-يعتبر العنف بوجه عام أحد التعبيرات الثقافية داخل المجتمعات الإنسانية فهو ليس مجرد سلوك أو ردّة فعل أو تعبير جسدي أو شفوي إنما يعبر عن تصور كامل ورؤية فردية أو جماعية للآخر وللعالم والأشياء وقد أجمع علماء النفس والاجتماع والحقوقيين على تعريفه بكونه الفعل الذي يتسلط على جسد الإنسان أو نفسه أو ممتلكاته بصفة مباشرة أوغير مباشرة لإجباره سواء على القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل أو لمجرد الانتقام. ولقد لعب العنف دورا كبيرا في التاريخ كإحدى تمظهرات القوة البدنية لدى الإنسان سواء في علاقته بالطبيعة أو بالإنسان وحسمت عديد الأحداث والتحولات الكبرى في تاريخ الإنسان بواسطة العنف سواء كان ذلك في بداية التاريخ او في العصر الحديث او في الحياة المعاصرة، فلم تكن الطفرات المعرفية الهامة والتطور العلمي والتكنولوجي أهم العوامل الكامنة وراء التحولات التاريخية الكبرى بل كثيرا ما كان للعنف دور حاسم فيها ووضّفت المعرفة والعلم من اجل تطوير قدرة الإنسان على ممارسة العنف وهو ما جعل العديد من المؤرخين والانتروبولوجيين يعتبرون العنف سلوكا مرتبطا بالطبيعة البشرية وأن الثقافة باعتبارها ما يضيفه الإنسان الى حالة الطبيعة الأولى فان إحدى وظائفها الأساسية هي مقاومة نزعة العنف والإيذاء لديه ودفعه للتغيير والتأثير في محيطه بقوة العقل والحجة بدل قوة القبضة وان الحضارة الإنسانية في نهاية المطاف سعي متواصل من أجل السيطرة على نزعة العنف لدى الإنسان والعمل على تطويعه وتطوير قدراته الذهنية والفكرية والعلمية باعتبارها أدوات التأثير في العالم ولتحقيق إنسانيته، ولذلك كانت الفكرة التي هيمنت على المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وقد وقف العالم على حجم الخراب والدمار الذي لحق بالإنسانية هي كيف يمكن بناء مجتمع دولي يقوم على مبادئ العدل والحق والسلام والحوار؟ ولا يمكن بداهة بناء مجتمع دولي على تلك الأسس إلا ببناء مجتمعات وطنية تقوم على المبادئ نفسها قبل ذلك وانتم تلاحظون أن أهم المواثيق الدولية لحقوق الانسان صدرت بعد ذلك التاريخ ولذلك الغرض أنشأت منظمة الأممالمتحدة للتربية والثقافة والعلوم التي كان هدفها الأساسي اعتماد الثقافة والمعرفة بوجه عام وسيلة لإحلال السلام في العالم والتقريب بين الحضارات والشعوب, وقد كانت الفكرة المركزية التي تقوم عليها المنظمة هي معرفة السبل الكفيلة بإحلال السلام في العالم وتكريس الحوار ليس بين الحضارات والشعوب فقط وإنما داخل المجتمعات نفسها لذلك نصّ ميثاقها التأسيسي على أنه "إذا كانت الحرب تتولد في عقول البشر ففي عقولهم يجب بناء حصون السلام" أو ليست الحرب هي أكثر اشكال العنف السياسي فظاعة، ولا يمكن أن تكون حصون السلام شيء آخر غير العقل والثقافة والعلم والمعرفة والحوار ونبذ العنف سواء كان فرديا أو جماعيا أو بين الدول . _ ما هو العنف السياسي ؟ _ما هي أسبابه؟ _ ماهي آثاره وأخطاره؟ _ وكيف نقاومه ؟ 1 -ما هو العنف السياسي؟ : من الغرابة بمكان ان يرتبط العنف بالسياسة وان نتحدث عن سلوك نصفه بالعنف السياسي ذلك ان السياسة كممارسة وكسلوك مدني تتعارض كليا مع السلوكيات العنيفة بكل انواعها وحتى المعنى الاصطلاحي لكلمة السياسة يتضمن معاني الحكمة والعقل والادارة الهادئة والرصينة وهي جميعها تقف على طرف نقيض مع العنف كأسلوب للتعامل وحسم الاختلاف ولكن انحراف السياسة وانحدارها الى ممارسات ليست من طبيعتها السياسة في شيء ادّى الى ظهور ما يسمى بمفهوم العنف السياسي الذي هو في نهاية المطاف مرض في السياسة وانحراف عن ادواتها. لا يوجد تعريف موحّد للعنف السياسي وقد اختلف الباحثون حول هذا الموضوع باختلاف توجهاتهم الفكرية والإيديولوجية وكذلك باختلاف الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يتحركون فيه ولكن يوجد شبه اجماع حول اعتبار العنف السياسي استخدام للقوة المادية جسدية أو معنوية أو التهديد بها لتحقيق أهداف سياسية، فكلما كان العنف يرمي إلى تحقيق أهداف سياسية وتكون السلطة محوره فهو بالضرورة عنفا سياسيا، ولا يهتم القانون الجنائي العام عموما بالغاية من استعمال العنف إنما يكتفي بحصول فعل العنف ولذلك فانه لا وجود لمصطلح العنف السياسي ضمن أحكام القانون الجنائي التونسي ولا في أغلب القوانين الوضعية ولا يختلف العقاب بحسب ما إذا كان العنف سياسيا أو غير سياسي(في بعض الاحيان من الممكن ان تشمله بعض احكام قانون الإرهاب المثير للجدل وبعض احكام الجريمة المنظمة في القانون الجزائي التونسي ) ويمكن أن يمارس العنف السياسي سواء من قبل فرد أو من قبل مجموعة أفراد أو من قبل حزب سياسي أو جمعية مدنية ويمكن أن يكون غير رسمي لاواعيا ولاعقلانيا وغير مخطط له حينما يمارس من قبل شخص أو مجموعة أفراد تجاه فرد أو مجموعة أفراد بصفة حينية وعفوية ودون تخطيط مسبق ويمكن أن يكون منظما ومخططا له سواء مورس من قبل شخص أو مجموعة أشخاص على مستوى الإعداد والتحضير والتنفيذ وتوقع النتائج ويكون العنف السياسي رسميا حينما يكون صادرا عن الدولة وهو ضرورة عنف منظم لأنه عادة ما يكون أسلوبا في ممارسة الحكم وفرض إرادة الدولة على خصومها ومعارضيها وتوظف فيه الدولة أجهزتها الرسمية الأمن، القضاء، الإعلام... ويتخذ العنف السياسي أشكالا متعدّدة: فيكون عنفا جسديا مثل الاعتداء بالعنف بكل انواعه والحجز والاعتقال ويصل الى حدّ الاغتيال والتصفية الجسدية سواء للشخص المستهدف أو لاحد أفراد عائلته أو أقاربه ويمكن ان يكون عنفا معنويا مثل الثلب والسبّ والشتم والتشهير والتكفير والتهديد والترهيب الممنهج والمستمر الذي يدخل الفزع في نفس الشخص المستهدف أو في نفس أحد أفراد عائلته أو أقاربه وتعدّ عنفا سياسيا كذلك الانقلابات العسكرية، التمّرد، أعمال الشغب، الفوضى، الحرق والتخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصّة في بعض الاحيان اذا كانت لها خلفيات او غايات سياسية. ويمكن أن يكون العنف في بعض الاحيان ذا طبيعة مزدوجة رسمية وغير رسمية أي تدعمه الدولة وتمارسه بوسائط غير رسمية وليس بواسطة أجهزتها الرسمية في محاولة للتورية والتخفي. 2) أسباب العنف السياسي: يرجع اغلب الباحثين العنف السياسي الى عوامل سيكولوجية واجتماعية وعوامل مرتبطة بالصراع السياسي. وهو ظاهرة معقدة ومتشابكة وذات أبعاد متعددة ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية وتاريخية ولا يمكن اختزالها ببساطة في سبب معين وعلى الرغم من تعدد وتداخل العوامل التي تؤدي إلى ظاهرة العنف السياسي إلا أن تأثير هذه العوامل ليس واحدا بل يختلف من دولة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر طبقا للاختلافات والتمايزات المرتبطة بالتركيبة الاجتماعية والثقافية والسياسية وبالظروف الاقتصادية . فتوجد في بعض الأحيان عامل أو جملة من العوامل الجوهرية أو المركزية التي تؤدي مباشرة الى العنف السياسي تغذيها في نفس الوقت جملة من العوامل الأخرى تكون من حيث اهميتها وتأثيرها في مرتبة ثانوية مقارنة بالأولى فقد تتسبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها دولة معينة مثلا وما ينتج عن ذلك من ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطن في حصول أحداث للعنف السياسي وهذا السبب المركزي تغذيه عوامل أخرى تأتي مكملة مثل قمع الحريات والقيود المسلطة على حرية الفكر والتعبير وحق التنظّم والاجتماع وتختلف العوامل المركزية والثانوية من مرحلة الى أخرى وقد تتبادل المواقع في ما بينها فيصبح ما هو مركزيا في فترة تاريخية معينة ثانويا ويصبح الثانوي مركزيا حسب السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي (احداث تونس 1978 – كذلك خلال الثمانينات واحداث الحوض المنجمي 2008 واحداث بنقردان 2010 واحداث سيدي بوزيد2011) وفي الحقيقة فإن الدول العربية كانت عبر تاريخها الطويل مسرحا كبيرا للعنف السياسي وإلى تاريخ اليوم ( مصر – الجزائر – العراق – سوريا – لبنان –تونس –السودان –اليمن – فلسطين –المغرب – البحرين –السعودية –موريتانيا – ليبيا ) فلا تكاد تخلو إحدى هذه البلدان من هذه الظاهرة وإن اختلفت وتنوّعت جذورها وأسبابها من بلد الى آخر طائفي، عرقية، دينية،عشائرية، قبلية،اقتصادية، ثقافية وهو ما يحيلنا إلى البحث عن جذور الظاهرة في تاريخنا السياسي العربي الإسلامي الذي اصطبغت فيه عديد الفترات التاريخية بالعنف السياسي ونشير في هذا الاطار الى الفتنة الكبرى وتداعياتها على التاريخ السياسي العربي الإسلامي كذلك موقعة صفين وكربلاء والصراع بين العباسيين والأمويين ثم ظهور الخوارج كأول تنظيم سياسي معارض يعتمد العنف اسلوبا لفرض أفكاره في ما يتعلق خاصة بأسلوب الحكم كذلك ما تعّرض له المعتزلة من قمع واضطهاد بسبب افكارهم. وفي الحقيقة لم يكن العنف السياسي ظاهرة تمّيزت بها المجتمعات العربية دون غيرها بل كان احدى السمات البارزة في التاريخ الحديث للمجتمعات الانسانية ومنها الأوروبية والأمريكية واستمر إلى ما بعد الثورات الأوروبية الكبرى مثل الثورة الفرنسية والثورة الإنجليزية والثورة الروسية وكذلك الثورة الأمريكية وقد شهدت جميعها احداثا للعنف السياسي ومذابح سياسية ألقت بظلالها على هذه المجتمعات لعشرات السنين لكن المشكل بالنسبة للمجتمعات العربية انها لم تستطع الى حد الآن حسم خلافاتها بالطرق السلمية فيما حققت الدول الأوروبية هذه النقلة النوعية منذ زمن (ولا ينفي ذلك وجود بعض مظاهر العنف السياسي في هذه البلدان دون ان يشكل ظاهرة بالمعني السوسيولوجي) بل إن بعضا من هذه الدول العربية قد انخرطت حديثا في هذه الظاهرة فكم يلزمها من وقت اذا لتتعافى منها ؟ إن أسباب العنف السياسي عديدة ومتنوّعة ولكنها في نهاية المطاف تقف عند نفس النقطة وهي عدم الايمان بمبادئ التعايش السلمي والحوار ونسبية الحقيقة والخطأ واعتماد الديمقراطية أسلوبا للحكم وإطارا يحتضن الجميع مهما اختلفت أفكارهم وآراؤهم وهو ما يحيلنا إلى الحديث عن أخطار العنف السياسي وآثاره . ● حقوقي وباحث في تاريخ العالم المتوسطي وحضارته