كان الجو حارًّا، شديدَ الحرارة، يوم الاثنين 30 جوان 2025 في مدينة المهدية. ويبدو أن سائقًا ما، قد ألهمته حرارة الصيف، فقرّر أن لسيارته، هي الأخرى، الحق في قطعة ظلّ. والنتيجة؟ الاتجاه نحو الرصيف، بين نخلة وجدار، بعيدًا عن لهيب الشمس. بالنسبة له، المهمة أُنجزت: برودة وظلّ. أما بالنسبة للمترجّلين، وخاصةً الأطفال وكبار السنّ وذوي الاحتياجات الخاصة؟ فقد تحوّل الرصيف إلى حلبة عوائق، أو مجرّد دعوة غير مباشرة للنزول إلى قارعة الطريق. لكن، لا تكن قاسيًا في حكمك… فصاحب السيارة، في نهاية المطاف، لم يفعل سوى اختيار الحلّ "الأكثر راحة" لمركبته، حتى وإن كان ذلك على حساب مساحة مخصّصة لبشرٍ يمشون، لا يملكون محركات! فللسيارة حقوقها، أليس كذلك؟ صورة بألف دلالة بعيدًا عن السخرية، فإنّ هذه المشهدية ليست نادرة، ولا استثنائية. بل تمثّل وجهًا من أوجه ظاهرة مزمنة، تنخر جميع المدن التونسية. ما يدفع إلى هذا السلوك، ليس ندرة أماكن التوقّف، بل ندرة الحسّ المدني، بكل بساطة. ما تكشفه هذه الصورة في العمق: غياب المراقبة وتطبيق قوانين السير فالبلديات كثيرًا ما تتقاعس في التصدّي لهذه المخالفات، رغم أنها ظاهرة، صارخة، ومتكرّرة. أنانية في الفضاء الحضري راحة السائق تأتي قبل سلامة الآخرين. ولا بأس إن اضطرت أمٌّ تدفع عربة أطفالها إلى النزول للطريق، أو الالتفاف حول شجرة. تطبيع مع ما لا يُطاق صار هذا النوع من التصرفات مألوفًا إلى حدّ أنه لم يعد يثير الاستغراب. البعض يشيح بنظره. والأسوأ، أن البعض الآخر يقلّد. إهانة الفضاء العام لم تعد الأرصفة فضاءات مشتركة، بل تحوّلت إلى امتدادات عشوائية لمواقف السيارات الخاصّة. وهو انحراف خطير في فهم المدينة وملكيّتها الجماعية. تساهل اجتماعي مَرَضي يُنظر إلى هذه المخالفة باعتبارها "طفيفة". لكنها في الحقيقة قد تُخلّف تبعات جسيمة: حوادث، تعطيل لحركة التنقل، وشعور بالغبن لدى المواطن الملتزم بالقانون. إشكال في تصميم المدن فالهندسة الحضرية لا توفّر الحماية الكافية للمترجّلين: الأرصفة منخفضة، علامات المرور شبه غائبة، والتجهيزات الحضرية تكاد تكون معدومة. تحليل: من مظاهر التسيّب إلى أزمة الحوكمة المحلية صورة السيارة المركونة في ظلّ نخلة، ليست حادثة عابرة. بل هي مرآة لأزمة أعمق في إدارة الفضاء الحضري في تونس: * انعدام العقوبات الرادعة: بغياب الغرامات الواضحة وتطبيقها، تتحوّل المخالفة إلى قاعدة. * ضعف السلطة البلدية: فالمجالس المحلية غالبًا ما تفتقر للوسائل، ولكن أيضًا للإرادة السياسية. * غياب ثقافة المواطنة: فلا وجود لحملات توعوية جادّة تُكرّس احترام حقوق المترجّلين أو فكرة الفضاء المشترك. * انهيار الثقة في النظام العام: حين لا تُحترم القوانين ولا تُطبّق، ينتهي الأمر بالمواطن إلى الاقتناع بأنّ عليه التصرف بمنطق "نفسي نفسي". إنّ المصالحة بين التونسي ومدينته تمرّ حتمًا عبر استرجاع الفضاء العام، وإصلاح الحوكمة الحضرية، وترسيخ ثقافة احترام القواعد لدى الجميع. فالرصيف ليس امتيازًا. إنه حق.