الأيتام : منح ودعم لمواصلة الدراسة    سيد الكذب    سفارة الجمهورية التونسية ببرن تنظم يوما قنصليا بزرويخ لتقريب الخدمات القنصلية لابناء الجالية    اجراء عملية الضخّ الاختباري للبئر العميقة "عميرة الحجاج - منزل فارسي" بمعتمدية المكنين    الشركة الجهوية للنقل بنابل تبرمج سفرات ليلية استعدادا لعيد الفطر    عاجل/ الادارة الوطنية للتحكيم تسلط جملة من العقوبات على عدد من الحكام والحكام المساعدين..    انقسام داخل الإدارة الأمريكية بشأن الحرب على إيران وسط تنافس مبكر على خلافة ترامب    المنستير: افتتاح الدورة 52 للأيام التجارية بقصر هلال    ماتش الترجي ضد الاهلي اليوم : التشكيلة المتوقعة لكل فريق    ادارة الأبحاث الاقتصادية والمالية بالقرجاني تطيح بأشخاص يروجون تذاكر مقابلة الترجي في السوق السوداء    عباس عرقجي: انتهاء الحرب مرهون بضمان عدم تكرارها ودفع تعويضات    طقس الأحد 15 مارس: أمطار مؤقتاً رعدية ومحلياً غزيرة    عاجل/ أول رد من اليابان على طلب ترامب ارسال سفن عسكرية لتأمين مضيق هرمز..    أذكار صباح الأحد ... أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله    أكثر من 40 طنّا من المواد الغذائية غير الصالحة: حصيلة مفزعة للمراقبة الصحية للأسبوع الثالث من رمضان..#خبر_عاجل    عاجل/ الحرس الثوري الإيراني يتوعد بمطاردة وقتل نتنياهو..    رجة أرضية بهذه الولاية..#خبر_عاجل    وزير التربية: آليات التدريس خلال السنة المقبلة ستكون مريحة    عاجل/ ترامب يكشف: "إيران تريد هدنة لكن.."    بهدف قاتل.. نهضة بركان المغربي يتجنب الخسارة أمام الهلال السوداني    من ثمرات الصوم .. ...فرحة العيد    نجاح عملية استئصال كامل للقولون السيني بالمنظار بالمستشفى الجهوي بقصر هلال    زيادة في مبيعات السيارات    محرز الغنوشي: ''الليلة وغدوة باش يشيخو شيخان ويعبرو عبران''    علاش يتكرر السجود مرتين في كل ركعة؟ الحكمة والفضائل    أمطار غزيرة الليلة بهذه الولايات..#خبر_عاجل    مدّخرات العملة الصعبة تناهز 107 أيّام توريد إلى حدود 13 مارس..    نجم الروك العالمي براين ادامس في مهرجان دقة الدولي بموعد استثنائي    سيدي بوزيد: الدورة الاولى للملتقى الجهوي لألعاب الرياضيات والمنطق بالمدارس الابتدائية    بعد 5 سنين في الظلام: عملية دقيقة في قابس ترجّع الأمل لرجل عمره 73 سنة    بن عروس : الفنانة آية دغنوج تؤثث السهرة الافتتاحية لليالي رادس الرمضانية    شد روحك: أمطار غزيرة جاية وانخفاض في الحرارة بداية من الليلة    مبادرة ثقافية رمضانية لتوزيع الكتب على الأطفال واليافعين بالمستشفيات    فوز سفيان الفاني بجائزة أفضل مصوّر سينمائي من الأكاديمية اليابانية عن فيلم "Kokuho"    وزارة الصحة تفتح مناظرات هامة..#خبر_عاجل    احتياطي النقد الأجنبي يغطّي 107 أيّام توريد    أذكار الصباح اللى تبدا بيهم نهارك    في ليلة المتاحف: التراث يضيء ليالي رمضان    سلاح وابتزاز رقمي: جهاد الشارني يكشف الحقيقة وراء الشاشة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اراء: فرحات "المتطرّف" يستقبل الغنّوشي "المعتدل" خريف سنة 1978
نشر في الوسط التونسية يوم 25 - 05 - 2007

في قراءة سريعة للفقرات الأولى من مقال السيّد لطفي زيتون تونس نيوز بتاريخ 17.01.2005 وقفت على نقطتين:
أولاهما، ترحّمه على رجل الدّولة المرحوم الهادي نويرة، وهو الأمر الذي لم نتعوّد عليه من أعضاء حركة النّهضة عمومًا، في تعاملهم مع قدماء المسؤولين في العهد البورقيبي. و أحسب أنّ هذه أللفتة الرمزية التي لا تكلّف شيئًا، تستحقّ التنويه (وأترحّم مسبّقًا على أرواح كلّ الموتى الذين سيأتي ذكرهم).
أمّا النقطة الثانية فتتمثّل في حكم صاحب المقال " إنفراد الجناح المتطرّف الصيّاح:
عبد الله فرحات بالنفوذ داخل الحزب الحاكم..."، وهو الأمر الذي لم يٌشجعني على المضيّ في قراءة بقية المقال، و يدفعني لإبداء الملاحظات التّالية:
1. في توصيف الأحداث: في التّاريخ (و أحداث جانفي 1978 هي الآن من مشمولات التاريخ و مسؤولية المؤرّخين، مهما حاول البعض توظيفها السياسي المتأخّر) كما في كلّ العلوم الإنسانية و الاجتماعية، تتوقّف جدّية البحث و صرامة التحليل و مصداقية الباحث على دقّة تعريف المصطلحات المستعملة. و أخشى أن يكون صاحب المقال قد جانب الدّقة في تعريف الأحداث و الوقائع و الظواهر التي عاشتها تونس في الماضي القريب و المتوسّط. فالانتفاضة مثلا، التي عرّف بها الكاتب كلّ أحداث الشّغب و أعمال العنف الجماعي و التمرّد المسلّح و القلاقل و الإنفجارات الاجتماعية التي وقعت في تونس، قد دخلت الآن قواميس السّياسة في كلّ لغات العالم، بالمعنى الذي حدّدته الانتفاضة الفلسطينية، أي حركة شعبية طويلة الأمد، خاضعة لقيادة و تهدف إلى تحقيق غايات سياسية محدّدة في التحرّر الوطني و بناء الدّولة المستقلّة. وهي العوامل التي غابت تماما في الأحداث التونسية.
و لن أنازع أحدا في التّموقع حيث يريد من أحداث الماضي، لكنّ ذلك يُفرز عمومًا مذاهبا إيديولوجية دغمائية و لا يؤسّس لرؤية سياسيّة قادرة على التعامل مع الأحداث و حلّ مشاكل المجتمع.
2. إنفراد الجناح المتطرّف الصيّاح/ فرحات بالنفوذ داخل الحزب الحاكم؟
لا أعتقد أنّه بإمكان فرد أو جماعة " الإنفراد بالنفوذ" في حزب أو هيكل سياسي أو اجتماعي، لأنّ النفوذ هو عبارة عن رصيد اعتباري يترجمه تأثير أدبي لا أكثر، وهو موزّع بالتساوي على كلّ أعضاء الهيكل الحزبي أو الهيئة الاجتماعية. و أحسب أنّ الكاتب قد قصد السّلطة، وهي شيء مختلف. فالسلطة تتحدّد اعتبارا لصلاحيات المنصب و تضبطها نصوص قانونية و تنظيمية.
و يمكن فعلا أن ينفرد بالسلطة جناح متصلّب أو متشدّد (و لا نقول متطرّف لأنّ العبارة خاصة بالتنظيمات و العناصر المناوئة للدولة ) في الحزب الحاكم.
على أنّ شيئًا من ذلك لم يحدث مطلقًا. فقد كان عبد الله فرحات أمين مال الحزب و وزير الدّفاع، و كان محمّد الصيّاح مدير الحزب. و للحزب أمين عامّ هو الهادي نويرة، الوزير الأوّل، و له أيضا رئيس هو الحبيب بورقيبة، رئيس الجمهورية و لا يذكر أحد أنّ هذا الأخير و بالرّغم من تدهور حالته الصّحيّة، قد تنازل عن شيء من صلاحياته. فقد ظلّ على الدّوام حريصا على تولّي كامل مسؤولياته و أداء دوره الرّيادي في الحزب الذي أسّسه. وهو نفس الوضع الذي نلمسه في بقية الأحزاب السياسية في تونس، مهما كان وضعها القانوني. فالحزب، أيّ كان، هو رئيسه أوّلاً و آخرًا، من بورقيبة إلى الغنّوشي إلى حرمل.
كان الهادي نويرة الرّجل الثاني في الحزب و أيضا الوزير الأوّل. و قد مكّنته مسؤولياته من صلاحيات كثيرة و من سلطات دستورية كبيرة – زالت مع إصلاح الدستور لسنة 1988- ساهمت إلى جانب قوّة شخصيته و قناعته بسلامة و نجاح سياسته، في جعله رجل الدّولة بلا منازع. و لم يكن ليقبل بأنّ تتشكّل من حوله و خارج سلطته، أية تحالفات أو تيّارات أو أجنحة، فما بالك بانفراد أحدها " بالنّفوذ" في الحزب.
و إذا ما كان هناك ثنائي قوي و متناغم في تلك الفترة، فليس الصيّاح/فرحات كم تخيّل صاحب المقال، و إنّما نويرة/فرحات. فقد كان الرّجلان من نفس الجيل، تعارفا منذ نهاية الأربعينات و جمعهما الكفاح الوطني من أجل الاستقلال ثم زمالة طويلة في خدمة الدّولة. و يذكر كلّ الذين عرفوا الرّجلين و عاشوا تلك الفترة عن قرب، أنّ التجانس في الرؤى و المواقف كان كاملا بينهما.
و على عكس ذلك، لم يوجد أيّ تناغم أو تجانس أو حتى تفاهم ظرفيّ بين فرحات و الصيّاح. كان فارق العمر بينهما كبير و مواطن الخلاف و الاختلاف كثيرة منذ مؤتمر الحزب في سنة 1971.
و أعتقد أنّ هذه الصّورة كانت حاضرة لدى قيادة الجماعة الإسلامية آنذاك وهو ما تدلّ عليه الحادثة التالية:
3. فرحات "المتطرّف" يستقبل الغنوشي "المعتدل".
في نهاية صيف سنة 1978، اتّصل بي الحبيب المكني و ذكر لي أنّه بلغهم أنّ محمد الصيّاح و الحزب الدستوري يخطّطان لحملة قمع ضدّ "الجماعة"، و طلب منّي أن أرتّب للّقاء بين الغنّوشي و عبد الله فرحات، وزير الدّفاع. و أذكر أنّي استغربت الأمر لقناعتي من أنّ مخطّطا كهذا، إن وجد، إنّما يتمّ أوّلاً على مستوى الحكومة وهي التي تنفّذه بوسائلها، و قد تستعين في ذلك بالحزب للشّرح و الدّعاية و التّعبئة. فبالرّغم من التداخل الكبير بين الحزب و الدّولة، فلم نكن في بلد شيوعي حيث يملي الحزب سياسة الحكومة !
و قد استجبت للطلب، و رتّبت للغنّوشي موعدًا مع عبد الله فرحات و تمّ ذلك خلال أيام قليلة. و أذكر أنّي قدّمت الرّجل بصفته، كمسؤول عن مجلّة المعرفة، و منشّط لجماعة إسلامية. و أستبعد ألاّ يكون الوزير قد طلب معلومات عن ضيفه.
وقد دخل الغنّوشي وزارة الدّفاع من بابها الكبير (وهو ما لم يذكره أبدًا) قبل سنوات من دخوله وزارة الدّاخلية من أبوبها الجانبية(وهوما ذكره كثيرًا) و تحادث مطوّلا مع وزير كان وقتها أقوى الوزراء. و قد تبع ذلك اللّقاء مع وزير الدّفاع، لقاء آخر بين الغنوشي و مصطفى الفلالي، رئيس اللّجنة الاستشارية المغاربية (و كان قد تخلّى عن إدارة الحزب قبل ذلك بأشهر) و قد حضرت اللّقاء الأخير و أعرف ما قيل فيه، و أذكر أنّ الرّجل قد أُستقبل بحفاوة واحترام و تفهّم. و تمّت لقاءات أخرى سأذكرها يوما، و كلّها لغاية تسهيل الإدماج الهادئ و المتدرّج للتيّار الإسلامي النّاشئ، في الساحة السياسية التّونسية.
و إن لم يحدث ذلك على مدى أكثر من ربع قرن، بل حدث عكسه تمامًا، فليس دائمًا لتصلّب النّظام فقط، فهذا من تحصيل الحاصل و من أهمّ الثّوابت في تاريخنا السياسي. إن لم يحدث ذلك و حدث العكس تمامًا، فلأنّ الطرف المقابل و بشهادة كلّ الملاحظين النزهاء لمعطيات المرحلة، كان أيام قوّته و لا يزال إلى اليوم في ضعفه، مسكونا بعقليّة عدائية للدولة و محكومًا بروح تصادمية مع النّظام، تمامًا ككثير من الشّخصيات أو التنظيمات الماركسية العائلية التي تعوّض تواضع حضورها الاجتماعي و السياسي بعنف خطابها.
و غفل الطرف المقابل الاتجاه ثمّ النهضة أنّه يتحرّك على خلفية الإسلام، دين الجميع و المكوّن الأهمّ في الشخصية الجمعية، و غاب عن قيادته أنّ كلّ إفراط في توظيف الدّين و تطويعه لخدمة أغراض حزبية لا يهدّد فقط الموازين السياسية بالاختلال و لكن يهدّد أسس المجتمع بالاهتزاز. وهو الوضع الذي نعيشه منذ 15 سنة... و لا نرى مخرجًا منه إلاّ بمراجعات عميقة للمفاهيم و المواقف و التصرّفات و تخلّ عن الأوهام من قبل كل الفرقاء و بالخصوص النهضة.
وأخيرًا و للتّذكير لم يحدث شيء ممّا كانت تتخوّف منه الجماعة، إمّا لكون تلك المخاوف لم تكن في محلّها، أو كان مبالغ فيها، وهو رأيي، و إمّا لأنّ هذه اللّقاءات قد ساهمت في تهدئة الأجواء.. و لم تحدث الإيقافات إلاّ في صيف سنة 1981، بأمر مباشر من الرئيس بورقيبة في غياب وزيره الأوّل محمد مزالي.أي بعد سنتين من إقالة عبد الله فرحات " المتطرّف" من الحكومة و الدّيوان السياسي. ..
و شكرًا للسيّد لطفي زيتون أن وفّر لي الفرصة لإطلاع القرّاء على هذه الصفحة المنسية. و أن زادنا خيرًا زدناه منه، فإمساكي عن نشر شهادتي عن أحداث الخمسة عشر سنة الأخيرة في تونس لا ينبع من الجبن، و إنّما فقط من الخوف من دعم الاستبداد و أنصاره من كل حدب.
و أخيّر أن يبقى ما كتبته لحدّ الآن مادّة تاريخية ميّتة، على أن يكون وثائق اتّهام، على أنّه لا يضيرني إن اقتضى الأمر وأستمرّ البعض في استبلاه الناس، أن أجذف ضدّ التيار.
http://www.tunisnews.net/13fevrier05.htm/


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.