سحب ثقة" برلماني و شعبي من الحكومة ..هل حان وقت الرحيل و كيف سيكون البديل؟    بطاقتك تنجّم تنقذ حياة إنسان: كيفاش تولّي متبرّع بالأعضاء في تونس؟    مقترح قانون جديد: السجين ينجم يتصل بعائلته خارج أوقات الزيارة!    عاجل: حملة أمنية كبيرة ضد المحتكرين ...تفاصيل تنشرها وزارة الداخلية !    إيران وأمريكا تتلقيان خطة لإنهاء الحرب    عاجل/ تفاصيل جديدة عن حريق مستودع الحجز البلدي ببومهل واحتراق سيارات..فتح تحقيق..    عاجل/ مسيرة تستهدف هذه الشركة في الامارات..    لبنان: إستشهاد ثلاثة أشخاص في غارة إسرائيلية على بلدة شرق بيروت    شوف جدول مباريات الجولة العاشرة إياب: كل الفرق والتوقيت    الترجي: إصابتان جديدتان قبل المواجهات القادمة..شكون؟    كيفاش بش يكون طقس اليوم الاثنين ؟    كوريا الجنوبية "تتأسف" لكوريا الشمالية بعد واقعة المسيّرة    اليوم آخر أجل لخلاص vignette : أصحاب الأرقام الفردية معنيين    رضا الشكندالي يحذّر من تواصل تراجع الاستثمار في تونس منذ 2011    البطولة الفرنسية : موناكو يفوز على مرسيليا في ختام الجولة 28    البطولة الإيطالية : إنتر ميلان يعزز صدارته بفوز كبير على روما    استخباراتي أمريكي: الوضع الأمريكي مرشح لمزيد التدهور وواشنطن تفتقر إلى استراتيجية واضحة    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    انتخاب هشام العجبوني أمينا عاما للتيار الديمقراطي    أكسيوس: الوسطاء يبذلون جهودا أخيرة للتوصل إلى وقف إطلاق نار في إيران لمدة 45 يوما    في اليوم ال38 من الحرب ... رؤوس متفجرة تسقط في حيفا في ظل مفاوضات "الفرصة الأخيرة"    خلال يومين: هذه حصيلة تدخلات الوحدات الأمنية للتصدي للاحتكار والمضاربة    كيف تتحكَّم في شهيتك بسهولة؟ 7 حيل فعَّالة يومية    بمستشفى المنجي سليم بالمرسى ... نجاح عملية زراعة كبد دقيقة لتلميذة في حالة حرجة    مؤشرات طيّبة ..أغلب سدود جندوبة والكاف تجاوزت 100 %    سيدي علي بن عون .. يوم مفتوح للجمعية التونسية لقرى الأطفال س.و.س    جمال لا يرى    نظّمها النجم الرياضي بحلق الوادي وحَضرها نجوم كرة السلة ... ... «سهرة الأساطير» ستَظلّ في البال    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    محافظ البنك المركزي ووزير الاقتصاد يشاركان في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين    عمليات نوعية في جراحة القلب والشرايين: الطبّ التونسي يتألّق في نواكشوط    ظهرت في أغنية كورية لثوانٍ.. ابنة أنجلينا جولي وبراد بيت تشغل التواصل    الاتحاد المنستيري يتوّج بلقب بطولة كرة السلة    طبيب مختص: قريبا اعتماد الأوكسيجين المضغوط في تأهيل مرضى الجلطة الدماغية    هل تساعد البذور على خفض سكر الدم؟ إليك 5 خيارات مفيدة    ورشة عمل تشاركية حول إحياء القرية البربرية الزريبة العليا يومي 18 و20 أفريل    طبيبة نفسية تحذّر: الإدمان الالكتروني اضطراب نفسي مزمن يحتاج علاجًا    تحت عنوان "ذاكرة و عُبور" الدورة 30 لصالون صفاقس السنوي للفنون تحتفي بالفنان باكر بن فرج    الرابطة المحترفة الأولى: النادي الافريقي يتقاسم الصدارة مع الترجي    بطولة مونزا للتحدي للتنس - معز الشرقي يستهل مشاركته بملاقاة السويسري ريمي بيرتولا لحساب الدور السادس عشر    قرار جديد في دقيق الخبز ومنظمة إرشاد المستهلك ترحّب بالفكرة    نابل: استثمار تركي بقيمة 5 ملايين دينار لتشغيل 1000 شاب في قطاع النسيج    توزر: افتتاح المشروع الثقافي "ستار باور" بدار الثقافة حامة الجريد ضمن برنامج "مغرومين"    نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي بلغت 5 بالمائة خلال شهر مارس    خبر يفرّح التوانسة: بشائر الخير مازالت متواصلة في أفريل    تستدرج الشبان عبر "فيسبوك" وهذا ما تفعله بهم: تفاصيل الإطاحة بفتاة تتزعم عصابة بمنوبة..#خبر_عاجل    مفاجأة: دراسة علمية تكشف..عنصر رئيسي يجعل البكاء سبباً لتحسين مزاجك..    المركز الجهوي لتقل الدم بصفاقس ينظم يوما مفتوحا للتبرع بالدم يوم 8 افريل 2026 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للتبرع بالدم    تحيل على العشرات من الضحايا: القبض على منتحل صفة مسؤول..وهذه التفاصيل..    فتح تحقيق في حادثة سقوط تلميذة من الطابق الاول بمدرسة اعدادية بالمكنين    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    التشويق يتواصل: مقابلات اليوم تنجم تبدّل الترتيب الكل    دخول مجاني اليوم إلى المواقع الأثرية والمتاحف في تونس    الرائد الرسمي: فتح مناظرات وطنية للدخول إلى مراحل تكوين المهندسين بعنوان السنة الجامعية 2026-2027    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسالة مفتوحة إلى السيدات والسادة أعضاء المجلس الوطني التأسيسي (جزء 1)
نشر في الصباح يوم 30 - 12 - 2011

بقلم: العقيد (م) بوبكر بنكريم المجد لشهدائنا الأبرار الخالدين، أبطال ثورة الحرية والكرامة الذين مكّنوننا من أن نعيش يوم 23 أكتوبر 2011، ذلك الحدث التاريخي المتمثل في انتخاب المجلس الوطني التأسيسي. كلّ الإكبار والتقدير للشعب التونسي الأبي الذي أظهر للعالم كلّه وبأجمل الطّرق نضجه السياسي وتحضره وفطنته وبعد نظره ومعاني المسؤوليّة بإقباله على الانتخابات التاريخية في كنف الانضباط والصّبر وبكلّ أريحيّة.
شكرا للعميد عياض بن عاشور على عمله المتميز مع لجنته بالرّغم من الانتقادات التي كانت غير مبرّرة في غالبها.
وشكرنا أيضا إلى السيد كمال الجندوبي رئيس اللجنة المستقلّة للانتخابات على التنفيذ الذكي والمحكم للعمل الذي أنيط بعهدته والذي لم يكن بسيطا ولا سهلا. فهذه المهمّة التاريخية كم هي نبيلة ولعلّها تزيل قليلا ممّا عاناه من إبعاد اضطراري طيلة سبعة عشر عاما فلنعبّر له هنا عن اعترافنا وامتنان الشعب التونسي.
وشكرا للسيد الوزير الأول الباجي قايد السبسي كذلك الذي لبّى نداء الواجب واستطاع أن يجمع حوله مجموعة من الشباب المتطوّع والمحب لوطنه والذي -بالرّغم من كلّ مخاطر الأمواج المحيطة به خلال عبوره- استطاع بذكاء أن يقود المركب إلى شاطئ الأمان مبديا قدرته الكبيرة، ليس كمسؤول سياسي فحسب بل كرجل دولة كذلك.
ولا يفوتني التنويه بجنود الخفاء السيدات والسادة النساء والرجال الذين مكنونا من بلوغ 23 أكتوبر دون خسائر كبيرة حيث دارت الانتخابات بصفة رائعة وأنا أحييهم بحرارة: وهم المديرون العامون ومديرو الإدارات والمديرون العامون للمؤسّسات الوطنيّة والخاصّة وكلّ مساعديهم ومعاونيهم فهم الذين مكنوا التونسيين من مواصلة العيش -بالرّغم من فترات غموض وأحيانا شكّ- بصفة طبيعيّة واستمرار الحصول على مرتباتهم ومعاشهم ومواصلة تزويد محلاّتهم التجاريّة. شكرا لكم أيّها السيّدات والسّادة لأنّكم أظهرتم بأنّ إدارتنا قادرة وفي أيد أمينة وهي مع ذلك جادّة ومتفانية في عملها وأخيرا هي متمرسة وفعّالة. نحن فخورون جدّا بكم.
انتخب الشعب وحكمت صناديق الاقتراع، وفي السياسة لا شيء يربح مسبقا. لقد شاهدنا ذلك خلال الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر المنصرم. لقد لاحظنا أنّ أحزابا من بين الأحزاب التاريخيّة المعروفة على السّاحة والتي كان لها إشعاع بين طبقات المجتمع التونسي قد خسرت الرّهان في حين أنّ أحزابا أخرى قليلة جدّا لحسن الحظ عرفت كيف تستغلّ بعض الوضعيات وفي الأثناء حصلت بعض الأحزاب على نتيجة محبّذة. والحزب الوحيد الذي اجتاح كلّ أنحاء البلاد هو بالطّبع حزب النّهضة. ويعود ذلك أساسا إلى كفاح قاده الذين سجنوا وعذبوا واضطهدوا لعشرات السنين من طرف النّظام السابق. كما يعود ذلك خاصة إلى إصرار أولئك القادة وصبرهم والكفاءة الكبيرة لتنظيمهم وتعبئتهم وتأطيرهم، فلنثق بهؤلاء القادة حفاظا ودعما للمكاسب الاجتماعيّة والسياسيّة لبلادنا واستجابة لانتظارات الشباب الذي كان المحرّك لثورة الحرّية والكرامة والتي يجب تحقيقها بسرعة. من ناحية أخرى نأمل أن تكون المشاركة المسؤولة لهؤلاء القادة السياسيين في إنجاز دستور حريّ بتونس الجديدة، ملهمة الربيع العربي، إيجابية تطمئن شركاءنا السياسيين والاقتصاديين بصفة خاصّة الذين لا يمكننا تجاوزهم كما تطمئن كلّ طبقات المجتمع التونسي.
وبالنّسبة إليكم أيّها السيدات والسّادة النوّاب، مرحى لنجاحكم الباهر في الامتحان الذي اجتزتموه!! والشيء الذي ينتظركم هو أكثر صعوبة لكنّه فعلا مشوّق ومثير. أنتم المائتان وسبعة عشر «أخصائيا» في الطّب، تمّت دعوتكم جميعا في نفس الوقت لأفضل سرير وأكرم النساء لمساعدتها على إنجاب طفل محبوب ومطلوب ومترقب منذ نصف قرن من هاته العائلة الكبيرة ذات العشرة ملايين نسمة. وأثناء الشهور التسعة لحملها كانت هذه المرأة العجيبة محلّ مدح من طرف البعض، ومحلّ انتقاد من طرف البعض الآخر، مهانة من البعض مصانة ومحميّة من الآخر، لكنّها لم تكن مدللة قط من أيّ طرف كان. وطيلة هذه المدّة كانت وقورة ومعطاء لكلّ أبنائها الذين كان بعضهم قد تجاوز حدود الأدب بسبب حسابات ضيّقة أو عدم اعتراف بالجميل ولقلّة الخبرة، لكنّها عفت عن الجميع على غرار كلّ الأمهات شريطة أن يكون هذا المولود الجديد آمنا وسليما، جيّدا وكريما، نبيلا ورحيما، موهوبا وذكيّا، رحب الصّدر ولطيفا حتى يتمّ قبوله بدون تردّد ولا ترمرم من طرف كلّ إخوانه وأخواته.
سيّداتي سادتي النوّاب،
سيحفظ التاريخ أسماءكم وسيحكم عليكم في ظرف قرن أو خمسين عاما وقد يكون قبل ذلك!! وكلّ ذلك سيكون مرتبطا بما ستقترحونه لمواطنينا وستبقونه للأجيال القادمة من ميثاق ونصوص أساسيّة تحدّد نوع الحكومة ومكوّنات الحكم وحقوق وواجبات كلّ مواطن.
لا تنسوا خاصّة أنّ التونسي حريص على العدل والمساواة والكرامة:
* العدل لأنّه أساس العمران والمواطنة والسلم.
* والمساواة لأنّها تمنح المواطن نفس الفرص كجاره في كلّ الوضعيات سواء في الحقوق أو الواجبات.
* والكرامة لأنّها توفر الاحترام لكلّ منّا حيث تعطي المواطن وضعيّة لا تجعله يثور على حالته مهما كانت مكانته الاجتماعيّة وإنّما هو معتزّ بالمجتمع الذي يعيش فيه.
بعض الثوابت التي يجب إصدارها في دستورنا:
قبل كلّ شيء إنّ تونس بلد عربي مسلم وهي وطن كلّ التونسيين دون استثناء أو إقصاء كما أنّ الدّولة التونسيّة تضمن لكلّ مواطنيها حرّية الفكر والمعتقد والتعبير مع إرساء القواعد والأسس والواجبات والالتزامات المطبّقة من طرف الكلّ ولفائدة الكلّ، ثمّ أخيرا انفتاح بلادنا على محيطها الطبيعي المغاربي والعربي والمتوسطي والإفريقي والإسلامي والأوروبي والعالمي.
وقد كان لي الشرف بأن خدمت بلدي في ميادين مختلفة بتحمّل مسؤوليات عالية (عسكرية، وإداريّة وسياسيّة) ووهبته أجمل سنين حياتي. ودون أيّ ادّعاء بتقديم دروس لكم أنا أرغب ببساطة أن أعرض عليكم وجهة نظري في بعض المواضيع نتيجة الخبرة الشخصيّة لمناضل وإطار يحبّ وطنه وقد وهبه كلّ ما لديه دون أن يطلب في المقابل أيّ شيء على غرار كلّ رفاقي في السّلاح. وأن أقدم أفكارا بعضها من مشمولاتكم في حين بعضها الآخر يتعلّق بالسلطة التنفيذية أعرضها بهدف تحسيسكم.
إنّ الجيش الوطني الذي صفقتم له والشعب التونسي نظرا لدوره التاريخي أثناء ثورة الحرية والكرامة كان الحديث عنه موضوعا محرّما في نظامي بورقيبة وبن علي. وخلال هذه الفترة ولنصف قرن كانت المسائل العسكرية اهتمام بعض المسؤولين السياسيين الذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد ولذلك غاب الجيش وخاصّة ضباطه من المشهد الاجتماعي والسياسي من ناحية وهو أمر مؤسف ومن ناحية أخرى لم تكن قيادته منخرطة في الخيارات الاستراتيجيّة الكبرى وهو أمر كارثي، وهنا لابدّ من أن نتذكر حرب بنزرت ومشروع القناة التي كانت ستربط شط الجريد بالبحر..إلخ ..
الجيش ليس متحزبا وكوادره اختارت الوطن كحزب والنّظام الجمهوري كمنهجية، وقد أخلصت له في عديد المرّات والمناسبات وكان ذلك في 1967، 1978، 1980، 1984، و2011.
ومن جهة أخرى فإنّ مكوّنات الجيش الحالية يجب المحافظة عليها وتدعيمها: فالأغلبيّة الساحقة من أفراده متكوّنة من جنود مستجدّين وفي ذلك تكمن قوته وبذلك فهو وطني قريب من الشعب، مستعدّ دائما للدّفاع عنه وحمايته.
وإنّي أعتقد أنّه لا يمكننا عدم إنصاف الشبان الذين سيستجيبون لنداء الواجب في سنوات الانتخابات للقيام بالخدمة الوطنيّة وذلك بحرمانهم من واجبهم الانتخابي.
الدّفاع عن البلد هو قضيّة كلّ الشعب التونسي بكلّ مكوّناته من قوات عسكريّة، منظمات وطنيّة، أحزاب سياسيّة، والمجتمع المدني، فالدّفاع ليس مسؤوليّة وزارة الدّفاع والجيش الوطني فقط بل على كلّ مواطن أن يشعر بأنّه معنيّ بهذا الواجب المقدّس.
أيّها السيدات والسادة،
تتعهّد بلادنا بالتعليم الابتدائي والثانوي والعالي لكلّ أبنائنا ونحن فخورون بذلك، كما أن قسما كبيرا من طلبتنا يتمتع بامتيازات أخرى منها المنحة الدّراسيّة بالرّغم من بساطتها والسّكن والأكل، وفي مقابل كلّ ذلك لم لا يقدّم الشاب التونسي للوطن «ضريبة الدّم» على غرار ما هو واقع بغالبيّة دول العالم؟ هذه الضريبة البسيطة جدّا والتي ستمكنه من تكوين سيستغله طوال حياته لا تمثل إلا سنة واحدة على ثلاث أو خمس وسبعين عاما من المعدل العمري للتونسي.
ومن جهة أخرى علينا أن نتذكر أنّ التجنيد المنهجي للشباب (عشرات الآلاف كلّ سنة)، باستثناء الطلبة المعفيين صحّيا وكلّ من تبيّن أنّه عضد عائلة له عدّة فوائد أهمّها:
1 يجعل التجنيد المنهجي من الشاب التونسي جنديّا مختصّا في الدّفاع عن بلاده وهذه هي المهمّة الأساسيّة.
2 ينمّي شخصية الشباب ويكوّن طبعه.
3 يعطيه معارف إضافيّة لم يحصل عليها بالمدارس والمعاهد والجامعات من تكوين مدني ومعنوي ووطني حيث يتعرّف على معاني العلم والوطن..إلخ.. وذلك إضافة إلى تكوينه بدنيّا.
4 وقد تسمح الخدمة العسكريّة للشباب بتعلّم مهنة، وذلك أمر ذو أهمّية لا يمكن إهماله بالبتة.
وفي حال استجابة كلّ الشباب للدّعوة إلى حصته بالخدمة العسكرية، وهذه مسألة إرادة سياسيّة، يقع تجاوز عدّة انتظارات للحكومة والقيادة العسكريّة بحيث:
أ يتحصل الجيش على حاجته من المجندين كمّا وكيفا (المستوى).
ب يكون للبلاد بصفة دائمة تخفيض من عدد طالبي الشغل مساو لعدد المجندين وهو أمر جيّد.
ج المجندون الذين ينهون خدمتهم العسكريّة يدمجون في جيش الاحتياط معززين إطاراته من ضباط وضباط صف ورجال جيش وهذا مهمّ في حالة استدعاء الاحتياطيين.
السيدات والسادة النواب،
بفضل نضالكم وحبّكم للوطن أنتم في رحاب هذا المجلس الموقر، وأنا متأكد من حسن نواياكم تجاه بلادنا لكن لأكون صريحا، انظروا وتبيّنوا من حولكم وقوموا بإحصاء: كم من معارفكم الجامعيين الذكور وكم من الرجال أدّوا واجبهم العسكري؟ فبتبيانكم أتمنى أن مراجعة حساباتكم تناقضني لكن من المؤكد أنّكم تشعرون بأهمّية المشكل.
ولهذا تقتضي المصلحة العليا للأمّة تطبيق ضرورة شموليّة الواجب العسكري ولا يُستثنى من ذلك إلا الشباب المعفي صحّيا ومن هو عضد لعائلة.
وهناك ضرورة إلغاء التعيينات الفرديّة أيضا والتي هي إجراء يفضله الرافضون للخدمة ويجبر الفقراء والمحرومين وحدهم على الاستجابة للواجب العسكري. لكن مدّة الخدمة الوطنيّة يمكن مراجعتها. ومن الواجب التذكير بأنّ الجيش في حاجة ملحّة للشبان الجامعيين لتأطير الاحتياطيين من ناحية ومن ناحية أخرى للاستعمال الجيّد للتقنيات الحديثة للسّلاح المتطوّر والذي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
ومن الواجب التذكير بأهمّية توجيه الشبان الجامعيين في سنّ أداء الواجب العسكري، وهم إطارات الغد وولاّة الأمر بعد غد، إلى الأكاديميات العسكريّة لفترة قصيرة حتى يكونوا ضباط احتياط. فالتكوين الخاصّ الذي يتلقونه في المدارس العسكريّة الكبرى بمدّهم بالمعطيات البيداغوجيّة التي تصلح لهم في الحياة المدنيّة ويمكنهم من الثقة والمرونة اللازمين كمسؤول المستقبل الذي قد يكون قائدا سياسيّا.
وعلى سبيل التشجيع والحوافز، لم لا يقع إسناد امتيازات هامّة لكلّ من أدّى واجبه الوطني كضابط أو ضابط صف أو رجل جيش في إطار مناظرات الانتدابات المنظمة من طرف الدّولة؟
وكما أنّه لم يتيسّر في الماضي مناقشة المسائل العسكريّة ديمقراطيّا فمن المحبّذ والضروري أن يتعمّق ممثلو الشعب أكثر في مسائل الدّفاع الوطني حتى يكونوا على علم بالشأن العسكري وبوسائل الدّفاع وحاجيات الجيش.
ويتحتم لذلك تكوين لجنة للدّفاع الوطني ضمن المجلس الوطني التأسيسي وفي انتظار أن يكون هناك عدد كاف من النوّاب الذين أدّوا الواجب العسكري يمكن عند الحاجة دعم اللجنة المذكورة بإخصّائيين متمثلين في ضباط متقاعدين، ولابدّ من التذكير بأنّ التغييرات التي وقعت في الوضع الجغراسياسي في المنطقة تحتم علينا مراجعة منهجنا الدّفاعي من استراتيجية ووسائل وتنظيم وتكوين وتدريب.
ولا يفوتني أن أوضح وألحّ على أنّ القيادة العسكريّة إنّما هي تنفذ قرارات السلطة السّياسيّة متمثلة في رئيس الجمهورية. فقواعد التصرّف والالتزام بتوصيات من القيادة العسكريّة يجب إقرارها من الرئيس بعد موافقة البرلمان وبهذا يتخذ مفهوم ديمقراطية الجيش كلّ معناه.
ومن جهة أخرى لابدّ من سدّ الفراغ القانوني الموجود حاليا والمتعلّق بالحالات الخاصّة التي تستوجب تدخل القوّات العسكريّة مثل «حالة الطوارئ، حالة حصار، التعبئة الجزئيّة، التعبئة العامّة» وذلك بإعداد النّصوص الملائمة التي تبيّن ظروف تدخل وحدات الجيش في كلّ حالة والعواقب المترتبة عن كلّ واحدة منها.
السيدات والسادة النوّاب،
أمّا بالنّسبة للجانب السياسي العام أعتقد أنّ وظيفة «الوالي» وقد مارستها مدّة سنتين ونصف هي من أهمّ وأدق وأنبل وأخطر المهامّ التي يمكن أن يقوم بها مسؤول سام في الدّولة. فالوالي هو المحرّك لجهته وفي مقدوره تنشيط التنمية الاقتصادية والاجتماعيّة أو تجميدها. من الممكن أن أفاجئكم برأي مخالف لما هو مطروح أو متعارف عليه في الدّوائر السياسيّة والإعلاميّة وهو أن يتفرّغ الوالي للتنمية لا غير وهكذا أقترح أن يكون الوالي بعيدا عن السياسة وبدون انتماء لأيّ حزب ويتمّ تعيينه من طرف رئيس الدّولة بعد موافقة البرلمان (المجلس التأسيسي) والمحبّذ أن يكون قد تابع تكوين ضابط احتياط أو تكوينا مماثلا (مثل المعهد الأعلى للدّفاع). ولمن يطالب بانتخاب الوالي يمكنني أن أجيبه بأنّ ذلك سابق لأوانه حسب رأيي في الوقت الحاضر لأنّ معظم جهاتنا ليس لها أسس اقتصاديّة قويّة يمكن أن تمتعها بالاستقلاليّة الذاتية الجزئيّة. وفي هذا المجال تقتضي التجربة والوضعيّة الاقتصاديّة الحاليّة ضرورة وضع منهج استراتيجي لغرض المساواة والتعاون، يتمثل في جهات اقتصاديّة تتكوّن كلّ منها من عدّة ولايات مع وجوب أن يكون لكلّ منها منفذ على البحر; وتدير كلّ واحدة من تلك الجهات الاقتصاديّة سلطة عالية يكون دورها اقتصاديّا.
ومن جهة أخرى لا يفوتني أن ألفت انتباهكم إلى ملاحظتين اثنتين في ما يخصّ المنتخبين من نوّاب (برلمان أو مجلس أمّة) ومستشارين بلديين. أوّلا وقبل كلّ شيء لابدّ من التفكير في عدم السّماح للجمع في نفس الفترة بين الخطّتين (نائب ومستشار) حتى لا يتمّ الوقوع في هفوات الماضي القريب.
وثانيا يتحتم من باب المصلحة وجوب إقامة المنتخب بمنطقته.
إنّي أسوق هذا الاقتراح عن معرفة جيّدة وتجربة مريرة. فالنّائب الذي يقيم بعيدا عن جهته وعمّن انتخبوه لا يستطيع بأيّ حال الاستماع إليهم ولمطالبهم، ولا الاطّلاع على مشاكل منطقته وإنّي أعتقد أنّ الزمن الذي يرغب فيه المرء انتخابه قصد إنجاز بطاقة زيارة مزوّقة قد ولّى وانتهى.
وأعتقد أنّكم ستتناولون بالدّرس حتما دور المنظمات الوطنيّة بخصوصيّاتها للتأكيد مثلا على الحقوق النقابيّة للعمّال وإنّي أشاطركم الرّأي تماما ولكنّي في الأثناء أريد أن ألفت انتباهكم إلى موضوع يمكن أن يشغلكم جميعا ألا وهو موضوع النّقابات داخل الوحدات والمصالح والهيئات التي هي خالية في العادة من تلك النّقابات في العالم نظرا لما لأفرادها من وسائل خاصّة ودقيقة. ولأخذ المثال على العالم الغربي لابدّ من الإشارة إلى أنّ اثني عشر بلدا أوروبيا من جملة أربعين وقع الترخيص فيها بحق إقامة نقابات داخل هذا النوع من الوحدات والمصالح والهيئات.
أمّا في الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الفيديرالية التي تضمّ أكثر من 50 ولاية فلا يرخص فيها بتكوين نقابات في الوحدات المذكورة إلاّ في 13 ولاية فقط. ونفس الشيء ينطبق على هيئة الدّيوانة ووزارة الخارجيّة التي هي وزارة سيادة. وهذا المشكل يحتاج إلى نضج كاف في التفكير.
......ويتبع.
كاهية رئيس أركان جيش البرّ سابقا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.