قبل عشر سنوات، في صيف 2015، اتخذت ألمانيا قرارًا تاريخيًا بفتح حدودها أمام مئات الآلاف من اللاجئين الفارين من سوريا والعراق وأفغانستان ومناطق نزاع أخرى. المستشارة آنذاك، أنجيلا ميركل، أطلقت عبارتها الشهيرة «Wir schaffen das» («سننجح في ذلك»)، لتجسد إرادة البلاد في استقبال هؤلاء المهاجرين رغم ضخامة التحدي. فقد دخل أكثر من مليون طالب لجوء إلى ألمانيا بين 2015 و2016، مما غيّر بعمق ملامح أكبر اقتصاد في أوروبا. بعد عقد من الزمن، حان وقت الحصيلة: ما تأثير هذا التدفق على البلاد، على اقتصادها ومجتمعها؟ وهل تمكن لاجئو 2015 من الاندماج وكيف؟ و كيف تطورت المقاربة الألمانية لسياسة الهجرة، خاصة مع الموجة الجديدة من اللاجئين الأوكرانيين منذ 2022؟ و ما انعكاسات ذلك على المشهد السياسي مع صعود اليمين المتطرف؟ أسئلة نحاول الإجابة عنها في هذا المقال، مع نظرة ختامية موجهة للتونسيين الراغبين في الهجرة إلى ألمانيا. 2015: ألمانيا تفتح أبوابها على مصراعيها للاجئين في عام 2015، ومع تفاقم أزمة الهجرة في البحر المتوسط ومآسي الحرب الأهلية السورية، تميزت ألمانيا بموقفها المختلف داخل أوروبا. ففي حين أغلقت دول أخرى حدودها، علّقت برلين تطبيق قواعد «دبلن» الخاصة باللاجئين السوريين، ما سمح باستقبالهم دون إعادتهم إلى بلد الدخول الأول في الاتحاد الأوروبي. صور مؤثرة من تلك الفترة أظهرت ألمانًا يستقبلون اللاجئين في المحطات حاملين الطعام والألعاب واللافتات المرحبة. وانتشرت آنذاك عبارة «Willkommenskultur» (ثقافة الترحيب)، مدفوعة بتعبئة كبيرة من المجتمع المدني. في كل أنحاء البلاد، فُتحت مراكز إيواء طارئة في القاعات الرياضية والمباني العامة المهجورة لإيواء الوافدين الجدد، فيما نظم متطوعون حملات لتوزيع الملابس والطعام ودروس اللغة الألمانية. حظيت ألمانيا حينها بإشادة واسعة من وسائل الإعلام الألمانية والدولية، كما أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية واضحة من السكان أيدوا قرار استقبال اللاجئين. لكن هذا الزخم الإنساني الكبير لم يخلُ من صعوبات. فبحلول شتاء 2015-2016، وصلت قدرات الاستقبال إلى حدها الأقصى، وتأخرت الإجراءات الإدارية للجوء، ووجدت البلديات صعوبة في توفير مقاعد مدرسية للأطفال أو حصص لغة للبالغين. كما أثارت بعض الحوادث، مثل اعتداءات ليلة رأس السنة 2015 في كولونيا التي تورط فيها بعض المهاجرين، جدلاً وأضعفت جزءًا من الرأي العام. ومع ذلك، استقرت الأوضاع تدريجيًا في الأشهر التالية. و في مارس 2016، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقًا مع تركيا للحد من تدفق المهاجرين عبر طريق البلقان، ما أدى إلى انخفاض كبير في عدد الوافدين الجدد. أما ألمانيا، فانصرفت إلى مهمة إدماج من وصلوا بالفعل، وهو تحدٍّ ضخم بعدما استقبلت أكثر من مليون شخص خلال عامين فقط – في سابقة لم يشهدها البلد منذ الحرب العالمية الثانية. الاندماج بعد عقد: نتائج ملموسة وتحديات قائمة بعد عشر سنوات، أين أصبح لاجئو 2015؟ الحصيلة العامة إيجابية رغم الصعوبات. معظم البالغين الذين وصلوا في 2015-2016 تمكنوا من تعلم الألمانية، والخضوع للتكوين، والدخول إلى سوق العمل. ووفقًا للبيانات الرسمية، فإن نحو ثلثي اللاجئين الذين وفدوا خلال أزمة 2015 باتوا اليوم يعملون، وهو معدل قريب من المتوسط العام للسكان الألمان. غير أن هذا النجاح استغرق وقتًا طويلاً: إذ لم يكن سوى جزء صغير منهم يعمل عام 2016، لكن النسبة ارتفعت إلى 50% بعد خمس سنوات، ثم تجاوزت 60% بعد سبع سنوات، لتبلغ اليوم حوالي 70%. مع ذلك، لا تزال هناك فروقات واضحة. فاندماج النساء اللاجئات أبطأ بكثير من الرجال. فعلى سبيل المثال، بين السوريين الذين وصلوا عام 2015، كان نحو 73% من الرجال يعملون بعد سبع سنوات، مقابل 29% فقط من النساء، وذلك لأسباب متعددة، أبرزها التفرغ لتربية الأطفال، والحواجز اللغوية والثقافية. لذلك، كثفت السلطات برامج تعلم اللغة وتوسيع خدمات رعاية الأطفال لتشجيع النساء المهاجرات على الاندماج المهني. أما في المجال التعليمي، فقد التحق عشرات الآلاف من الأطفال اللاجئين بالمدارس الألمانية خلال العقد الماضي، وأتقنوا اللغة وحصلوا على شهادات محلية، بينما استفاد كثير من الكبار من دورات لغة مكثفة بتمويل من الدولة. اليوم، و رغم بقاء حاجز اللغة أمام البعض، فإن جيلًا جديدًا من أبناء اللاجئين أصبح يتحدث الألمانية بطلاقة ويشعر بالانتماء. و قد حصل قرابة 200 ألف سوري على الجنسية الألمانية منذ 2015، فيما يستعد كثيرون آخرون لاستيفاء شروط التجنيس في السنوات المقبلة. و مع ذلك، لا يزال جزء من هؤلاء يعتمد على المساعدات الاجتماعية، خصوصًا كبار السن أو الأقل تعليمًا. كما يعاني بعضهم من العزلة الاجتماعية. غير أن المبادرات المحلية – من نوادٍ رياضية إلى جمعيات ثقافية – ساهمت في تعزيز التلاقي مع المجتمع الألماني. باختصار، تجربة الاندماج الألمانية حققت نتائج ملموسة، مع آلاف القصص الفردية الناجحة: لاجئون أصبحوا أطباء ومهندسين وحرفيين، وأطفال غير متمدرسين سابقًا باتوا طلابًا جامعيين. الأثر الاقتصادي: من كلفة أولية إلى يد عاملة مطلوبة اقتصاديًا، شكّل استقبال مليون لاجئ استثمارًا ضخمًا في البداية، لكنه أثمر مع مرور الوقت. فقد أنفقت السلطات مليارات اليوروهات على السكن والتغذية والرعاية الصحية ودروس اللغة والبنى التحتية. وحده عام 2016 تجاوزت الكلفة 20 مليار يورو. لكن مع دخول اللاجئين إلى سوق العمل، بدأوا يساهمون في الاقتصاد عبر الضرائب والاشتراكات الاجتماعية. اليوم، يعمل عشرات الآلاف في قطاعات تعاني نقص اليد العاملة، مثل البناء، الصناعة، النقل، المطاعم، وقبل كل شيء الصحة، حيث يُعد الأطباء والممرضون القادمون من سوريا وأفغانستان ركيزة مهمة في المستشفيات ودور الرعاية. و حسب الأرقام الرسمية، فإن أكثر من 235 ألف سوري يعملون اليوم بشكل قانوني في ألمانيا، ما يجعلهم مساهمين مباشرين في الاقتصاد الوطني. هذا الدعم البشري يأتي في وقت تواجه فيه ألمانيا تحديًا ديمغرافيًا حادًا بسبب شيخوخة السكان وخروج جيل «طفرة المواليد» إلى التقاعد. و بفضل المهاجرين و اللاجئين، تواصل سوق العمل نموها بدل الانكماش. صحيح أن نسبة البطالة لا تزال أعلى لدى اللاجئين مقارنة بمتوسط السكان، لكن الفجوة تتقلص بمرور السنوات. كما أطلق بعضهم مشاريع خاصة – من مطاعم ومتاجر إلى شركات ناشئة – مما أضاف ديناميكية اقتصادية محلية. سياسة هجرة أعيدت صياغتها بعمق بعد الحماس الأولي، شددت ألمانيا سياساتها منذ 2016. فأعادت مراقبة الحدود، واعتبرت بعض الدول «آمنة» لتسريع إعادة طالبي اللجوء المرفوضين إليها، وقيّدت لمّ الشمل العائلي مؤقتًا. و رغم انخفاض عدد الطلبات مقارنة بذروة 2015-2016، ظلّت ألمانيا الوجهة الأولى في أوروبا، خاصة بعد عودة الارتفاع في 2022 مع تسجيل أكثر من 240 ألف طلب لجوء جديد. وبالتوازي، بدأت برلين في تطوير سياسة هجرة موجهة خصيصًا للعمالة المؤهلة، فأقرت قوانين جديدة لتسهيل استقدام الكفاءات، وآخرها في 2023 مع اعتماد نظام نقاط مستوحى من النموذج الكندي. كما عقدت اتفاقيات ثنائية مع دول مثل المغرب والهند والمكسيك والفلبين لاستقطاب مهنيين في مجالات الصحة والهندسة والحرف. الموجة الجديدة من اللاجئين الأوكرانيين اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 دفع بأكثر من مليون لاجئ أوكراني إلى ألمانيا. لكن هذه المرة، استفادوا من آلية أوروبية خاصة منحتهم مباشرة إقامة مؤقتة وحق العمل والدراسة دون المرور بمسار اللجوء التقليدي. المجتمع الألماني رحب بهم بحرارة، وأعيد إحياء روح «ثقافة الترحيب». لكن سرعان ما ظهرت تحديات مشابهة: إيجاد سكن، دمج التلاميذ، وتغطية النفقات العامة. ومع تفاقم التضخم والأزمات الاقتصادية، برزت أصوات ناقدة للتكاليف، وبدأت الحكومة تقلص بعض الامتيازات الممنوحة لهم. مجتمع منقسم و صعود اليمين المتطرف تدفّق اللاجئين منذ 2015 غيّر المشهد السياسي والاجتماعي في ألمانيا. فقد استغل حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) هذه المخاوف ليصعد بشكل غير مسبوق، حتى أصبح في بعض الاستطلاعات القوة السياسية الثانية في البلاد. هذا التحول ترافق مع مظاهر عداء متزايدة للأجانب، من اعتداءات لفظية وجسدية إلى تهديد مراكز إيواء. وفي المقابل، نشطت حركة مضادة قوية من المجتمع المدني والأوساط الاقتصادية تحذر من انغلاق ألمانيا وتدافع عن نموذجها المنفتح. و هكذا، وجدت ألمانيا نفسها أمام استقطاب حاد: قسم من الشعب يدافع عن الانفتاح والتنوع، وآخر ينحاز لخطاب قومي متشدد. دروس للتونسيين الراغبين في الهجرة إلى ألمانيا تجربة العقد الماضي تحمل عبرًا مهمة للتونسيين. فالهجرة غير النظامية أو طلب اللجوء دون مبررات قوية لم تعد خيارًا واقعيًا. فالتونسيون يُعتبرون من «المهاجرين الاقتصاديين»، والفُرص أمامهم تكمن أساسًا في القنوات الشرعية: العمل أو الدراسة. الخبر الجيد أن ألمانيا تبحث فعلًا عن اليد العاملة والكفاءات، وتوفر مسارات قانونية ميسرة، خصوصًا في مجالات الصحة والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والحرف. برامج مثل «Triple Win» مكنت بالفعل عشرات الممرضين التونسيين من العمل هناك بعقود رسمية بعد تكوين لغوي. لكن على الراغبين في الهجرة أن يستعدوا جيدًا: تعلم الألمانية، الحصول على شهادات معترف بها، وتقديم طلبات عبر القنوات الرسمية. أما الطرق غير النظامية، فهي محفوفة بالمخاطر وتنتهي غالبًا بالترحيل. ألمانيا 2025 ما زالت أرض فرص، لكنها موجهة لمن يأتون بطريقة منظمة وقانونية. الاندماج هناك ممكن، كما برهنت قصص نجاح مئات الآلاف من المهاجرين، لكنه يتطلب جهدًا وتخطيطًا وصبرًا. تعليقات