"عندما يُصيبك الاكتئاب، يمكنه أن يكون منهكا. فقد كان أحيانا مجرد النهوض من السرير أعظم إنجاز لي. كما أن الفوز بميدالية ذهبية كان أمراً سهلاً مقارنة بذلك. أحياناً كان اكتئابي أقوى مني، غير أنني أدركت في النهاية أنه من الضروري أن أطلب مساعدة المتخصصين، والتحدث عن مرضي، لأتعافى". كانت هذه رسالة السباح الأمريكي العالمي مايكل فيلبس التي توجه بها عبر مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية "ويش 2018" إلى كل المرضى النفسانيين داعيا إياهم إلى ضرورة طلب المساعدة سواء من الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين في المجال. اجتمع الثلاثاء الماضي في العاصمة القطريّةالدوحة ما يقارب 2000 من المبتكرين في مجال الرعاية الصحية وصانعي السياسات والأطباء الممارسين والباحثين قصد مناقشة وتبادل الأفكار وتقصي الحلول المبتكرة في مجال الرعاية الصحية، وذلك على هامش افتتاح النسخة الرابعة من مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية "ويش 2018" (الذي انعقد يومي 13 و14 نوفمبر الجاري)، والذي تولى افتتاحه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم والتنمية والمجتمع، وبحضور لفيف بارز من قادة الرعاية الصحية حول العالم على غرار الدكتور أحمد المنظري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، والدكتورة ماتسيديسو مواتي المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لإفريقيا، فضلا عن وزراء صحة من كافة أنحاء العالم.. "الصباح" واكبت عن كثب فعاليات قمة "ويش" الملتئم صلب مركز قطر الوطني للمؤتمرات حيث مثّل المؤتمر محطة هامة ناقش من خلاله الخبراء وعلى مدار يومين مواضيع تعتبر حارقة في مجال الصحة على غرار معضلتي القلق والاكتئاب. من هذا المنطلق كانت للرياضي الأمريكي العالمي مايكل فيلبس –الذي يعتبر من أشد المدافعين عن معالجة الوصمة الاجتماعية المتعلقة بالصحة الاجتماعية- مداخلة خلال اليوم الثاني من المؤتمر تطرق من خلالها وبشكل تفصيلي إلى صراعه مع القلق والاكتئاب. وعن تجربته الشخصية كبطل أولمبي استطاع تجاوز المشاكل النفسية والاكتئاب الذي عانى منه مستعرضا في هذا الصدد أبرز الحلول أو الخطوات التي يراها ناجعة لتجاوز المرض النفسي داعيا في هذا الإطار الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية إلى طلب المساعدة من الأسرة والأصدقاء ومتخصّصي الرعاية الصحية. فالقلق والاكتئاب سجلا حضورهما في هذا المؤتمر بالنظر إلى أنهما يمثلان أكثر مشاكل الصحة النفسية انتشارا على مستوى العالم حيث كشفت تقديرات سنة 2017 وجود نحو 322 مليون شخص يعانون من الاكتئاب و264 ملون شخص يعانون من القلق. كما انه على الرغم من التوثيق الجيد لآثار مشاكل الصحة النفسية إلا انه توجد حاليا قضايا نظامية تعيق تقديم الرعاية الفعالة في الوقت المناسب، إذ أن 1 إلى 6 في المائة فقط من إجمالي ميزانيات الصحة يتم تخصيصها للصحة النفسية على مستوى العالم، ونتيجة لذلك يعمل 1 في المائة فقط من القوى العاملة في المجال الصحي حول العالم في مجال الصحة النفسية مما يؤدي إلى خلق فجوة كبيرة وموثقة في مجال الصحة النفسية بما أن 1 فقط من كل 27 شخصا يتلقون الرعاية الكافية للاكتئاب والقلق في بعض البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط. من هذا المنطلق تحدث رئيس منتدى ويش 2018 البحثي حول القلق والاكتئاب، بول فارمر (الرئيس التنفيذي ل"ماييند" وهي مؤسسة خيرية رائدة في مجال الصحة النفسية في أنقلترا وويلز) عن آثار القلق والاكتئاب الصحية والتي غالباً ما يقلل من شأنها على الرغم من أنها تؤثر على شريحة واسعة من سكان العالم. واعتبر فارمر في هذا الإطار أن القلق والاكتئاب يمثلان أكثر مشاكل الصحة العقلية انتشاراً على مستوى العالم موضحا أن ارتفاع معدلات انتشار هذين المرضين، وتأثيرهما على المدى البعيد لا بد أن يكونا حافزا على توفير الحلول المناسبة. وأورد في هذا السياق انه من الضروري مناقشة كيف يُمكن للمجتمعات والقطاعات الأخرى كالتعليم والتوظيف أن تلعب دوراً رياديا في اتخاذ إجراءات لتجنب أمراض القلق والاكتئاب. وتعرّض النقاش الذي ارتكز على تقرير ويش 2018 حول القلق والاكتئاب على التحديات الشاملة التي تحيط بمعضلتي القلق والاكتئاب بدءاً بالسياسات ووصولاً إلى تعزيز الدعم والرعاية، والآثار الأشمل على العائلات والمجتمع. وقدم التقرير لمحة عامة عن قاعدة الأدلة وأفضل الممارسات والابتكارات مع التركيز على دمج الرعاية الصحية النفسية من خلال: الرعاية المتقدمة، والرعاية التعاونية علاوة على تقاسم المهام. ليخلص التقرير إلى اقتراح إطار العمل الذي يؤكد على الرعاية الصحية النفسية كواحدة من أولويات الصحة العامة والدعوة لإدراجه كجزء من برامج التغطية الصحية الشاملة. ويقتضي إطار العمل من الدول المعنية البحث في اعتماد نهج بسيط من ثلاث خطوات: أولا تحليل الحالة، وثانيا تحديد الأوليات. أما الخطوة الثالثة فتتمثل في التنفيذ من خلال استخدام التدخلات المجربة ذات الفعالية والمستندة إلى الأدلة فضلا عن إنشاء شبكة تعاونية تضم مجموعات المرضى وفرق الرعاية الصحية والمعاهد والمجتمعات وأيضا التفكر في كيفية تحسين الاستفادة من التكنولوجيا والحلول الرقمية. تجدر الإشارة إلى أن الجلسات المنعقدة خلال اليوم الأول من المؤتمر قد مثلت فرصة للمشاركين من أجل التفاعل مع الخبراء لاستكشاف مواضيع الرعاية الصحية عن كثب. وشملت القضايا المطروحة خلال اليوم الأول للمؤتمر: صحة العين، والرعاية الصحية في ظروف الصراعات، وعلم البيانات والذكاء الاصطناعي. يذكر أن مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية "ويش" هو مجتمع عالمي للرعاية الصحية يسعى إلى نشر أفضل الأفكار والممارسات المستندة إلى الأدلة والبراهين لتعزيز سياسات الرعاية الصحة عالميا هدفه تعزيز الروابط والمساعدة في بناء مجتمعات معرفية تقوم على العمل الفعال بحيث تتضافر جهودها في مواجهة التحديات الصحية العالمية الأكثر إلحاحا في العالم. منال حرزي