سفارة تونس ببيكين تنظم تظاهرة اقتصادية بمناسبة وصول 50 طنا من صادرات زيت الزيتون التونسي    أكثر من 130 ألف خريج تعليم عالٍ مسجلون بمكاتب التشغيل وغالبيتهم من دفعات ما قبل 2021    هل كوب الشاي اليومي يهدد صحتك بالبلاستيك؟ حقائق صادمة    لا تخافي من التراب على طفلك! : حقائق علمية جديدة تكشف دوره في تقوية المناعة    حجّ 2026: تونس تسوغت ثلاثة فنادق قريبة من الحرم المكّي و 5 فنادق في المدينة المنوّرة في الصفّ الأوّل    بطولة الكرة الطائرة: انطلاق مرحلة التتويج الممتازة    جندوبة: تعليق الدروس بمعتمدية عين دراهم توقيّا من تداعيات التقلّبات المناخيّة    تسجيل أول موجة تضخم في منطقة اليورو أثارتها حرب إيران    عاجل : منع الاحتفالات المرتبطة باختبارات'' الباك سبور'' لتلاميذ البكالوريا في قابس    الرابطة الأولى: مستقبل قابس يفقد خدمات أبرز ركائزه في مواجهة النادي الإفريقي    التصادم بين السلطة والشعب يدرك ذروته: أمريكا بين الانتقال الناعم والحرب الأهلية    الجامعة العربية تدين إقرار الكيان الصهيوني لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    وصول دفعة ثالثة تضم 9 تونسيين إلى تونس بعد إجلائهم من لبنان    مؤتمر مصر الدولي للطاقة: وزيرة الصناعة تدعو الى بناء شراكات إقليمية ودولية    المؤتمر 43 لطب العيون من 9 إلى 11 أفريل 2026، بالعاصمة    قضية "خلية الرصد والتخطيط": حجز ملف رجل الأعمال فتحي دمق للنظر في مطلب الإفراج وتحديد موعد الجلسة القادمة    الرابطة الثانية: لطفي الجبالي يخلف هشام السويسي في تدريب اتحاد تطاوين    هل يفسد فنجان القهوة الصباحي مفعول فيتاميناتك؟ إليك التفاصيل    الرابطة الأولى: الترجي الرياضي يتحمّل نصف الكلفة .. ودعم عملي لمبادرة النجم الساحلي    تونس: 95 مليون دينار لتمويل الشركات الأهلية لدعم الاقتصاد الاجتماعي    عاجل: تعليق الدروس بهذه المنطقة بسبب الوضع الجوّي    وزير التربية يتابع مشاريع صيانة وتهيئة المؤسسات التعليمية بسوسة    عاجل-يهمّك تعرّف: هذه الأيام البيض لشوال...أحسن وقت للصيام    عاجل: فلكياً هذا موعد ''العيد الكبير''    عاجل : سفارة أمريكا للتوانسة ...ردوا بالكم من التحيل و هذا شنوا لازم تعملوا    صاحب منزل مهجور في جربة: فيديوهات "تيك توك" و"إنستغرام" وراء قرار الهدم    البنك المركزي التونسي يُبقي نسبة الفائدة الرئيسية عند 7 بالمائة    أكثر من 60 ميدالية.. تونس تتألّق دوليًا في مسابقة زيت الزيتون الأفروآسيوية    يُعتبر الأرخص في ولاية سوسة: أسوام سوق العراوة اليوم    صادم: القبض على حفيد متّهم بقتل جدته    عاجل-محرز الغنوشي يبشّر: ''الشمال باش يشيخ شيخان ويعبر عبران''    المهدية: إيقاف 9 أنفار من بينهم إطار سام بالوظيفة العمومية وعوني أمن    مراعي ومزارع تحت الخطر: وزارة الفلاحة تطلق نداء عاجل    عاجل/ متابعة لاستهداف ناقلة نفط كويتية في دبي..هذه آخر التطورات..    رئيسة المكسيك تعد بافتتاح "تاريخي" لمونديال 2026 في ملعب "أزتيكا"    بعد هايتي... "نسور قرطاج" أمام تحدٍ كندي من العيار الثقيل    عاجل/ جرحى وأضرار في منازل اثر سقوط شظايا اعتراض طائرة مسيرة في الخرج بالسعودية..    عاجل/ تزامنا مع التقلبات الجوية: مرصد سلامة المرور يحذر مستعملي الطريق..    عاجل : بشرى لمستعملي الطريق... اكتمال مشروع المدخل الجنوبي قبل موفى 2026"    توننداكس يقفل معاملات الإثنين متراجعا بنسبة 0،18 بالمائة    الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ 17 عاما    أنشيلوتي يؤكد: دانيلو ضمن قائمة البرازيل في مونديال 2026    تفتيش أمني مفاجئ للاعبي بلجيكا بعد فوز عريض على أمريكا    مجلس وزاري يتخذ قرارات لإصلاح منظومات الصحة والضمان الاجتماعي والتغطية الصحية    تفكيك شبكة لتهريب "مخدر التمرة" في بطونهم والاحتفاظ ب7 عناصر..وهذه التفاصيل..    عاجل/ يهم انهاء الحرب..ترامب يحسمها ويعلن..    صفاقس.. اصطدام قطار نقل بضائع بسيارة    قفصة ...تنظيم الملتقى الجهوي للموسيقى بالوسط المدرسي    حضور تونسي لافت في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    آمنة الغروبي... فناّنة تزرع السينما في قلوب الصغار    اختتام فعاليات الدورة 17 من مهرجان مطماطة الدولي    تونس مسارح العالم: العرض الاسباني "كولوتشي باو" يستحضر مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل نحتاج إلى إعادة صياغة مشروع (المصالحة)؟
نشر في الوسط التونسية يوم 08 - 02 - 2008

يزداد استيائي كلما قرأت مقالا جديدا في موضوع (المصالحة الوطنية).
وإن كنت من المقلين في الحديث في هذا الموضوع –شأني في ذلك شأن السواد الأعظم-، فليس ذلك عزوفا عن الاهتمام بالشأن التونسي، وإنما لعلمي بمدى استنزاف مثل هذا العمل للطاقة والجهد والأعصاب.
وأود أن أحيي بعض الكتاب على الشجاعة والصبر والأدب الجم الذي يصبغ كلامهم، وأسأل الله أن يزيدهم من فضله. وفي نفس الوقت، آسف كثيرا لما تردّى إليه خطاب بعض من يعقّبون. وكم وددت لو أنهم ألجموا أقلامهم عوض أن يطلقوا لها العنان حتى لا يعرضوا أنفسهم للزلل المهين.
وقديما، قال عمر بن الخطاب: "من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه" (1).
وقال الفضيل بن عياض: "إذا أردت أن تصادق صديقا فأغضبه، فإن رأيته كما ينبغي فصادقه" (2). أما اليوم فإن إغضاب الصديق فيه مخاطرة كبيرة، كما يقول ابن مفلح الحنبلي، لأنك ( إذا أغضبت أحدا صار عدوا في الحال) (3).
والكتابة، باعتبارها توصيفا للواقع، واقتراحا للحلول، وتنظيما للوعي، وشرحا للقيم، تحمل في أعماقها دائماً معنى الرسالة. والرسالة تستدعي مسؤولية الأمانة.
والكاتب معرّض دائماً للانحراف وفقدان المصداقية والتأثير على الآخرين (من حيث أراد الصواب واستمالة الآخرين إلى رأيه)، إذا اختل لديه أحد أمرين:
- أولهما: الجانب الخلقي المقاصدي: ونقصد به عنصر الصدق والإِخلاص في النقل والتعبير.
- وثانيهما: الجانب الفني التقني: عنصر النضج في صياغة الأفكار المفيدة، والتعبير عنها باللغة.
وغالبا ما يفقد الكاتب ثقة قرائه، نتيجة عدم استحضاره لهذين الشرطين معاً في كل ما يكتب.
والكاتب يصبح أكثر عرضة للانحراف إذا أسهب في عرض فكرته، أو إذا اضطر إلى إعادة شرحها، وإطالة الحوار والنقاش حولها. وكم من فكرة نافعة أعجبت القراء حين صيغت باختصار في أسلوب بليغ، وفقدت بريقها حين تكررت على مسامعهم عشرات المرات.
وما يدفعني إلى كتابة هذه الكلمات أمور أربعة:
- الأول: تبرّمي من خطاب بعض الكتاب الذين لا يفوّتون أي فرصة للاستهزاء من مواقف الحامدي، والانتقاص من شخصه، عوض الاكتفاء بانتقاد الأفكار التي يطرحها. والمؤسف أن كثيرا منهم يتبنون طرحا مستندا إلى رؤية إسلامية، في حين يغفلون أصولا أخلاقية إسلامية لا يجوز التغافل عنها عند نقد الآخرين. وهم من عنيتهم، في كلام سابق لي (4)، بإلقاء الأشواك على الآخرين، عوض الاكتفاء بنقد أفكارهم فقط. وهذا الأمر لا ينطبق على كل من عقّب على كلام الحامدي، وإنما على البعض فقط.
- والثاني: الانتصار مبدئيا لحق الحامدي في إبداء مواقفه عموما، بدون أن يعني ذلك اتفاقي معه على كل مواقفه _وأحسب أنني ممن يستوعبون خطأ اعتقاد الاتفاق في كل الأمور مع أي كان، لأن الاختلاف سنة ربانية_. غير أنني أوافقه الرأي (ولا يهمني توافق النوايا، ولسنا مكلفين بل نحن منهيّون عن البحث في هذا الأمر) في ضرورة التوازن والعدل عند الحديث عن الوطن ومشاغله وهمومه، وعدم الاقتصار فقط على الجوانب القاتمة من واقع الوطن.
- الثالث: كثرة الأخطاء المنهجية في التعبير عن المواقف وقراءة مواقف الآخرين، وسيطرة الانفعال والضيق بالرأي الم خالف. وما كثرة الردود على الحامدي إلا دليل على حالة القلق النفسي والحساسية المفرطة تجاه الموضوع.
- الرابع: كثرة المغالطات المنطقية ومزالق القياس الخاطئ في الجدال الدائر حول الموضوع، واتكاء بعض الكتاب على فصاحته وتلاعبه بمفردات اللغة، لمحاولة إقناع الآخرين.. وإنما القراء بشر مثلهم، وإن الكتّاب يختصمون إلى قرّائهم، ولعل بعضهم أن يكون ألحن من بعض، فيقضي القراء بينهم بنحو ما يسمعون؛ فمن قضي له بشيء من حق أخيه فإنما يقتطع قطعة من النار..
يلاحظ القارئ لكثير من التعقيبات الواردة على مشروع الحامدي، وجود توجه عام عند مخالفيه، لاعتبار المشكلة أحادية التركيب عديمة المنافذ مستحيلة التجزئة، وهذا يؤدي إلى الشعور باليأس من التعامل معها، وتكون النتيجة طرحها وتجاهلها.
والحقيقة أن المشكلات الكبرى يستحيل حلها دون تجزئتها إلى وحدات صغيرة ثم تصنيفها إلى أساسي وهامشي، ومحاولة النفاذ إلى التناقضات الداخلية التي تشتمل عليها واستثمارها، وتغيير علاقات السيطرة وتبديل مواقع العناصر في تلك الظاهرة بغية الوصول إلى علاقات ووحدات ووظائف جديدة، حتى نتمكن في النهاية من السيطرة على المشكلة وحلها.
أما التعامل مع مشكلاتنا على أنها كتلة صلدة، ورفض الاستماع لرأي الداعين لتجزئتها، فإنه سيؤدي حتما إلى أن يأخذ كثيرون منا إجازة مفتوحة، مع أننا، كتونسيين، بحاجة ماسَّة إلى كل ومضة فكر نافع، وكل حركة يد مخلصة.
مما يحز في النفس، أن نقرأ في مواقف الناقدين لمشروع الحامدي، تركيزا شديدا على شخصه، ومحاكمة للنوايا، وتشكيكا في مصداقيته، واستدعاء لماضيه، بلغة لا تخلو (في كثير من الأحيان) من الاستفزاز والاستهزاء والتعريض. بل وصل الأمر إلى ظهور بعض الرسوم الكاريكاتورية في بعض المنتديات. وكم وددت لو أن بعض مخالفي الحامدي، رفعوا أصواتهم للتبرأ من هذا المنهج غير الأخلاقي، ونصرته في المواقع التي يجب نصرته فيها، إذن لكبر قدرهم في أعين قرائهم.
من المفروض على أهل الديانة أن يوطّنوا أنفسهم على إحسان الظن بالآخرين عندما يسع إحسان الظن بهم، واعتبار الخلاف معهم غير متجاوز لوجهات النظر.. ولا يهم في ذلك إن كان الاتفاق معهم تاما أم لا.. ومما يحسن أن يتحوطوا منه كثيرا هو التموقع في موقع التصادم مع أي كان. أما الريبة و تأويل النوايا فليست من أخلاق الإسلام وشعب الإيمان في شيء.
يغيب عن ذهن الكثير منا أن الخير المحض والشر المحض نادران، وأن الحق القطعي والباطل القطعي يكونان غالباً في الأصول الكبرى، التي مهما تكن كثيرة فإنها في النهاية محدودة. أما المسائل والمواقف والأحداث التي يحكمها الاجتهاد والتجربة والخطأ فهي لا متناهية. ومن الضروري، في هذه الأمور، التفريق بين الخطأ الصادر عن مجتهد مخلص مؤهل، وبين الخطأ الناتج عن الجهل المفرط أو الرعونة النفسية. فالأول مأجور على ما بذله في محاولة الوصول إِلى الحق.
وحتى لا نقع في الحيف في تقويم الأشخاص والمواقف، فإن علينا أن نمتلك النظرة التفصيلية بعيداً عن التعميم وإطلاق الأحكام الكبرى وإغفال الظروف المحيطة، وألا نقطع الأحداث عن سياقها التاريخي.
ومن بين الأمور التي بدت لي من خلال هذا الحوار وجود عدد من المصابين بعمى الألوان؛ فهم لا يبصرون إِلا الأبيض والأسود، مع أن بينهما ألواناً كثيرة يختلط فيها البياض والسواد على درجات كثيرة.
ويعلِّمنا الإِسلام مرة أخرى أسلوباً عظيماً في الإنصاف يتمثل في أن نعامل الناس وفق مقاييس ومعايير نحب أن يعاملونا بها، وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (5)، ويقول: «... فَمَنْ أَحَبَّ أْنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِِلَيْهِ" (6).
وهذا الإنصاف متوجب على جميع الأطراف، وتجاه جميع الأطراف.
أما التعامل مع الآخرين بانفعال، والحكم المسبق على جميع ما يصدر عنه (نتيجة رواسب من الماضي)، فإنه لا يؤدي إلى العدل والاعتدال، بل يشوِّش رؤيتنا للخيارات المتعلقة به، والظروف المحيطة به، والمآلات التي قد يفضي إِليها؛ وبالتالي القرار الذي علينا أن نتخذه حياله؛ إِذ من النادر أن نتمكن من إِصدار أحكام عقلية منطقية وموزونة في حالة طغيان الانفعال الإِيجابي أو السلبي، لأن الانحياز آنذاك هو سيد الموقف:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
وشخصيا، فإن معرفتي بالحامدي لا تتجاوز قراءتي من حين لآخر بعض مقالاته، أو مشاهداتي النادرة لقناة (المستقلة). غير أنني تابعت باهتمام سلسلة الحوارات المسجلة التي قام بها حول القضايا الخلافية بين السنة والشيعة، لأنني أعتبر نفسي من المهتمين بقضايا الخلاف وأدب الحوار بين المسلمين.
وأما تاريخه وأنشطته السابقة كقيادي طلابي، ثم تغيير مساره، ثم مبررات المؤاخذات الموجهة إليه حول أسلوب تعامله مع السلطة القائمة... فكل هذا لا علم لي بتفاصيله، ولا يهمني –بصدق- معرفته.
وأما عن الخطاب الحالي للحامدي، فهو كغيره يؤخذ منه ويردّ. وقد قرأت له بعض المقالات في مواضيع لا تستهويني ولا تندرج في إطار اهتماماتي (مع احترامي له، وتقديري للمجهود الذي يبذله). غير أنني في المقالات المتعلقة بموضوع (المصالحة)، لم أجد أي مبرر لهذه الهجمة التي تعرض إليها سوى سوء الخلق وإساءة الظن به.
حال خطاب المعارضة الذي يركّز (في الأحاديث الداخلية والأحاديث الخارجية) على نقد الأوضاع القائمة و"الاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان، وإطلاق المساجين السياسيين، إلخ"، لا يختلف في تصوري عن حال الجارة التي تكرّس كل حديثها مع صاحباتها على (التقطيع والترييش) في فلانة، وكلما جلست إلى جاراتها حدثتهن عن مساوئها، ولم تحسن سوى ذلك، فلا تجد في النهاية أذنا صاغية إلا ممّن هنّ على شاكلتها. وعقلية (ما رأيت منه خيرا قط) ذمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها عقلية من (يكفر العشير).
وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما.. وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما".
ولعل التفكير الجاد في مساوئ هذا الخطاب يساعد على فهم أسباب عجز المعارضة لحد الآن عن استمالة الأنصار إليهم.
ومن الأمثلة على الخلل في هذا الخطاب، ما عبر عنه أحد الأصدقاء عندما وجّه لي عتابا شديدا، بعد نشر رسالتي الموجهة للدكتور الحامدي بعنوان (تحية إلى الحامدي المتفائل) في بعض المواقع التونسية. ومما جاء في نقده لي العبارة التالية: " الوطن حلم الجميع وأمل الجميع، أما حاكموه فقد فقدوا ثقة شعبهم، ونزعوا عن أنفسهم كل أمل في إصلاحهم".
ولا يخلو مثل هذا الموقف من التعميم والظلم، لأن "الحاكمين" الذين يعبّر عنهم بصيغة الجمع لا يجوز معاملتهم على أنهم جهة واحدة متجانسة وموحّدة في مواقفها.
كما لا تخلو مثل هذه الأحكام التعميمية من خطورة، لأنها توحي بأن العداوة مستحكمة، مثل العداوة بين الشيطان والإنسان. وتصبح هذه الخطورة أكبر عندما تصدر عن أشخاص يتبنون شعارات دينية، لسهولة الان زلاق على أساسها نحو (التكفير) و(العنف).
ولعل من الغريب أن تصدر مثل هذه الأحكام ممن يتبنون خطابا إسلاميا، للمخالفة الصريحة لنصوص شرعية متضافرة في الموضوع، كأمر الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام باللين مع فرعون: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) (7)، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهدا في العبادة. فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر. فوجده يوما على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي. أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة. فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: كنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أَوْبَقت دنياه وآخرته " (8).
بل إن الأغرب أن يتهم البعض بعدم النضج السياسي لأن (السياسة لا تقاس بالعواطف والأماني وإنما بموازين القوى). وهي عبارة، وإن كانت صادقة نسبيا، لا تخلو من مغالطة منطقية، لأن العاطفة والوجدان، إضافة إلى العامل الأخلاقي وأمور أخرى، كلها ضرورية في العرف السياسي، ممارسةً وتقييمًا، وهي أوكد عند أهل الديانة ( ولكن وطّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم). والناس عادة لا يحبون من يخاطبهم بحديث موازين القوة، وإنما يحبون من يخاطبهم بحديث المحبة والرحمة والإشفاق، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه. فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحّمون فيه" (9).
فضلا عن ذلك، فإن الاقتصار على النقد، صباح مساء، يظهر المعارضين بمظهر من لا يحسنون غير هذه المواضيع. والناس يسأمون من التكرار، ويضجرون من الإلحاح. فإن كانوا فعلا لا يحسنون غير ذلك، فلم لا يسكتون لفترة (كما اقترح الدكتور الحامدي)، عسى أن يتجدد نشاط السامعين لقولهم بعد حين؟
5- اقتراح إعادة صياغة المشروع
وحتى لا يضيع وقت الكتّاب والقرّاء هدرا، أقترح على جميع المعنيين بموضوع المصالحة إعادة صياغة الموضوع بشكل إيجابي، والبحث عن كلمة سواء بين الجميع، حتى لا يضيع هذا الحوار المستمر منذ بضع سنوات، والمتجدد منذ بضعة شهور.
وأقترح في ما يلي بعض الأسئلة والأفكار التي قد تساعد على التفكير الموضوعي في الأمر:
1- ما المشكلة في طرح الدكتور الحامدي لمشروع "المصالحة"؟
2- هل تكمن المشكلة في مصطلح "المصالحة"؟ إن كان الأمر كذلك، فلم لا نبحث عن مصطلح آخر مقبول من الآخرين؟
2- أم أن المشكلة في شخص الدكتور الحامدي؟ إن كان الأمر كذلك، فلم لا نتجاوز هذا الأمر والاهتمام فقط بفكرة المشروع إن كانت مفيدة (خصوصا وأنه أعلن مرات عديدة، أنه لا يطرح نفسه كوسيط، وإنما تكلم لعدم وجود المتطوعين)؟
3- أم أن المشكلة في ربط المشروع بقبول طرف مّا لا يبدو أنه مستعد لتغيير مواقفه؟ إن كان الأمر كذلك، فلم لا نغض الطرف عن هذا التعنت، والبحث عن نقاط اتفاق أخرى يمكن تحقيقها معه؟
4- لقد جعل للجنة أبوابا متعددة يوم القيامة، أفلا يسعنا أن نترك للدكتور الحامدي مجالا للعمل رغم مخالفته في المنهج، من باب تعديد الأبواب "لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة"؟ وهل نجح "الثبات على الموقف" والإصرار على منهج الباب الوحيد في تغيير أي شيء طيلة السنوات العشرين الأخيرة؟
5- إن كانت المصالحة التامة غير ممكنة، فما هي البدائل المطروحة التي من شأنها تحسين الواقع، وعدم ترك الأمور على حالها؟
6- هل "الثبات على الأولويات" و"الإصرار على المواقف" يساعد على إيجاد حل للانسداد الحاصل؟
7- إن كان البعض يصر على مواقفه (سواء سموه "ثباتا على المبادئ" أو "رفضا للدنيّة في الدين" أو سماه مخالفوهم "عنادا" و"تعنتا")، فلم الإصرار على مخاطبتهم في هذا الموضوع بالذات؟ ألم يقل الله تعالى: " إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء".
8- هل لكل طرف من الأطراف أن ينسى، ولو حين، نقاط الخلاف مع الطرف الآخر، ويتساءل فقط عن الأمور التي يتفق فيها معه؟
9- هل من فائدة في توسيع دائرة الحديث عند المعارضين كي تشمل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية،إلخ، عوض الاكتفاء بالأحاديث المتعارف عليها، إلخ؟
10- ...
ولا شك أن كثيرا من الأسئلة يمكن إضافتها بهدف فك التعقيد في المشكل.
6- همسة أخرى في أذن الدكتور الحامدي
ليس من طبعي الإكثار من الشكر. غير أنك تفرض عليّ مرة أخرى أن أحيّيك علنا، لصبرك وسعة صدرك، وتحملك للأذى. وأعلم أن كثيرا غيرك لو تعرضوا لما تعرضت إليه في الأشهر الماضية، لأصابهم الإحباط والانهيار، ولاختاروا الانطواء على أنفسهم، وخامرهم الشك في خياراتهم، بل ولخامرتهم (في لحظة الشعور بالعجز عن إقناع الآخرين) فكرة الانقلاب على مبادئهم وعلى أصدقاء الأمس.
ولكن أرجو أن يكون عزاءك ثقتك في الله، وأنه يمنح الأجر العظيم للمخطئ والمصيب. أما الناس، فلا تنتظر منهم كلمة الشكر، حتى لو كنت مصيبا، لأنهم سينازعونك فيه، ولن يرضوا لك أي مغنم ولو كان مستحقا.
واسمع لقول الفضيل بن عياض: "رأيت نفسي تأنس بخلطاء تسميهم أصدقاء، فبحثت التجارب فإذا أكثرهم حساد على النعم، وأعداء لا يسترون زلة، ولا يعرفون لجليس حقا، ولا يواسون من مالهم صديقا.. فتأملت الأمر فإذا أكثرهم حساد على النعم، فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل به شيئا يأنس به، فهو يكدر الدنيا وأهلها ليكون أنسه به.. فينبغي أن تعد الخلق كلهم معارف، ولا تظهر سرك لمخلوق منهم، ولا تعدن فيهم من لا يصلح لشدة، بل عاملهم بالظاهر، ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة وبالتوقي لحظة، ثم انفر عنهم، وأقبل على شأنك متوكلا على خالقك، فإنه لا يجلب الخير سواه، ولا يصرف السوء إلا إياه.. " (10)
واسمع أيضا لقول ابن القيم: "كان لي أصدقاء وإخوان، فرأيت منهم الجفاء.. فأخذت أعتب فقلت: وما ينفع العتاب؟ فإنهم إن صلحوا، فللعتاب لا للصفاء.. فهممت بمقاطعتهم فقلت: لا تصلح مقاطعتهم.. ينبغي أن تنقلهم إلى ديوان الصداقة الظاهرة.. فإن لم يصلحوا لها، فإلى جملة المعارف.. ومن الغلط أن تعاتبهم " (11).
فلا تحزن، ولا تيأس..
وسدّد، وقارب..
الهوامش:
1- نقلا عن (صيد الخاطر) لابن القيم
2- نقلا عن (الآداب الشرعية) لابن مفلح الحنبلي
3- المصدر السابق
4- نشرت لي رسالة قصيرة بعنوان (تحية إلى الحامدي المتفائل)، منذ بضعة أسابيع في بعض المواقع التونسية.
5- رواه البخاري ومسلم
6- رواه مسلم
7- سورة طه: الآية 42-47
8- رواه أبو داود، وأحمد، وابن حبان عن أبي هريرة، وصححه الألباني في تحقيقه لسنن أبي داود
9- رواه مسلم في صحيحه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة
10- نقلا عن (الآداب الشرعية) لابن مفلح الحنبلي
11- المصدر السابق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.