ظلت إسرائيل، دولة الصهيونية التي أوجدها الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية في الشرق الأوسط، مقاطعة لسنوات طويلة من غالبية دول المنظمة الأممية.. لأنها لم تتأسس على مبدإ دولي واضح، ولا على حق تقرير المصير. وأدرجت إديولوجيتها الصهيونية دولياً في قائمة التنظيمات العنصرية التي يجب مقاومتها والتصدي لها، مثلها مثل الأبرتايد في جنوب إفريقيا.. إلى أن هيأت لها الأوضاع لتحصد حق العطف الإنساني عليها من أجل جيرانها العرب العدائيين الذين يهددونها بالإلقاء في البحر. كيف؟ وهي دولة عضو في الأممالمتحدة.. وبعد عشرين عاماً من حق الشفقة راحوا يطلبون لها حق الأنموذج الديمقراطي التقدمي، في منطقة تخلف سياسي وتعصب ديني، تمتلك مخزون ثلاثة أرباع نفط العالم. وانقلب الميزان لصالحها قسراً بالخدعة والمكاسب العسكرية على الأرض.. واختُلق لها الكيان الفلسطيني الممثل الشرعي والوحيد، ثم سلطة الدولة الفلسطينية المؤجلة، لتبادل الاعتراف والجلوس مجلس المفاوض الند للند. وأُحكمت اللعبة من جانب مصر لحملها بعد حرب النكسة وحرب رفع الرأس على عقد سلام مع عدوّ الأمس، تسترجع بموجبه أراضيها المحتلة لا غير، ومنزوعة السلاح، على أن تقوم بمهمة التطبيع مع بقية العرب، أو ما يشبه صياح الكبش الغريق على إخوانه في القطيع. والتحق الأردن بها مكرها أخاك لا بطل، بينما البطل الثاني في حرب اكتوبر 73 المنتظر وقوعه في صفقة اللاقومية، عفّ بنفسه تحت تأثير المنافسة البعثية مع العراق. وتمهيداً للدولة الفلسطينية المنظورة كالسراب أعطت إسرائيل أراضي ال 67 الفلسطينية لأصحابها، أي الضفة وغزة. وما بين وفاء إسرائيل بالاتفاقات الدولية وبين فلسطينيين منتهكين في أراضي الاحتلال، انخرطت الآلة الصهيونية في لعبة الضغط والتهديد والاعتقال والاغتيال ومواجهة المقاومة بكل الأسلحة.. حتى لم يعد أبسط فلسطيني يصبر على الاستفزاز وضياع الحقوق بالموت البطيء.. فكانت الانتفاضة الأولى في ال 87 ثم الثانية في ال 96 (انتفاضة الأقصى ضد شارون) وتتالت الانتفاضات وإسرائيل تقمعها ولا تفعل غير الاستيطان المزيد والانتقام الشديد والاجتياح والعزل والحصار والحواجز وتحدي قرارات المجتمع الدولي، إلى أن كان الوضع الجديد الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ القضية: الأراضي الفلسطينيةالمحتلة بعد 67 أصبحت في اختناق كامل وتمزيق أوصال ومستوطنات عرقية وتهويد القدس والسجون المكتظة والتصفيات الجسدية، إلخ .. *** هذا كله لم يكن معروفاً عن إسرائيل الدولة المتحضرة الديمقراطية الحقوقية المسالمة أكثر من كل دولة في المنطقة .. هذه الصورة انتكست بسبب إمساكها بالسلطة في الأراضي المحتلة، ولم تكن الحروب النظامية لتكشف ذلك في السابق. ولا عبرة بمن تحت يدها وراء الخط الأخضر من فلسطينيي ال 48، لأنه كالتفصيل في الديكور الديمقراطي لتصدير المشهد في الخارج، واختلاق الأعذار للدول التي ترفض العيش معها بسلام وتقمع الفلسطينيين دونها. وكان التقدير أن تكون السلطة التي تولتها في الأراضي المحتلة ورقة ضغط سريعة في مفاوضة سلام وتطبيع مع كل الدول المناوئة.. على أن لا تتخلى عن تلك الأراضي المحتلة إلا بعد أن تكون أفرغت أصحابها من كل قضية أصلية معها؛ وربما هجّرت إليها الفلسطينيين الآخرين لديها في أراضي ال 48، وبذلك تكون لها في عموم المنطقة التي تطالب بها تاريخياً وضعية الدولة ذات الأقلية الفلسطينية على أراضيها. لكن حربها الحالية مع غزة .. لم يحسب لها حساب في تقدير سياسييها المتهافتين على الكسب فقط من أعمالهم العدوانية والإرهابية كالسابق عند تأسيس الدولة وبالتعويل على رأسمالها المعنوي عند حلفائها.. والطبع لا يغلبه التطبع. وتكفّ كل الدول المناوئة لها في المنطقة عن الانجرار وراءها في حربها المفتوحة على غزة، لرهان تلك الدول على أمر واحد هو أن إسرائيل ككل محتل لا يغلب إلاّ بالمقاومة، وأنه لا مجال بعدُ لحرب غير متكافئة السلاح في المنطقة. وهو ما ترغب فيه اسرائيل قبل أن تكون الآلة النووية لدى إيران الاسلامية قد أصبحت قادرة على أن تخيفها أكثر على مصيرها. هذا الوضع الذي تعرفه إسرائيل اليوم بعد أسبوعين من الرصاص المسكوب في غزة.. فريد من نوعه. يذكر بالانتصارات التي حققتها حركات المقاومة في التاريخ على حساب الجيوش المدججة بالسلاح في بلدانها المحتلة. ومن قديم والظالم لا يكشفه إلاّ ظلمه. فإسرائيل اليوم كأنما أسلمها إلى مصيرها ظلمها في الأراضي المحتلة. وأوقعُ سلاح هو سلاح المهادنة والتهدئة ومدّ الحبل للظالم حتى يتبين ظلمه في من تحت يده فيسقط كأوراق الخريف. ونصرُ غزة، حتى بتقدير الستة عشر يوماً من الصمود إلى الآن، أوقع العالم كله في تغيير حسابات لم يكن بدّ منها في غير صالح النظام الدولي عامة وليس فقط في غير صالح إسرائيل: أولاً، كسَب العالم الحرّ من خلال غزة تأكيد شرعية المقاومة في كل مكان من العالم ضد الظلم والعدوان. ثانياً: مدى فعالية الإعلام والوسائط الاتصالية في عالم مفتوح ومتقارب المسافات بالصوت والصورة كسند للمظلوم، مهما يكن الخداع والتعتيم على الحقائق على الأرض. ثالثاً: إمكان تحول مظاهرات الغضب والتنديد والاستنكار والاحتجاج في ساعة من زمان إلى تسونامي في كل مكان من العالم للتأثير في مجريات الأحداث لفائدة القضايا العادلة وشجب الظلم. وهذه كلها أمور لم تحدث سابقاً في أية مواجهة مع إسرائيل، مع دخول إيران وتركيا على الخط لفائدة قوى الممانعة في المنطقة. ويمكن رصد مظاهر تنبئ بتحولات كبرى في الرأي العام الدولي المساند عادة لإسرائيل، ومنها: - التحركات والمواقف السياسية في معظم الدول الغربية وفي أمريكا أصبحت تقض مضجع إسرائيل. بدءا بدولة الفاتيكان، فأحد أكبر رجالات دينها في شخص وزير العدل والسلام في الكرسي البابوي، يشبه غزة «بمحتشد نازي» فكأنما أطلق قنبلة في الكنيست. وإحدى نقابات التجار في إيطاليا تدعو لمقاطعة البضائع الاسرائيلية، فتثير زوبعة كبرى في الرأي العام السياسي.. يصحبه نداء لمقاطعة دعوة إسرائيل كضيف على معرض الكتاب بتورينو في الربيع القادم. - سيل المظاهرات لا ينقطع في دول الشمال الأوروبي خاصة الأكثر تطرفاً ومناوأة لليهودية الصهيونية تقليدياً. حتى أن أكبر المواقع الإلكترونية للصحف والوكالات الاعلامية في فرنسا أغلقت أبوابها بوجه سيل الردود والمواقف، لحدتها من جانب ومن آخر بشكل ينبئ بخطورة تداعياتها على واقع الناس السياسي والاجتماعي. وهذه أولى، في وسائل التأثير على صناع القرار حتى أنه اعتبر من جانب آخر بمثابة قمع لحرية التعبير والمظاهرات السلمية .. - المنظمات الحقوقية مجمعة على وصف ما يحدث في غزة بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وإبادة جماعية. وتطالب بمحاكمات دولية عادلة. وهذا ليس بالقليل لصب الرعب في قلب إسرائيل. والرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول: «نُصرت بالرُّعب مسيرة شهر». فالخوف المعنوي الذي تزرعه غزة اليوم في نفوس أعدائها هو ذاته نصر لقضيتها معهم. - الأممالمتحدة في حرج كبير بقراراتها غير الملزمة.. بدءاً من أمينها العام ومروراً برئيس جمعيتها العامة وانتهاء بمجلسها الدولي لحقوق الإنسان. - إدانات شبه يومية من منظمات الإغاثة والعون للاجئين وجمعيات الصحافيين للتجاوزات التي ترتكبها إسرائيل، وسقوط ضحايا من بينهم، في ظل خناق صارم على كافة وسائل الاعلام لنقل الأحداث كما تجري. *** وما سطّرته المقاومة بالدماء في غزة، جاء القرار الدولي لمجلس الأمن ليمسح عليه بمنديل مصر. فقط منحت رايس للرايس فرصة الراعي لاتفاقات شبيهة بما رعته الإدارة الأمريكية من اتفاق بين القاهرة وتل أبيب في كامبد ديفيد. ولكنه قرار ذو حدين، لأن مصر الراغبة دوماً في لعب دور رئيس في منطقتها، تتطلع إلى الاطمئنان على موقعها في زحام القوى الصاعدة للممانعة كحليف للكبار. والمبادرة المصرية جاءت في استباق واضح لاحتمالات قمة عربية أو إسلامية، وتلفعّت بفرنسا في تجاهل واضح للرباعية التي قادتها السعودية باسم خارجية الدول العربية إلى مجلس الأمن. ومفاجأة امتناع الولاياتالمتحدةالأمريكية عن التصويت جاءت مخيبة لآمال المصريين .. حتى لا ينفردوا بإسرائيل قبل تحقيق باقي أهدافها على الأرض. ولذلك فإن انتظار مصر بأنه بإمكانها أن تضغط في يوم ما على إسرائيل بما يرفع من قدحها في نظر جيرانها العرب والمسلمين، سيبقى انتظاراً بعيد التحقيق بالنظر للتوزنات الدولية التي لم تختل بعدُ لصالح نظريتها، بل مستحيلاً.. فلا اسرائيل ولا أحداً من حلفائها من السذاجة بمكان. وسيعود مجلس الأمن ليكون أمام مسؤوليته من أجل تفعيل المادة السابعة في قانونه لاتخاذ إجراءات إلزامية لوقف الحرب، بعد أن تكون المبادرة المصرية المميّعة في القرار 1860 قد حققت هدفها لصالح إسرائيل أوّلاً. وكانت رغبة فرنسا تأجيل التصويت على القرار لمشاورات أكثر، لتبدو أكثر مصداقية في المنطقة. لكن الرهان الأمريكي سيفشل مرّة أخرى كما فشل في التقدير بشأن الحرب على أفغانستان والعراق.. وتُقدّم الإدارة الامريكية البائسة على مذبح الشعوب الذرائع، بمخابرات سيئة التقدير ومعلومات استخبارية كاذبة وبورقات ضغط إقليمية، ممثلة في هذه الدولة وتلك، تبينت قلة فعاليتها بسبب طبيعة المستجدات.. *** إسرائيل الحل الأوروبي ليهود الشتات في أوروبا الغربية والشرقية والاتحاد السوفياتي سابقاً والذين عانوا من أهوال العنصرية واللاسامية، لم تعد حلاّ في فلسطين، بل نكبة على الحضور الأوروبي والأمريكي بكل معانيه ومقوماته في الشرق الأوسط، وأنه لا حل دولياً إلاّ تخليص يهود العالم من الصهيونية وإعادتهم إلى حضيرة الأقليات المحفوفة بالقوانين الدولية العادلة، أي في ذمة الدول السابقة، كما كانوا في مصر وفي العراق وفي دول المغرب العربي وفي تركيا وفي شتى بلدان العالم. وهذا ليس خياراً من الخيارات السياسية لأحد، بل هو حقيقة تلمودية توراتية لقومية شعب منغلق على دينه، طبعت نفسيته وسلوكياته عبر الزمن بطابع الحرج من كل شعوب الأرض وقبائله وأجناسه. وكبار فلاسفة التاريخ يعرفون هذا، ويصرحون به وأوضحهم في هذا المعنى ابن خلدون العلامة المعروف بنزاهته في تحليل الوقائع والأحداث وشرح أحوال العمران في الخليقة. فهو أول من استعمل توصيف الحرج في طبيعة اليهود إزاء غيرهم من الأقوام. بسبب الظلم الذي حاق بهم طول العصور وأثّر سلباً في سلوكهم. يقول ابن خلدون في بعض فصول مقدمته في الرفق بتعليم الولدان: «وانظُرْه في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلُق السّوء حتى أنّهم يُوصفون في كلّ أفْق وعصر بالحرَج، ومعناه في الاصطلاح المشهور التّخابث والكيْد، وسببه ما قلناه.». فظلم إسرائيل الفاضح في إدارة الأمور في ولايتها على الأراضي المحتلة، وإن ركبت مسؤولتُها للخارجية ظهر مكافحة الإرهاب في حربها على غزة بقصد استدرار عطف المجموعة الدولية مع معرفتها بالتباس الأمر بمقاومة الاسلام جملة، لم تستطع جرّ الاتحاد الأوروبي ولا الولاياتالمتحدةالامريكية ولا دول الاعتدال العربي والاسلامي، لمناصرتها بصورة عمياء في كل ما تفعل. بل بالعكس جاء تحرج فرنسا وتضارب المواقف في الرئاسة الأوروبية، وامتناع الرئيس الامريكي - على ما يظهر - من إعطائها الضوء لتكرار ضربتها الخاطفة لمفاعل تموز في العراق في إيران. كل ذلك أصابها بشلل قاتل في هجومها العسكري والسياسي إلى حد الآن. وباتت المراهنة عند أصدقائها التقليديين صعبة بجهة البحث عن «قيادة حكيمة وشجاعة» في انتخاباتها القادمة تخرجها من المأزق دون أكبر الأضرار، خاصة أنها مدعوّة للجلوس بجانب حكومة سلطة شبه "حماسية" في مؤتمر السلام لمنطقة الشرق الأوسط في موسكو الربيع القادم، رغم سعيها لإجهاضه سلفاً.